أسبوع دبي للموضة: منصة عالمية جديدة للمصممين الطموحين
المدرج كان يعبق بالغموض، الإضاءة خافتة تخفي تفاصيل المكان إلا من وميض الهواتف الذكية التي انتشرت بين الحضور كنجوم متلألئة في سماء الليل. المقاعد كانت جميعها مشغولة، سواء بضيوف سبقوا الجميع وتخطوا الصفوف الطويلة، أو بكبار الشخصيات الذين ضمنوا لأنفسهم أماكن أشبه بالعقارات الفاخرة.
بعض الحضور لم يحالفهم الحظ، ليجدوا أنفسهم واقفين بين الصفوف، بينما استمر آخرون بالالتصاق بالأبواب الخارجية، على أمل الحصول على مقعد لن يتاح لهم أبدًا. ومع بداية العرض، انطلقت الموسيقى بصوت جهير، تردد صداها في الأرجاء، بينما انطلق ضوء كشاف وحيد يخترق الظلام، ليلتقط صور العارضين المتألقين.
تصاميم جريئة وإبداعات متجددة
كانت التصاميم جريئة ومبتكرة. أكتاف عريضة، ياقات عالية، بنطلونات بشقوق تصل إلى الكاحل، وفساتين حريرية تنساب بنعومة. كل عارض قدم مفهومًا جديدًا، تجسيدًا للإبداع الذي يتميز به طلاب معهد فاد للأزياء والأناقة الراقية في دبي، المؤسسة التعليمية الرائدة في مجال تصميم الأزياء في الإمارة. كان هذا العرض الختامي لفعاليات اليوم الخامس من أسبوع دبي للموضة لربيع وصيف 2026.
لطالما احتلت باريس وميلانو مكانة مرموقة في عالم أسابيع الموضة، إلا أن دبي تقدم رؤية مختلفة. فمشهد الأزياء في الإمارات يعكس سمات فريدة تجسدها مواهب معهد فاد: الديناميكية، التنوع، والجرأة في التجربة.
لم تقتصر المشاركة في أسبوع دبي للموضة على دور الأزياء الأوروبية البارزة، بل شملت أيضًا مصممين من مومباي وماليزيا وبيروت وغيرها. افتتح المصمم الماليزي ريزمان روزيني فعاليات الأسبوع جنبًا إلى جنب مع كريشا باجاج من مومباي، ليؤكدا على الدور الرائد لجنوب شرق آسيا والهند في عالم الموضة.
نجوم على السجادة الحمراء ومواهب عالمية
علامة روزيني، التي تصدرت عناوين الصحف بمشاركة نعومي كامبل في عرضها بأسبوع الموضة في دالاس قبل عامين، أصبحت مرادفة لسحر السجادة الحمراء في أنحاء آسيا. أما باجاج، فتشتهر بفساتينها المطرزة بقصص حب، والتي تبرز جمال الأزياء الهندية الراقية عالميًا.
في اليوم الثاني، قدمت علامة فيوليتوي من بنغالورو، التي شاركت في تأسيسها ساماثا تشاندراشيكار، عرضًا عالميًا يجمع بين الموضة وفنون الأداء. وفي الوقت نفسه، أضاف إريك بيندانا من نيكاراغوا، الذي صنف مؤخرًا كأحد أكثر المصممين تأثيرًا في أمريكا اللاتينية، لمسة فريدة من أمريكا الوسطى. واختتمت تارا بابيلون، المصممة البريطانية العراقية التي حققت نجاحًا في نيويورك، عرضها بمجموعة مستوحاة من أزياء الشارع وثقافة النوادي وتراثها الخاص.
دبي.. منصة لمصممي الجنوب العالمي
لا يزال أسبوع الموضة في دالاس حديث العهد مقارنةً بباريس وميلانو ونيويورك، ولكنه سرعان ما تحول إلى منصة لمصممي دول الجنوب العالمي. استقطبت تشكيلة هذا الموسم علامات تجارية من جنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مما أتاح لها فرصة للوصول إلى المشترين والصحافة الذين نادرًا ما يلتقون بهم في السوق الأوروبية. الموقع الجغرافي لدبي، كنقطة وصل بين آسيا والخليج وأوروبا، يمنحها ميزة إضافية، حيث يسمح للحدث بجذب مزيج أوسع من المواهب والجمهور مقارنة بعواصم الموضة العريقة.
تضمن برنامج ربيع وصيف 2026 مشاركة أكثر من 30 مصممًا من 13 دولة، مع هيمنة واضحة للأسماء القادمة من الهند وماليزيا والفلبين ولبنان ونيكاراغوا، بالإضافة إلى المواهب المحلية من دبي. وعلى الرغم من أن التشكيلة كانت أضيق مقارنة بالموسم الماضي الذي ضم 35 مصممًا من 17 دولة، إلا أنها كانت أكثر تركيزًا، مما يجعل دبي منصة رئيسية لعرض إبداعات الجنوب.
رؤى الخبراء حول أسبوع الموضة في دبي
فيليبا كينيدي، مديرة العلاقات العامة في شركة برازين مينا، وهي وكالة متخصصة في قطاع الرفاهية وأسلوب الحياة، تعتبر من الخبراء الذين عايشوا العديد من أسابيع الموضة. عملت في حوالي 40 أسبوعًا للموضة في أوروبا، واكتسبت خبرة واسعة قبل أن تستقر في الإمارات.
ترى كينيدي أن موقع دبي المتميز في قلب العالم يجعلها وجهة مثالية للمصممين من المناطق المحيطة بها، مع التأكيد على أهمية وجود المواهب العربية والأسماء القادمة من جنوب آسيا والأسواق الغربية. وتعتبر أن ضم هذه الأسماء هو قرار مدروس من مجلس الأزياء العربي.
تؤكد فيليبا أن جاذبية دبي لا تقتصر على موقعها الجغرافي، بل تشمل أيضًا القوة الشرائية الهائلة في المنطقة، مشيرة إلى أن هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية، يتمتع بقدرة إنفاق كبيرة يجب تلبيتها.
الأرقام تتحدث: سوق الأزياء الفاخرة في دول مجلس التعاون الخليجي
تشير الإحصائيات إلى أن الأزياء كانت أكبر فئة من السلع الفاخرة في دول مجلس التعاون الخليجي في العام الماضي، بقيمة 5.2 مليار دولار أمريكي (19 مليار درهم إماراتي)، متفوقة على الساعات التي بلغت قيمتها 5.1 مليار دولار أمريكي (1.8 مليار درهم إماراتي)، وفقًا لدراسة حالة أجرتها مجموعة شلهوب. وفي الإمارات العربية المتحدة وحدها، من المتوقع أن يصل حجم سوق السلع الفاخرة إلى 4.4 مليار دولار أمريكي (16.1 مليار درهم إماراتي) في عام 2025، وأن يرتفع إلى 5.7 مليار دولار أمريكي (20.9 مليار درهم إماراتي) بحلول عام 2030، وفقًا لتقرير صادر عن شركة الأبحاث والأسواق.
توضح كينيدي أن المصممين في أماكن مثل الهند أو كوالالمبور، حيث لا تقام أسابيع الموضة بانتظام، يبحثون عن منصة ليكونوا جزءًا من حدث أكبر، وأن دبي توفر لهم حاليًا هذه المنصة ومساحة العرض.
تحديات وفرص
في الوقت نفسه، تعترف كينيدي بأن دبي لا تزال تفتقر إلى التاريخ والتراث اللذين يميزان دور الأزياء الباريسية. وتتساءل: “إذا كنت علامة تجارية باريسية تمتلك ورشة عمل في فرنسا، فلماذا تأتي إلى دبي لعرض تصاميمك؟” وتضيف أن التحدي يكمن في أن دبي لم ترسخ بعد إرثًا يجذب إليها ألمع الأسماء باستمرار، وأن هناك الكثير من التجارب والأخطاء التي يجب تجاوزها.
من جهتها، ترى عائزة ز.، مسؤولة المشاريع والشراكات في مجموعة شلهوب، أن دبي هي المكان الأمثل لتجربة الأزياء، مؤكدة أن المدينة هي مركز لكل شيء، وأن الابتكار والريادة هما جوهرها، وأن أسبوع الموضة يمثل حوارًا لا يمكن لتجارة التجزئة الفاخرة تجاهله، بل هو لحظة تاريخية للمدينة.
تضيف عائزة أن مجموعة شلهوب تدعم الإمكانات في كل مكان تلتقي فيه الفخامة بالابتكار.
شراكات استراتيجية لدعم المواهب الإقليمية
تشير عائزة أيضًا إلى الشراكة التي أطلقتها غريس خوري، نائبة الرئيس الأولى لمجموعة شلهوب، مع معهد فاد للأزياء، والتي تضمنت بينيديكت بلانك، المدير العام لشركة أسبيريشنال لوكجري، كعضو في لجنة التحكيم، ما يعكس استثمار شلهوب في رعاية الجيل القادم من المواهب الإقليمية.
كما أشارت عائزة إلى وكالة التجارة الإيطالية، الراعي الرئيسي لأسبوع الموضة في دالاس، والشريك لمجموعة شلهوب من خلال علامتها التجارية ليفل شوز، برئاسة إليسا برونو، واصفة ليفل شوز بأنها قصة نجاح تجسد كيف أصبحت دبي أرضًا خصبة لازدهار اقتصادات الأزياء العريقة والمصممين الجدد على حد سواء، ولاختبار آفاق جديدة وإقامة شراكات مع الأسواق الناشئة.
في اليوم الثالث، نظمت وكالة التجارة الإيطالية “اليوم الإيطالي في دبي”، حيث استقطبت مجموعة من المصممين الإيطاليين إلى منصة العرض، في خطوة لا تهدف إلى تصدير ثقافة ميلانو بقدر ما تهدف إلى الحضور في قلب الحدث.
تخفيف حواجز الدخول
ما يميز أسبوع الموضة في دالاس عن باريس أو ميلانو هو تخفيفه لحواجز الدخول، حيث تجد العلامات التجارية الصغيرة التي قد تواجه صعوبة في تحقيق اختراق في أوروبا طريقها بسهولة أكبر هنا، مما يمنحها حضورًا بارزًا أمام المشترين والصحافة والمستهلكين الذين ربما لم يروا أعمالهم لولا ذلك.
نادينا بوتوروفيتش، مصممة أزياء بوسنية مقيمة في الإمارات وعملت سابقًا في باريس، هي إحدى المصممات اللواتي يتابعن الحدث عن كثب. علامتها التجارية، BNS، تعمل في الغالب عبر الإنترنت ومن خلال متاجر مؤقتة في جميع أنحاء الإمارات. بالنسبة لها، يمثل أسبوع الموضة في دالاس منصة مثالية للمصممين المستقلين الذين لا يمتلكون بعد حجم دور الأزياء العريقة، لكنهم يبنون قاعدة عريضة من المتابعين في المنطقة، وتأمل أن يلقى معرض BNS صدى واسعًا لدى المشترين الذين يبحثون عن قطع خالدة وأنيقة وأنثوية مصنوعة في المقام الأول من أقمشة طبيعية.
ترى بوتوروفيتش أن التنوع في أسبوع الموضة في دالاس يمنح العلامات التجارية الأصغر فرصة أكبر للظهور، مشيرة إلى مشاركة مصممين من الفلبين وتايلاند وسريلانكا.
سوق تنافسية وفرص واعدة
ومع ذلك، توضح بوتوروفيتش أن سوق الأزياء في الإمارات العربية المتحدة تنافسي للغاية، وأن التواجد فيه يشكل تحديًا، إلا أنها تعتبره أكثر انفتاحًا مقارنة بأوروبا، وتأمل في إطلاق مجموعة صيفية على منصة عرض أزياء دالاس بعد بناء علامتها التجارية وشبكة علاقاتها.
وبالمثل، حضرت فاطمة الرميثي، المتخصصة في المجالين الإبداعي والثقافي، ثلاثة أسابيع أزياء في دبي حتى الآن، واصفة إياه بأنه “مساحة فعاليات سهلة الوصول”، حيث يمكن للمصممين وعارضي الأزياء والمؤثرين ومنشئي المحتوى التفاعل والاستمتاع بالعروض.
تؤكد الرميثي على أهمية الاحتفاء بالمصممين الهنود، مشيرة إلى أن الجالية الجنوب آسيوية جزء لا يتجزأ من هذه المدينة العالمية وهذا البلد، وأن التنوع لا يقتصر على المصممين القادمين من جميع أنحاء العالم، بل يظهر أيضًا على منصات العرض، حيث لا يمثل التمييز اللوني مشكلة كبيرة، وتشاهد عارضات أزياء ذوات مقاسات كبيرة ومتوسطة.
مزيج من القيم الشرقية والغربية
بصفتها من عملت خلف الكواليس في أسابيع الموضة في دبي ونيويورك، وجدت الرميثي أن تجربتها في الإمارات العربية المتحدة أكثر عالمية، حيث يوجد مزيج من القيم الغربية والشرقية، وأن الحوارات التي يعبر عنها المصممون في أسبوع الموضة في دالاس تعكس المجتمع العالمي المتواجد إقليميًا بشكل أكبر، مع التزام أقل تجاه العلامات التجارية الكبرى والأسماء المرموقة مقارنة بنيويورك.
ما يحدث على منصات العرض لا يقتصر على متابعة المصممين الصاعدين عن كثب، بل يمثل أيضًا فرصة لتجار التجزئة في المنطقة للاطلاع على أحدث صيحات الموضة، كما تقول إميلي أبراهام، مؤسسة بوتيك لوف لاكشري للأزياء المستعملة، التي تحرص على حضور أسبوع الموضة في دالاس كل موسم لمواكبة أحدث الصيحات ودعم المصممين المحليين، مشيرة إلى أن للصيحات تأثيرًا على ما يبحث عنه المستهلكون عند زيارتهم لها، وأن الطلب على الألوان والأشكال يتغير من موسم لآخر.
الجميع يستفيد من أسبوع الموضة في دبي
يوافق كينيدي على ذلك، مؤكدة أن أسبوع الموضة يتيح فرصًا لتجار التجزئة لمواكبة أحدث الصيحات وتغيير المعروضات، كما يتيح المجال للمصممين المحليين الأصغر حجمًا لإبرام صفقات تجارية، حيث قد يلفت المصمم الذي يعرض أعماله لأول مرة انتباه متجر محلي فاخر أو متجر تجزئة أكبر للحصول على مساحة لعرض منتجاته، ففي النهاية، الموضة هي تجارة.
مع ازدياد مصداقية منطقة دالاس فورت وورث، سيكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كانت بعض دور الأزياء الكبرى قد بدأت تفكر في عرض مجموعتها العربية هناك، فدبي تحتاج إلى ترسيخ مكانتها كصوت مؤثر وخلق تراث مبتكر، مع الاحتفاء بمساحتها الجغرافية.
بالنظر إلى أن مجلس الأزياء العربي لم يبدأ رسميًا بتنظيم فعالياته إلا في عام 2023، فإنه لا يزال في بداياته، ولكنه يتمتع بإمكانيات كبيرة.
تختتم أيزة حديثها بالإشارة إلى أن التنوع يصبح أمرًا طبيعيًا مع جذب المدينة للصفوة من جميع أنحاء العالم، وأنه مع تزايد حضور منطقة دالاس فورت وورث في عالم الموضة العالمي، ستصبح بلا شك مركزًا إقليميًا رائدًا في هذا المجال.
و أخيرا وليس آخرا
تناولت هذه المقالة أسبوع دبي للموضة كمنصة صاعدة للمصممين الطموحين، خاصة من دول الجنوب العالمي، وكيف تستفيد دبي من موقعها الاستراتيجي وقوتها الشرائية لتقديم حدث أزياء عالمي متنوع وشامل. كما استعرضنا رؤى الخبراء والتحديات والفرص التي تواجه هذه الصناعة في الإمارات العربية المتحدة. يبقى السؤال: هل ستتمكن دبي من ترسيخ مكانتها كعاصمة عالمية للموضة، قادرة على منافسة باريس وميلانو؟










