إحياء الطفولة: مبادرات إماراتية لتعزيز اللعب التفاعلي والاجتماعي
في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيا وتأثيرها المتزايد على حياة الأطفال اليومية، تسعى العديد من الأسر في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى إعادة اكتشاف قيمة اللعب التفاعلي وتعزيز روح الطفولة الأصيلة. تهدف هذه المبادرات إلى إبعاد الأطفال عن الشاشات وتوطيد الروابط الأسرية من خلال أنشطة جماعية مبتكرة.
تحول في ملامح الطفولة
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً كبيراً في كيفية قضاء الأطفال لأوقات فراغهم. تراجعت الألعاب التقليدية مثل الغميضة وكرة القدم لصالح الأنشطة الفردية التي تعتمد على الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية. يعزو الأهالي هذا التغيير إلى رغبتهم في حماية أطفالهم وتراجع العلاقات الاجتماعية بين الجيران، مما جعل المساحات العامة أقل جاذبية للعب.
في الوقت نفسه، أصبح استخدام السكوترات الكهربائية والدراجات الإلكترونية شائعاً بين الأطفال، على الرغم من المخاطر المرورية والتحديات القانونية المرتبطة بها، خاصةً مع حظر استخدامها لمن هم دون سن 16 عاماً، وفقاً لما ذكرته تقارير المجد الإماراتية في وقت سابق.
مبادرات أسرية لإحياء التفاعل
في دبي: تحديات اللعب المنزلي
توضح عليا عبدالله، أم لأربعة أطفال في دبي، حرصها على إشغال أبنائها بأنشطة محفزة. تقول: “أركز على جعل أطفالي نشطين من خلال أنشطة متنوعة. أنظم مسابقات منزلية وأقدم جوائز رمزية حتى لو كانت درهماً واحداً للفائز”. وتضيف أنها تبحث خلال فترات الراحة في العمل عن أفكار لألعاب جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل مسابقات الرسم والتلوين وألعاب الذاكرة وردة الفعل والسرعة.
تؤكد عليا أنها لا تعارض استخدام الشاشات بشكل كامل، لكنها تسعى إلى تحقيق التوازن. “أطفالي لا يزالون يلعبون الغميضة، لكن أسماء الألعاب تغيرت”. كما استخدمت مسبحاً مطاطياً في الحديقة وأضافت له بالونات مائية ومسدسات لخلق جو ممتع في الهواء الطلق.
ومن الأنشطة المميزة التي تعتمدها سنوياً تحدي قطف التوت في حديقة المنزل، حيث يحول الأطفال هذه المهمة إلى منافسة، ثم يهدى المحصول إلى الجيران والأقارب، مما يعزز قيم التعاون والعطاء.
في الشارقة: المبيت الجماعي والألعاب الذهنية
أما ريم حسن، وهي أم لطفلين (10 و14 عاماً) وتسكن في الشارقة، فتقول إن أبناءها، على الرغم من مشاركتهم في مخيمات صيفية وأنشطة بدنية مثل السباحة وكرة القدم، يشعرون بالملل في عطلة نهاية الأسبوع. تضيف: “في بداية كل عطلة صيفية، نذهب معاً لشراء ألعاب جماعية مثل أونو، مونوبولي وسيكونس. كما ندعو أقاربهم للمبيت في المنزل لخلق تجربة اجتماعية مرحة”.
لا تكتفي ريم بالمراقبة، بل تشارك بفعالية في هذه الأنشطة: “ألعب معهم وأحياناً ألون وجوههم لكسر الروتين، ونضيف ألعاب تريفيا تحتوي على أسئلة ثقافية وتحديات مضحكة لتحفيز التفاعل”.
في دبي: التوازن الذكي بين الرقمي والواقعي
مريم، أم لثلاثة أطفال وتقيم في دبي، تعتمد دمج التكنولوجيا مع القيمة التربوية: “أطفالي يستمتعون بزيارات المبيت لدى أقربائهم، وأحرص في عطلة نهاية الأسبوع على تنظيم مسابقات ثقافية للكبار والصغار على حد سواء”.
ترحب مريم باستخدام التطبيقات والألعاب الرقمية بشرط أن تكون ذات فائدة: “أستخدم تطبيقات تقدم تحديات تعليمية أو تنمي المهارات الحياتية. من الألعاب التي نعتمدها بشكل جماعي: ‘تربى’ و‘سين جيم’، وكذلك ‘فن ران’ و‘وي بلاي’، فهي ألعاب تتيح لهم التنافس والضحك، وتعزز التواصل العائلي والاجتماعي”.
وعند الحاجة إلى أنشطة خارجية، تجهز مريم مسبحاً منزلياً أو تسمح لأطفالها بالتجول بالدراجات في الحي ضمن بيئة آمنة.
صيف بنكهة التفاعل
تظهر هذه التجارب الأسرية من مختلف إمارات الدولة فهماً متقدماً لأهمية خلق توازن حقيقي في حياة الأطفال، عبر الجمع بين الأنشطة البدنية والاجتماعية والتقنية المفيدة، بما يعيد إحياء روح الطفولة بعيداً عن الانعزال الرقمي.
وقد تكون هذه المبادرات الأسرية، التي تتنامى مع كل عطلة، حجر الزاوية في بناء جيل متفاعل، خلاق، ومترابط اجتماعياً، يعرف كيف يستفيد من التكنولوجيا دون أن يقع في أسرها.
و أخيرا وليس آخرا
في وقت يكثر فيه الحديث عن إدمان الشاشات، تثبت العديد من العائلات في الإمارات أن الحل لا يكمن في المنع التام، بل في تقديم بدائل ممتعة تشجع الطفل على اللعب وتعزز فيه روح المشاركة والانتماء. هل يمكن لهذه المبادرات أن تشكل نموذجاً يحتذى به في مجتمعات أخرى؟










