شراكة استراتيجية بين طيران الإمارات واينوك لتعزيز وقود الطيران المستدام في دبي
في عالم يشهد تحولات متسارعة نحو الاستدامة، يبرز قطاع الطيران كأحد أهم المحاور التي تتجه نحو تبني حلول صديقة للبيئة. وفي هذا السياق، أعلنت كل من طيران الإمارات ومجموعة اينوك عن توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية، تمثل نقطة تحول مفصلية في مسيرة دبي والإمارات العربية المتحدة نحو تحقيق الحياد الكربوني في قطاع الطيران. هذه المذكرة لا تقتصر على كونها اتفاقية تجارية، بل هي رؤية مشتركة لبناء مستقبل طيران أكثر استدامة، وذلك من خلال استكشاف وتطوير مبادرات لتوريد وقود الطيران المستدام (SAF) في مركز عمليات طيران الإمارات بدبي.
تأتي هذه الشراكة في فترة حرجة تشهد فيها المنطقة والعالم اهتمامًا متزايدًا بالحلول الخضراء، وتحديدًا في قطاع الطيران الذي يواجه ضغوطًا عالمية لخفض انبعاثاته. وفي ظل النمو المتواصل للحركة الجوية، أصبحت الحاجة ملحة لإيجاد بدائل وقود تكنولوجية تقلل من البصمة الكربونية، وهو ما يضعه وقود الطيران المستدام في صميم هذه الجهود. إن تبني هذه التقنيات لا يعكس فقط التزامًا بيئيًا، بل يعزز أيضًا المكانة الريادية لدبي كمركز عالمي للابتكار والاستدامة في مجال الطيران.
تفاصيل الاتفاقية وأهدافها الطموحة
جاء توقيع مذكرة التفاهم هذه على هامش فعاليات معرض دبي للطيران 2025، حيث شهدت الأوساط المعنية ترقبًا كبيرًا لهذه الخطوة. وقد وقّع الاتفاقية كل من عادل الرضا، نائب الرئيس والرئيس التنفيذي للعمليات في طيران الإمارات، وحسين سلطان لوتاه، الرئيس التنفيذي بالإنابة لمجموعة اينوك، مما يعكس الأهمية القصوى التي توليها قيادات المؤسستين لهذا المشروع الحيوي. هذه الشراكة ترسّخ إطارًا متينًا لإجراء دراسات جدوى شاملة، تهدف إلى تقييم كافة جوانب وفرص توريد وقود الطيران المستدام في إمارة دبي.
تتضمن هذه الدراسات تحليلًا معمقًا للبنية التحتية اللازمة لسلسلة الإمداد، وتقييمًا دقيقًا لقدرات الإنتاج المحلية، بالإضافة إلى دراسة الجدوى التجارية لضمان استدامة المشروع على المدى الطويل. إن الهدف الأسمى من هذا التعاون هو استكشاف مسارات مبتكرة تضمن تطوير إنتاج وتوريد وقود الطيران المستدام بشكل اقتصادي ومستدام في دبي. في هذا السياق، ستعمل اينوك على تقييم إمكانياتها الذاتية للمساهمة بفاعلية في الإنتاج المحلي، بينما ستُشكل لجنة توجيهية مشتركة للإشراف على مراحل التقييم والتنفيذ، لضمان سير العمل وفق الخطط الموضوعة وبأقصى درجات الكفاءة.
طيران الإمارات: رؤية ثابتة نحو الاستدامة
أكد عادل الرضا، نائب الرئيس والرئيس التنفيذي للعمليات في طيران الإمارات، على التزام الناقلة الوطنية المستمر باستكشاف سبل دمج وقود الطيران المستدام ضمن عملياتها التشغيلية. وشدد على أن هذه الشراكة مع مجموعة اينوك تعد خطوة محورية ضمن هذا التوجه الاستراتيجي. وأوضح أن تأسيس منظومة توريد موثوقة للوقود المستدام في دبي، التي تعد مركز عمليات طيران الإمارات، يمثل أولوية قصوى.
تتيح هذه الشراكة فرصة حقيقية لدراسة المسارات الأكثر جدوى لتحقيق هذا الهدف الطموح. وأشار الرضا إلى حجم العمل المتوقع لمواجهة التحديات المتعلقة بالإمداد ومتطلبات البنية التحتية، مؤكدًا في الوقت ذاته أن مثل هذه الشراكات تلعب دورًا أساسيًا في تحديد الحلول العملية ووضع الأسس اللازمة لتوسيع نطاق استخدام الوقود المستدام في دبي، ومن ثم تطبيقه عبر شبكة طيران الإمارات العالمية. هذه الرؤية تعكس فهمًا عميقًا للتحديات والفرص على حد سواء.
اينوك: ريادة في دعم الطيران منخفض الكربون
من جانبه، أكد حسين سلطان لوتاه، الرئيس التنفيذي بالإنابة لمجموعة اينوك، على إدراك المجموعة للدور المحوري الذي يضطلع به وقود الطيران المستدام في خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن النقل الجوي. وأوضح أن مذكرة التفاهم مع طيران الإمارات تجسد التزامًا مشتركًا بتطوير إنتاج هذا الوقود محليًا، وتعزيز البنية التحتية الضرورية لجعل الطيران منخفض الكربون واقعًا ملموسًا.
وفي إشارة إلى الرؤية الوطنية، ذكر لوتاه أن دولة الإمارات تستهدف توفير 1% من وقود الطائرات للناقلات الوطنية من الوقود المستدام المنتج محليًا بحلول عام 2031. وأعرب عن اعتقاده بأن هذا التعاون يقرب الطرفين خطوة إضافية نحو تحقيق هذا الهدف الطموح. وجدد لوتاه التزام اينوك بالاستثمار في الابتكار، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية، واستكشاف مسارات عملية لبناء سلاسل توريد موثوقة لوقود الطيران المستدام، بما يدعم مستهدفات الدولة للوصول إلى الحياد المناخي بحلول عام 2050.
الأهمية البيئية والتشغيلية لوقود الطيران المستدام
يعد وقود الطيران المستدام وقودًا آمنًا ومعتمدًا بالكامل، ويمكن استخدامه كمزيج مع وقود الطائرات التقليدي بنسبة تصل إلى 50%. ينتج عن هذا المزيج وقود طيران أقل في الانبعاثات الكربونية بشكل كبير على مدار دورة حياته بأكملها. وفي صورته النقية، يمكن لهذا الوقود أن يحد من الانبعاثات بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بوقود الطائرات التقليدي، وذلك وفقًا للمنهجيات المعتمدة لتقييم دورة الحياة مثل منهجية CORSIA. هذه الأرقام تعكس الإمكانات الهائلة لوقود الطيران المستدام في تحقيق أهداف خفض الانبعاثات العالمية والمحلية.
إن تبني هذا النوع من الوقود لا يمثل فقط التزامًا بيئيًا، بل يعزز أيضًا الكفاءة التشغيلية على المدى الطويل، ويقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري المحدود. تاريخيًا، شهدت صناعة الطيران تطورات هائلة في كفاءة المحركات، لكن الانتقال إلى الوقود المستدام يمثل القفزة النوعية التالية لتحقيق طيران أكثر استدامة وتوافقًا مع أهداف التنمية المستدامة.
دور طيران الإمارات الريادي في مبادرات الوقود المستدام
تضطلع طيران الإمارات بدور فاعل ومحوري في دعم منظومة وقود الطيران المستدام في دولة الإمارات. يتجلى هذا الدور من خلال عضويتها في الفريق الفني المنبثق عن اللجنة التنفيذية لوقود الطيران التابعة لوزارة الطاقة والبنية التحتية، وكذلك عضويتها في لجنة الوقود الحيوي والهيدروجين ووقود الطيران المستدام في دبي، التي أسسها المجلس الأعلى للطاقة في دبي. هذه المشاركة الفعالة تؤكد التزام الناقلة بتشكيل مستقبل القطاع.
علاوة على ذلك، ساهمت طيران الإمارات في صياغة السياسة العامة لوقود الطيران المستدام في دولة الإمارات، والتي تهدف إلى تحويل الدولة إلى مركز إقليمي لإنتاج أنواع الوقود البديلة، مع مستهدفات طموحة بإنتاج 700 مليون لتر بحلول عام 2030. وإضافة إلى ذلك، شاركت طيران الإمارات والهيئة العامة للطيران المدني في دولة الإمارات العربية المتحدة في تطوير خارطة طريق تحويل الطاقة إلى سائل (PtL) في الدولة، وهو مشروع تقوده وزارة الطاقة والبنية التحتية بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي.
تجارب رائدة وخطوات عملية نحو المستقبل
لم تكتفِ طيران الإمارات بالخطط النظرية، بل ترجمت التزامها إلى خطوات عملية ملموسة. فقد نفذت الناقلة رحلات تجريبية ناجحة باستخدام وقود الطيران المستدام على طائراتها من طراز بوينج 777 وإيرباص A380. في يناير 2023، شغّلت طيران الإمارات رحلة لطائرة بوينج 777 استخدمت فيها 100% من الوقود المستدام في أحد المحركات، مما كان إنجازًا تقنيًا مهمًا. وفي نوفمبر من العام ذاته، نفذت أول رحلة تجريبية لطائرة إيرباص A380 باستخدام 100% من الوقود المستدام في أحد محركاتها الأربعة، مؤكدة بذلك جاهزية هذه التقنيات.
وفي الشهر نفسه، لم يقتصر الأمر على الرحلات التجريبية، حيث شغّلت طيران الإمارات رحلات تجارية من مطار دبي الدولي، استخدمت فيها 315 ألف غالون من الوقود المستدام الممزوج ضمن أنظمة التزويد بالوقود في المطار، مما يدل على بداية تطبيق واسع النطاق. وخلال السنة المالية 2024–2025، عززت طيران الإمارات مشترياتها من وقود الطيران المستدام، حيث بلغ إجمالي الكمية المشتراة 7519 طنًا في مطارات عالمية متعددة، شملت أمستردام، ولندن هيثرو، وأوسلو، وسنغافورة، وباريس، وليون، ونيس، مما يؤكد التزامها بتوسيع نطاق استخدامه على مستوى شبكتها الدولية.
و أخيرا وليس آخرا: مستقبل الطيران الأخضر
تُجسّد مذكرة التفاهم بين طيران الإمارات ومجموعة اينوك نموذجًا يحتذى به في سعي قطاع الطيران نحو الاستدامة. إنها ليست مجرد صفقة بين كيانين اقتصاديين، بل هي شهادة على الرؤية الطموحة لدولة الإمارات في أن تكون رائدة في مجال الطيران الأخضر، وتأكيد على قدرتها على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والابتكار. هذه الشراكة الاستراتيجية، المدعومة بالالتزام الحكومي والرؤى المؤسسية، تمهد الطريق أمام منظومة إقليمية قوية لإنتاج وتوريد وقود الطيران المستدام، مما يعزز مكانة دبي كمركز عالمي للطيران ليس فقط من حيث الربط الجوي، بل أيضًا من حيث الالتزام بالمعايير البيئية العالمية. فهل سنشهد في العقود القادمة تحولًا جذريًا للطيران ليصبح خالياً تماماً من الانبعاثات الكربونية، ويكون الدور الريادي لدبي والإمارات قد وضع حجر الزاوية لهذا المستقبل؟










