توقعات أسعار الذهب في ظل التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية
في ظل تعامل المستثمرين مع حالة من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، تشهد أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا، مما يعزز مكانة المعدن الأصفر كملاذ آمن. تجاوزت الأسعار الفورية يوم الثلاثاء 3,330 دولارًا للأونصة، محافظة على استقرارها في نطاق ضيق، حيث توازنت الأسواق بين الآمال في انفراجة الأزمة الأوكرانية والشكوك المستمرة بشأن سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
تأثير الرسوم الجمركية وغموض السياسة النقدية
يأتي هذا الارتفاع في أعقاب الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة، والتي امتدت آثارها لتشمل الأسواق العالمية. وفي يوليو وحده، تجاوزت حصيلة الرسوم الجمركية 27 مليار دولار، وهو رقم قياسي. ومع ذلك، يرى المحللون أن هذه الإجراءات بمثابة ضرائب غير مباشرة ترفع تكاليف الإنتاج على الشركات والأسر، وتزيد التضخم، وتضعف المعنويات. تاريخيًا، كانت هذه الظروف مواتية للذهب، حيث تدفع الضغوط التضخمية وتراجع الثقة بالدولار المستثمرين نحو الأصول غير المدرة للعائد مثل السبائك الذهبية.
ترقب خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي
ينصب التركيز حاليًا على الخطاب المرتقب لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في ندوة جاكسون هول، حيث تأمل الأسواق في الحصول على توضيح بشأن مسار السياسة النقدية. ويتوقع المتداولون حاليًا احتمالًا بنسبة 84% لخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، مع إمكانية خفض آخر بنهاية العام. ويقلل انخفاض أسعار الفائدة من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، مما يعزز جاذبيته مقارنة بالسندات والدولار.
تحليلات السوق وتوقعات الخبراء
يؤكد محللو السوق أن التوقعات قصيرة الأجل لا تزال متقلبة. وأشارت رانيا غول، كبيرة محللي السوق في المجد الإماراتية، إلى أن الذهب يواجه عوامل متضاربة، مما يضع المستثمرين في موقف معقد. وأكدت أن توقعات تخفيف أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي لا تزال حجر الزاوية في مسار الذهب، على الرغم من أن بيانات التضخم القوية قد تبطئ أو توقف هذه التحركات، مما يزيد من حالة عدم اليقين.
وبالمثل، ذكرت لينه تران، محللة سوق أخرى في المجد الإماراتية، أن المعدن الأصفر يمر بمرحلة اختبار بعد ارتفاع ممتد. وأضافت أن العامل الرئيسي على المدى القصير هو التفاعل بين العائدات الحقيقية والدولار الأمريكي وتوقعات السياسة النقدية، محذرة من أنه على الرغم من أن الاتجاه متوسط الأجل لا يزال إيجابيًا، يجب على المستثمرين الانتباه إلى البيانات الواردة قبل تعديل استراتيجياتهم.
استقرار الدولار وتأثير البيانات الاقتصادية
في الوقت الحالي، يحافظ الدولار على استقراره، مدعومًا بمؤشرات اقتصادية أمريكية قوية، على الرغم من أن المحللين يحذرون من أن هذا لم يتحول بعد إلى اتجاه صعودي مستدام. ولا تزال الأسواق منقسمة بين التضخم المستمر وتباطؤ النمو، وهما وضعان يجعلان الذهب في وضع جيد للحفاظ على دوره الدفاعي في حال ظهور مؤشرات ضعف جديدة في بيانات العمالة أو الإنتاج الأمريكية.
دور العوامل الجيوسياسية والديون الأمريكية
لا تزال العوامل الجيوسياسية تشكل عاملًا حاسمًا. فقد أثارت المشاورات الأخيرة بين القادة الأوروبيين والرئيس الأوكراني والرئيس الروسي التكهنات بتجدد جهود السلام، على الرغم من أن شكوك المستثمرين لا تزال قائمة. وحذر غول من أنه على الرغم من وجود بوادر تقدم دبلوماسي، إلا أن الطريق إلى السلام مليء بالعقبات، مما يعني أنه من غير المرجح أن يفقد الذهب كامل ميزته التحوطية الجيوسياسية.
تدعم المخاوف الهيكلية طويلة الأجل بشأن ديون الولايات المتحدة أيضًا الاستثمار في الذهب. فقد أعادت وكالة ستاندرد آند بورز تأكيد التصنيف السيادي لأمريكا بنظرة مستقبلية مستقرة، لكنها أشارت إلى ارتفاع العجز المالي ووصول الدين إلى ما يقارب 100% من الناتج المحلي الإجمالي. ويحذر المحللون من أن هذا قد يؤدي تدريجيًا إلى تآكل ثقة الدولار، مما يجعل الذهب أداة تحوط لا غنى عنها في المحافظ الاستثمارية.
التحليل الفني وتوقعات الأسعار المستقبلية
من الناحية الفنية، يقتصر السوق على نطاق تداول يتراوح بين 3,330 و3,360 دولارًا للأونصة، مع أن المحللين يقولون إن هذا الضغط غالبًا ما يسبق اختراقًا. وقد يدفع اختراقٌ متواصلٌ فوق 3,450 دولارًا الزخمَ نحو 4,000 دولار قبل نهاية العام إذا تبنى الاحتياطي الفيدرالي موقفًا متشددًا. وفي المقابل، قد تؤدي التوجيهات المتشددة من باول إلى تراجعٍ نحو 3,300 دولار.
توقعات بنك UBS الإيجابية
إضافةً إلى التوقعات المتفائلة، رفع بنك UBS توقعاته لسعر الذهب، مشيرًا إلى استمرار المخاطر الاقتصادية الأمريكية والتحولات العالمية بعيدًا عن هيمنة الدولار. ويتوقع البنك السويسري الآن أن يصل سعر الذهب إلى 3600 دولار للأونصة بنهاية مارس 2026، و3700 دولار بنهاية يونيو 2026، وأن يحافظ على هذا المستوى حتى سبتمبر 2026. وأشار محللو UBS إلى أن التساؤلات حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، والمخاوف بشأن الاستدامة المالية، والتحركات الجيوسياسية لتقليل الاعتماد على العملة الأمريكية، تعزز الطلب على الذهب.
زيادة الطلب على الذهب
في مذكرة بحثية، رفع بنك UBS توقعاته للطلب على الذهب من صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) في عام 2025 إلى 600 طن، بزيادة عن تقديره السابق البالغ 450 طنًا، مستشهدًا ببيانات مجلس الذهب العالمي التي تُظهر أقوى التدفقات في النصف الأول من هذا العام منذ عام 2010. ومن المتوقع أيضًا أن تظل مشتريات البنوك المركزية قوية، مع أنها من المرجح أن تتراجع قليلاً عن مستوياتها القياسية المسجلة العام الماضي. ويتوقع البنك الآن ارتفاع إجمالي الطلب العالمي على الذهب بنسبة 3% ليصل إلى 4760 طنًا في عام 2025، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2011.
تعزز هذه التوقعات دور الذهب كأداة تحوّط استراتيجية في ظلّ تزايد حالة عدم اليقين. ومع استمرار الضغوط التضخمية، وعدم حلّ المخاطر الجيوسياسية، والاختلالات الهيكلية في الاقتصادات الكبرى، من المرجح أن يواصل المستثمرون استثمار أموالهم في المعدن الأصفر.
وكما لخص غول الوضع: الذهب عالق حاليًا بين مطرقة الاحتياطي الفيدرالي وسندان التفاؤل الجيوسياسي. العوامل الداعمة للصعود موجودة، لكنها ليست حاسمة، بينما الضغوط الهبوطية موجودة، لكنها غير كافية لكسر مستويات الدعم.
وأخيرا وليس آخرا
مع اقتراب الأسعار بالفعل من أعلى مستوياتها التاريخية، وتوقعات بنك UBS بتحقيق المزيد من المكاسب في المستقبل، من المتوقع أن يظل الذهب محط الأنظار بقوة خلال الفترة المتبقية من عام 2025 وحتى عام 2026. وبالنسبة للمستثمرين الباحثين عن الحماية والفرصة، يُمثل المعدن النفيس مرة أخرى مقياسًا للثقة ودرعًا واقيًا من التقلبات، فهل سيستمر الذهب في صعوده، أم أن هناك مفاجآت أخرى تنتظر الأسواق؟










