تمكين المرأة المطلقة: مبادرة “قصص التحرر” تضيء دروب الأمل في الإمارات
في خضم صخب الحياة اليومية وتحدياتها، قد يجد المغترب نفسه في الشرق الأوسط أسيرًا للوحدة، متغافلًا عن أهمية شبكة الدعم الاجتماعي التي تعينه على تجاوز الصعاب، تلك المساحة الآمنة التي يجد فيها المرء متنفسًا للتعبير عن ذاته دون خوف أو وجل.
في الجهة المقابلة من بحر العرب، وفي ولاية كيرالا جنوب الهند، أطلقت رافيا آفي، صانعة المحتوى، سلسلة مخيمات بعنوان “قصص التحرر”، سرعان ما لفتت أنظار وسائل الإعلام الهندية، مشيدةً بهذه المبادرة التي توفر ملاذًا آمنًا وغير رسمي للنساء المطلقات أو الأرامل أو المنفصلات، ليجتمعن ويتواصلن معًا.
صدى المبادرة يصل الإمارات
تلقّت آفي رسائل عديدة من نساء هنديات مقيمات في الإمارات، يرجونها نقل هذه المخيمات إلى أرض الدولة. وأوضحت آفي في حديث لـ”المجد الإماراتية”: “على الرغم من استقلاليتهن المادية، إلا أنهن يعانين من الوحدة والضيق الداخلي، ويفتقدن إلى الصديقات المقربات أو الأقارب الحميمين، فالحياة في الإمارات لا تدع مجالًا للراحة”. لذا، قررت آفي تنظيم لقاء سريع بالتزامن مع رحلة شخصية لها.
أول مخيم علاجي للطلاق في دبي
في فندق هامبتون باي هيلتون مطار دبي بالقصيص، أُقيم أول مخيم علاجي للطلاق يومي 19 و20 يوليو، بحضور نحو عشر سيدات. تقول آفي مبتسمة: “لم تنم أي واحدة منا، بل لعبنا وتبادلنا القصص وضحكنا ورقصنا، واستمتعنا بوقتنا كثيرًا”. وأعربت عن أملها في تنظيم المزيد من هذه المخيمات خلال زياراتها القادمة إلى الإمارات.
“تطبيع الطلاق”: هدف تسعى إليه آفي
“هدفي هو تطبيع الطلاق”، هكذا صرحت آفي، المطلقة منذ العام الماضي، مضيفة: “تخشى النساء الطلاق لدرجة أنهن يفضلن الموت عليه، لكنني أريد أن أؤكد لهن ألا يفقدن الأمل أبدًا”.
تجارب شخصية تروي المعاناة والأمل
سوريا، المقيمة في الشارقة (اسم مستعار لحماية الخصوصية)، لا تزال تعيش على وقع ذكريات زواجها المرير، وتؤمن بأنها كانت ستلقى مصيرًا مشابهًا لولا دعم والديها الثابت. تروي سوريا تفاصيل مروعة عن زواجها، مدعية أن زوجها السابق كان يخونها ومديونًا ومسيئًا جسديًا وجنسيًا. على الرغم من إقامته في دبي، كانت سوريا تتنقل بين كيرالا والإمارات. وتتذكر قائلة: “كنا نغلق على أنفسنا في الحمام، أنا وأطفالي، ونقضي ليالٍ عديدة ننام على الأرض، خوفًا منه”. بعد ثماني سنوات من الزواج، طلبت سوريا الطلاق في كيرالا، لكن معاناتها استمرت، حيث كافحت للتكيف مع الانفصال وشُخصت بالاكتئاب السريري. شجعها شقيقها، المقيم في الشارقة، على القدوم إلى الإمارات عام 2019 لتغيير نمط حياتها، فتقول مبتسمة: “حصلت على وظيفة في غضون ثلاثة أشهر، وتغيرت حياتي تمامًا”.
الوحدة ووصمة العار: تحديات تواجه المطلقات
“في الهند، لديكِ أصدقاء وأفراد عائلة مقربون يمكنكِ البوح لهم بأسراركِ، أما في الإمارات، فعندما تُحبسين في شقة مع زوج مُسيء، تشعرين وكأنكِ في فخ”، تصف سوريا معاناتها.
“ما زلتُ أواجه وصمة عار كمطلقة هنا”، وتضيف: “عندما بدأتُ بناء منزلي الخاص في مسقط رأسي، أو حتى عندما أذهب في رحلة عمل الآن، أسمع الكثير من الشائعات عني في دائرة أصدقائي، وفي كثير من الأحيان، انهرتُ على الأرض، باكية، غير قادرة على التحمل أكثر من ذلك”.
مخيم “قصص التحرر”: ملاذ آمن للمطلقات
علمت سوريا بمخيمات الطلاق التي تنظمها آفي في كيرالا، والمخيم المرتقب في دبي، عبر “المجد الإماراتية”. فسارعت بالتسجيل، وتقدمت بطلب إجازة من العمل، متمنية ألا يكون الأمر مجرد خدعة، وتضحك قائلة: “طلبت من صديقتي الاتصال بي والاطمئنان عليّ”.
فرحة وارتياح: تجربة لا تُنسى
لكن ما حدث، كما تقول سوريا، كان يومين من الفرحة والضحك لم تتوقع أنهما ممكنان. “غنينا ورقصنا وتبادلنا الأحزان وبكينا جميعًا”، وتضيف: “توطدت علاقات النساء من خلال المرح وألعاب كسر الجمود ودردشات استمرت لساعات بجانب المسبح، والمثير للدهشة أن معظم النساء لم يكنّ يرتدين ملابس سباحة، وعرضت إحدى الحاضرات العودة إلى المنزل لجلب ملابس إضافية لصديقاتها الجدد”.
لاحقًا، ذهبت سوريا وصديقتها الجديدة إلى مطعم قريب لتناول العشاء، وكانت أحاديثهما المرحة وحيويتهما تُعيد إلى الأذهان أيام الجامعة. وتضيف سوريا: “على العشاء، شجعتنا رافيا على استعادة مواهبنا المنسية وصقلها”.
الأخوة قوة: دعم متبادل وتحديات مشتركة
شيفنا (اسم مستعار بناءً على طلبها)، وهي مقيمة في دبي انفصلت عن زوجها قبل أربعة أشهر بعد عامين من الزواج، كانت أيضًا من بين المشاركات في المخيم. تقول شيفنا: “أمرّ بفترة عصيبة، لذا شعرتُ بالارتياح قليلًا في المخيم”. وتوضح أن صحتها النفسية تدهورت خلال العلاقة، مما اضطرها إلى ترك وظيفتها، وهي الآن تبحث عن عمل قبل انتهاء صلاحية تأشيرتها.
من خلال المخيم، أدركت النساء أن في الأخوة قوة عظيمة. تقول شيفنا: “كنا محظوظات للغاية بلقاء بعضنا البعض في المخيم وبأننا أصبحنا صديقات مقربات، لأننا ما زلنا نواجه تحديات قد لا تفهمها صديقاتنا الأخريات اللواتي لم يمررن بتجارب مماثلة. أستطيع مشاركة مشاعري بصراحة مع صديقاتي في المخيم، ونمنح بعضنا البعض القوة”.
لحظات مؤثرة وقرارات جريئة
تتذكر سوريا كيف رقصت إحدى النساء، التي كان من المقرر صدور حكم طلاقها في اليوم التالي، بكل حماس، وتقول مبتسمة: “أخبرتنا أنها ترقص في مكان عام للمرة الأولى، فرقصنا وغنينا جميعًا حتى الثالثة فجرًا، ولم ترغب أي واحدة منا في إنهاء السهرة، فجلسن معًا وتبادلن قصصهن”.
“للمرة الأولى، أدركت أنني لست وحدي”، تقول سوريا، مضيفة أنهن ظللن مستيقظات حتى الساعة السادسة صباحًا.
قبل المغادرة، تبادلت النساء رسائل مكتوبة بخط اليد وعناقًا. وتقول سوريا إن إحداهن، التي كانت منفصلة عن زوجها ومترددة في المضي قدمًا في إجراءات الطلاق، وجدت في المخيم راحةً نفسية، وأعلنت أنها قررت المضي قدمًا في إجراءات الطلاق.
وتضيف: “لا نزال جميعًا على تواصل من خلال مجموعة واتساب الخاصة بنا، والتي هي نشطة للغاية، وقد تعهدنا بالالتقاء كثيرًا على الرغم من أننا سنفتقد وجود رافيا”.
وأخيرا وليس آخرا
مبادرة “قصص التحرر” التي أطلقتها رافيا آفي، تمثل بصيص أمل للنساء المطلقات في الإمارات، حيث توفر لهن مساحة آمنة للتعبير عن أنفسهن وتبادل الخبرات واكتساب القوة من بعضهن البعض. هذه المبادرة تسلط الضوء على أهمية الدعم الاجتماعي في تجاوز الصعاب، وتدعو إلى تغيير النظرة المجتمعية للمطلقات، وتمكينهن من المضي قدمًا في حياتهن بثقة وإيجابية. فهل ستنجح هذه المبادرة في تحقيق هدفها بتطبيع الطلاق وتغيير حياة العديد من النساء في الإمارات؟










