هالة غوراني: من تغطية محاولة اغتيال ريغان إلى استكشاف الهوية والانتماء
عندما كانت هالة غوراني في العاشرة من عمرها، قدمت أول تقرير إخباري لها، لم يكن ذلك على شاشة التلفزيون أو أمام الملايين، بل لوالدها العائد من العمل، والذي لم يكن يعلم بنجاة الرئيس رونالد ريغان من محاولة اغتيال.
غوراني، التي كانت تتابع التغطية الخاصة على التلفزيون بشغف، نقلت كل التفاصيل التي استطاعت تذكرها. في ذلك الوقت، لم تكن الهواتف أو الإنترنت متاحة، ولكن كان لديها فضول طفولي ورغبة فطرية في نقل الأخبار. تتذكر قائلة: “أخبرته بكل شيء، وكنت في العاشرة من عمري فقط.”
تلك اللحظة زرعت بذرة في قلب غوراني، لتكون بداية لمهنة امتدت لأكثر من عقدين في شبكة سي إن إن، قادتها إلى الخطوط الأمامية، وأرست مكانتها كواحدة من أبرز الوجوه الموثوقة في الصحافة الإخبارية الدولية. واليوم، غوراني كاتبة معروفة، نشرت مؤخرًا مذكراتها بعنوان لكنكِ لا تبدين عربية، تستكشف فيها الهوية والانتماء وسياسات الإدراك من خلال تجربتها كامرأة سورية أمريكية نشأت بين واشنطن وباريس وجابت العالم.
طفولة بين التناقضات
ولدت غوراني لأبوين سوريين وترعرعت بين واشنطن العاصمة وباريس. طفولتها، مثل هويتها، كانت مزيجًا من الأماكن واللغات والتوقعات المختلفة. تقول: “كان لدي كل هذه الهويات المتداخلة، مما جعلني أشعر لفترة طويلة بالغربة في كل مكان.”
مفهوم الوطن المتغير
انفصل والداها في سن مبكرة، مما أدى إلى تقسيم حياتها بين قارتين. أصبح الوطن بالنسبة لغوراني مفهومًا متغيرًا، لا يقتصر على مكان محدد، بل يتعلق بطقوس التنقل المستمر والتكيف. وتضيف: “لم يكن أصلي متوافقًا مع مكان إقامتي. ولكن الآن، يعيش عدد أكبر من الناس في هذا الوضع: يولدون في بلد، وينشأون في بلد آخر، ويعملون في بلد ثالث. فأين ينتمون إذًا؟”
في مدن مثل دبي، حيث يشكل الوافدون أكثر من 90% من السكان، يتردد صدى شعور غوراني بالهوية الهجينة بعمق. تقول: “أنت تبني تعريفك الخاص للوطن. هذا ما تعلمته.”
دائرة تكتمل
مذكرات غوراني ليست مجرد سيرة ذاتية شخصية، بل هي أيضًا تأمل ثقافي أوسع في معنى العيش بين الهويات المختلفة، وكيف تم تشكيل صورة العربي وتشويهها وإساءة فهمها من قبل المجتمعات الغربية وحتى الشرق أوسطية. تقول: “حتى عنوان الكتاب، لكنكِ لا تبدين عربية، جاء من ملاحظة سمعتها مرات لا تحصى. إنها تشير إلى الافتراضات التي يضعها الناس حول المظهر أو الكلام أو السلوك المفترض أن يكون عليه المرء بناءً على موطنه.”
يمثل هذا الكتاب مرحلة جديدة في مسيرتها المهنية، ويكشف عن نفس الصرامة التي ميزت عملها الصحفي. فقد غطت حرب العراق، ونزاع لبنان عام 2006، والأزمة الإنسانية في دارفور، وغيرها، مركزة على القصص التي تضفي طابعًا إنسانيًا على المهمشين.
قرار التغيير
ومع ذلك، في عام 2022، وبعد سنوات من العمل كمذيعة في قناة سي إن إن، وهو الدور الذي يعتبره الكثيرون قمة الصحافة الإذاعية، اختارت غوراني التخلي عن كل ذلك. تقول: “أصبحت صحفية لأنني أردت هذا الشعور بالهدف، وسرد القصص، والتواجد في قلب الأحداث.” وتضيف: “أصبح تقديم البرامج، على الرغم من مكانته المرموقة، بعيدًا كل البعد عن ذلك. أردت أن أستعيد علاقتي بالسبب الذي دفعني لبدء هذه الرحلة.”
أتاحت لها كتابة المذكرات فرصة لإعادة التواصل مع هذا الهدف. كانت وسيلة لتتبع مسار أجيال عائلتها – نساء انتقلن أو هربن أو اقتلعن من جذورهن، غالبًا دون خيار. وتضيف: “أدركت جيلًا بعد جيل، لسبب أو لآخر، هاجر أو شعر بالنزوح، من سقوط الإمبراطورية العثمانية إلى سوريا إلى فرنسا إلى الولايات المتحدة. أُجبرت جدتي الكبرى على الانتقال إلى مكان لم تره من قبل. أنا مجرد محطة أخرى في تلك الرحلة الطويلة.”
ثمن الشهادة
مع هذا النزوح المتجذر، تأتي غريزة الشهادة، وقد مارستها غوراني غالبًا بتكلفة شخصية باهظة. خلال الأيام الأولى للثورة السورية، كانت تشاهد مقاطع فيديو مروعة يوميًا: لقطات صادمة للعنف ضد المتظاهرين، مشاهد تربطها الآن باضطراب ما بعد الصدمة. تعترف قائلة: “لم أعد قادرة على مشاهدة مثل هذه المقاطع. كنت أزيل سماعة الأذن أثناء تقديمي للأخبار لو كنت أعرف أن القصة صعبة للغاية. لم أكن أريد سماع بكاء الأطفال.”
وضع الحدود العاطفية
تقول إن إدراك تلك الحدود العاطفية كان بمثابة قوة. “ليس من المفترض أن تكون غير مبالية بقتل الناس. قول ‘لا أستطيع’ ليس ضعفًا، بل قوة.” وحتى الآن، لا تزال ترسم حدودها. “لم أشاهد قط فيديو إعدام لداعش. لا يهمني من فيه. مجرد التفكير يكفي.”
تدرك غوراني تمامًا مستقبل الصحافة المحفوف بالمخاطر. وتضيف: “قطاع الإعلام في حالة تقلب مستمر. المنصات التقليدية تتقلص. الصحف المحلية تغلق. سيطرت وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لا تدفع للصحفيين أجرًا مقابل عملهم.” وتضيف: “قضيت ثلاثة أسابيع ونصف في التحقق من صحة خبر عن سوريا. هذا ما لا يراه الناس. الصحافة تتطلب وقتًا، وهذا ما يجعلها صحافة.”
ومع ذلك، فهي تتفهم سبب تردد جيل الشباب في دخول هذا المجال. “أنت لا تتنافس الآن مع شبكات أخرى فحسب، بل مع تيك توك ويوتيوب، ومع الجميع.”
المرونة: ما الذي يمنعنا من الانهيار؟
تحتوي مذكراتها على جملة مؤثرة: “كصحفية، أسجل الزمان والمكان والوقائع. وكإنسانة، أريد أن أعرف لماذا لا ينهار بعض الناس.” تتوقف عند سؤالها من أين تأتي هذه المرونة. تقول: “لا أعرف. ما زلت أراقب. يولد بعض الناس بمرونة أكبر. لقد أجريت مقابلات مع صحفيين في غزة مؤخرًا. بعضهم ينهار، والبعض الآخر يمزح ويبتسم. هل هي التربية؟ أم المزاج؟ ربما كلاهما.”
التعامل مع الألم
أما هي؟ “آه، أنا أتألم طوال الوقت،” تقول بصراحة. “أنا عاطفية جدًا. أبكي كثيرًا، ولكن ليس على التلفاز. سأقلق إن لم أشعر بشيء. هذا يعني أن هناك خطبًا ما.”
تعترف بأن التأمل الذاتي الذي شكل مذكراتها ساعدها أيضًا على التصالح مع الانتماء. ليس بالعثور على مكان واحد تعتبره موطنًا، بل بالعودة إلى هدفها. تقول: “بالنسبة لي، العمل الميداني نداء أسمى. يخرجني من عقليتي. يجده البعض من خلال التربية، والبعض الآخر من خلال الخدمة. بالنسبة لي، هذا هو جوهر الأمر.”
وأخيرا وليس آخرا
في رحلة عودتها إلى جذور هدفها، لا إلى مكان، تذكرنا هالة غوراني بأن الانتماء لا يرتبط دائمًا بالجغرافيا. أحيانًا، يتعلق الأمر بفعل ما يرسخك، حتى لو استمرت الأرض تحتك في التغير. فهل يمكن أن يكون الانتماء الحقيقي هو البحث المستمر عن الهدف والمعنى، بدلًا من الاستقرار في مكان واحد؟










