كنوز منسية: كيف أشعل نموذج التأشيرة رحلة في الذاكرة
في خضم انشغالنا بأمور قد تبدو عابرة، يغيب عن بالنا مصيرها بعد رحيلنا. هل سيهتم بها أحد؟ هذا ما أثارته رحلة البحث عن ملفات منسية في ذاكرتي.
أجد نفسي بطريقة ما محافظًا على آثار الماضي، جامعًا لكنوز ربما لم أدرك قيمتها. لطالما تجنبت الخوض في الحنين عبر كتاباتي، خشية أن يثير ذلك مشاعر سلبية. ولكن، يبدو أن بعض الأمور خارجة عن إرادتنا.
البحث عن الجذور
البحث عن الجذور كان الدافع وراء انشغالي طوال عطلة نهاية الأسبوع، وذلك بطلب من نموذج تأشيرة شنغن. آخر مرة خضت تجربة مماثلة كانت عند تقديمي طلب للحصول على إقامة دائمة في سنغافورة.
أفضل من ينقب في الماضي في عائلتنا هي أختي الكبرى، التي تحتفظ بذاكرة استثنائية لأعياد الميلاد والوفيات في عائلة باتالي الكبيرة. عندما ملأت استمارة الإقامة الدائمة في سنغافورة عام 2001، لم تتردد أختي، ذات الـ 53 عامًا آنذاك، في استخراج جميع التواريخ والبيانات الضرورية بسرعة ودقة.
ذاكرة لا تُنسى
“أختي، في أي عام وُلد أبي؟” سألتها.
“بعد عامين من الحرب العالمية الأولى.” أجابت.
بعد تفقد جواز سفر أبي القديم وستراته البيضاء، المخزنة في صندوق صفيح تحت السرير الخشبي الذي شهد الكثير من الأحداث العائلية، أكدت: “في عام 1919 بالتحديد”.
عندما طلبت منها خلال عطلة نهاية الأسبوع تواريخ ميلاد والديّ وأماكن إقامتهم لملء نموذج تأشيرة شنغن، اعتذرت قائلة إن ذاكرتها لم تعد بتلك القوة.
“يا سوريش، لست متأكدة من قدرتي على البحث في الآثار الاستعمارية.” كان هذا الرفض المباشر بداية لعملية بحث محمومة، إذ كان موعد مقابلة طلب التأشيرة يوم الاثنين.
تذكرت وجود نسخة من جواز سفر أبي، مختومة عدة مرات في ميناء دانوشكودي، نقطة عبوره المعتادة إلى سريلانكا (سيلان سابقًا)، ضمن مقتنياتي القديمة. مهمة شاقة أن تنحني وتبحث بين صفحات عشرات الملفات المغبرة في الخزائن والأدراج والحقائب القديمة.
كنوز الماضي
انبهرت بما عثرت عليه: دفاتر قصاصات الطفولة، مذكرات شخصية بنقد ذاتي حول الطفولة والبلوغ والزواج، ملف أول اختبار قيادة، أوراق ضمان نظام صوتي، ثلاجة، غسالة، أول جهاز كمبيوتر شخصي من شارع الفهيدي في بر دبي، أول إيصال تحويل عام 1989، دفاتر توقيعات المدرسة برسائل مؤثرة، تذاكر مترو وحافلات لندن، دفاتر حسابات بنوك OCBC و Postbank في سنغافورة، عشرات شهادات التفوق الرياضي والثقافي، ميداليات أفضل حربة ورماية من الجيش الهندي، وغيرها.
أين ذهبت الملايين؟
بالنظر إلى عدد إيصالات التحويل، كان من المفترض أن أكون مليونيراً. تساءلت أين تبخرت كل هذه الأموال. نظرت إليّ ورقة من أمي، مكتوبة بخط يدها على ورق مسطر بالأحمر، تتحدث عن سوء إدارتي المالية ومتطلبات ميزانيتها.
أكوام من كشوف الرواتب من بومباي إلى دبي وسنغافورة، إشعارات الترقية والزيادات والمكافآت، تأخيرات سداد بطاقات الائتمان، غرامات اتصالات وهيئة كهرباء ومياه دبي، فواتير توصيل من مطاعم كراتشي داربار ورافي والسند والبنجاب ووودلاندز، إيصالات إيداع في محلات تأجير الفيديو، بطاقات صعود الطائرة من مطار دبي الدولي، قسائم سحوبات مهرجان دبي للتسوق ومفاجآت صيف دبي، وغيرها، تساقطت من الحقائب القديمة.
البحث مستمر
بعد يومين من البحث، ظل جواز سفر الأب وشهادات الأم المدرسية مفقودين.
“لا يمكن أن يختفيا. لقد عشت معهما في كل البيوت التي انتقلنا إليها، أنا آخر من يمكن أن يرميها.” هكذا جادلت زوجتي.
في المقابل، باء بحث زوجتي عن بيانات والديها بالفشل.
“أنتِ تتحدثين عن أناس من زمن الأبيض والأسود، ما قبل الرقمنة. لقد عاشوا قبل بطاقة الهوية وبطاقة PAN، لا أستطيع مساعدتك.” كان رد أخيها مقتضبًا.
برقية من الماضي
لكن المفاجأة الأكبر كانت العثور على النسخة الأصلية من برقية دولية، أو تلغراف، تلقيتها عام 1989 من جهة عملي آنذاك (وحاليًا)، جالديري للطباعة والنشر، تخبرني بصدور تأشيرتي وأول وظيفة لي في الخارج في الإمارات العربية المتحدة. هذه الورقة الصفراء تحمل قيمة فريدة. أولًا، خدمة الاتصالات التي سبقت الإنترنت لم تعد موجودة في الهند. ثانيًا، فتحت لي عالمًا جديدًا، كاشفة عن طيف أوسع من الثقافة والفلسفة والقيم المجتمعية.
اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أقرأ محتوى البرقية:
“تأشيرتكم جاهزة. تم ترتيب الموافقة على السفر. رقم الموافقة: 0984020554832. يرجى الاتصال بمكتب طيران الهند وإبلاغنا بتفاصيل رحلة وصولكم لتمكيننا من إبراز التأشيرة في مطار دبي. مع التحيات،
إس. دي. دستور
المدير (المالية والإدارة)
الخليج تايمز، دبي.”
في لحظة صمت مؤثرة، تساءلت: من سيهتم بهذه الكنوز بعد رحيلي؟ بينما نحافظ أنا وأختي على إرث والدينا، هل سيكلف الجيل الجديد نفسه عناء حمل هذه الأمتعة الثقيلة من الماضي؟
تذكرت محادثة مع عمي، الذي كان يعتبر سريلانكا وطنه، خلال زيارتي الأخيرة له قبل وفاته.
“هذه كتب قيمة ومراسلات مع أدباء في الهند. لست متأكدًا ما إذا كان أطفالي، الذين نشأوا بعيدًا عن الثقافة الهندية، سيهتمون بالحفاظ عليها. لماذا لا تأخذها إلى الهند؟”
لم أعقب، معتقدًا أن ذلك غير لائق دون استشارة عائلته المنتشرة حول العالم. واليوم، أواجه المعضلة نفسها، وأطرح السؤال ذاته على نفسي: آثار، هل من مهتم؟
وأخيرا وليس آخرا
رحلة البحث عن نموذج تأشيرة شنغن قادتني إلى استكشاف كنوز الماضي المنسية، من جوازات سفر قديمة إلى برقيات تاريخية، كل منها يحمل قصة وتاريخًا. وبينما نستمتع بحماية هذا الإرث، يبقى السؤال: هل سيكون الجيل القادم مهتمًا بحمل هذه الأمانة الثقيلة؟ وهل سنجد من يقدر قيمة هذه الآثار في زمن التكنولوجيا والتحول الرقمي؟










