تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة: محركات التنويع الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تضطلع الشركات الصغيرة والمتوسطة بدور حيوي في قيادة التنويع الاقتصادي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمن خلال “رؤية السعودية 2030″ و”مشاريع الخمسين” في دولة الإمارات العربية المتحدة، تولي القيادات الإقليمية اهتماماً بالغاً بهذا القطاع، معتبرةً إياه حجر الزاوية في خطط التنمية الوطنية.
التحديات التمويلية التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة
تشير التوقعات في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى زيادة عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى مليون شركة بحلول عام 2030. ومع ذلك، تظل محدودية السيولة التحدي الأكبر الذي يواجه هذا القطاع الحيوي. وفي المملكة العربية السعودية، تسعى الدولة إلى رفع مساهمة هذه الشركات في الناتج المحلي الإجمالي من 30% إلى 35%، لكنها تواجه فجوة تمويلية تتجاوز 300 مليار ريال سعودي. وعلى الرغم من الجهود المبذولة على مستوى السياسات في مختلف دول المنطقة، إلا أن هناك فجوة كبيرة بين التمويل المتاح واحتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات النمو المرتفع. وتعوق الوصول إلى التمويل حواجز هيكلية مثل متطلبات الضمانات الصارمة، وضعف البنية التحتية لتقييم الائتمان، والبيئات التنظيمية غير المتكاملة، ومحدودية تبادل البيانات. والواقع الحالي يشير إلى أنه ما لم يتطور النظام المالي ليتواكب مع سرعة وحجم وتوقعات الشركات الصغيرة والمتوسطة الرقمية، فإن الطموحات الاقتصادية ستكون عرضة للخطر.
نظام مصمم للشركات الكبرى
لا تزال عملية تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معقدة، وتقليدية، وغالباً ما تتسم بالإقصاء. وتستمر المؤسسات المالية التقليدية في تطبيق نماذج ائتمانية قديمة تعتمد بشكل كبير على الضمانات والميزانيات العمومية الرسمية، وإجراءات صرف طويلة الأجل، وهي نماذج مصممة للشركات الكبيرة، ولا تناسب الشركات الصغيرة القائمة على التكنولوجيا والتي تدفع عجلة الاقتصاد الحديث. ونتيجة لذلك، تجد العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات الإيرادات القوية والأسواق المتنامية نفسها خارج النظام المالي، لمجرد أنها لا تتوافق مع النموذج القائم منذ عقود.
على سبيل المثال، واجهت شركة لوجستية صغيرة ومتوسطة في الرياض، على الرغم من مبيعاتها الشهرية القوية، صعوبة في الحصول على قرض رأس مال عامل بسبب اشتراط البنوك تقديم بيانات مالية مدققة لثلاث سنوات، وهو شرط لا يعكس المرونة المطلوبة في قطاع سلاسل الإمداد الحديثة.
جهود التمويل الحالية
أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة “صندوق خليفة” الذي توسع من 300 مليون درهم (82 مليون دولار) في عام 2007 إلى 2 مليار درهم. كما زادت البنوك السعودية من إقراضها للشركات الصغيرة والمتوسطة بموجب “رؤية 2030”. ومع ذلك، فإن نظام التمويل الموسع لا يلبي بشكل كامل احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات النمو المرتفع. وتعوق هذه المبادرات، على الرغم من أهدافها النبيلة، عقبات هيكلية مثل محدودية الإقبال على المخاطرة في القطاع المصرفي التقليدي، وطول مدة إجراءات الموافقة، ونقص المنتجات المتخصصة، وعدم كفاءة التكامل مع التكنولوجيا المالية. وقد لا يتوافق التمويل مع متطلبات رأس المال العامل للشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتواجه العديد من الشركات تأخيرات في الدفع، وتعقيدات تنظيمية، ونقصاً في منتجات الإقراض المصممة خصيصاً لتلبية احتياجات التدفقات النقدية الفريدة للشركات الصغيرة. وحتى الشركات الصغيرة والمتوسطة الجاهزة للنمو غالباً ما تتعثر بسبب صعوبة الحصول على التمويل، ليس بسبب نقص الطلب، ولكن بسبب عدم قدرة المؤسسات المالية على التكيف.
أهمية اللحظة الراهنة
في ظل سعي اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط، من المتوقع أن تلعب الشركات الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في خلق فرص العمل، وتحفيز الابتكار، وتعزيز المرونة الاقتصادية. ومع ذلك، تظل هذه الشركات الأكثر عرضة للتأثر بنقص السيولة، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19 والتغيرات العالمية في أسعار الفائدة.
تهدف البرامج الجديدة في إطار برنامج تطوير القطاع المالي في المملكة العربية السعودية إلى رفع نسبة إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة من 5.7% إلى 20% بحلول عام 2030. وبالمثل، تركز مبادرة NextGenFDI في دولة الإمارات العربية المتحدة على تمكين الشركات الرقمية، وكثير منها شركات صغيرة ومتوسطة، من التوسع بسرعة. وتتطلب هذه التحولات في السياسات اتخاذ إجراءات أسرع، وابتكاراً أعمق، ونظاماً مالياً مصمماً خصيصاً لتلبية احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة.
دور التكنولوجيا المالية في سد الفجوات وإعادة البناء
يُحدث التحول الرقمي ثورة في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال ظهور شركات التكنولوجيا المالية، التي تُعيد تعريف هذا المجال. فعلى عكس البنوك التقليدية ذات الأنظمة القديمة، تُدمج شركات التكنولوجيا المالية الخدمات المالية في سير عمل الشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يتيح لها الحصول على التمويل، وسداد المدفوعات، وتتبع التدفقات النقدية بسهولة.
وقد أتاحت نماذج الاكتتاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي لشركات التكنولوجيا المالية تقييم الشركات الصغيرة والمتوسطة بناءً على أدائها الفعلي، مع الأخذ في الاعتبار سجلات المعاملات، والمخزونات الحالية، وعادات الدفع الرقمي. وفي الإمارات العربية المتحدة، تقدم بيهايف وتابي حلول إقراض للشركات الصغيرة، بينما تستهدف راسان وتمارا قطاعات الأعمال المحرومة في المملكة العربية السعودية من خلال التمويل المدمج والذكاء الاصطناعي.
حلول مبتكرة للدفع والتمويل
تتيح أدوات قبول الدفع المُدمجة للشركات الصغيرة والمتوسطة إجراء مدفوعات فورية بغض النظر عن طريقة الدفع، مما يقلل دورة الدفع بشكل كبير. كما تساهم أدوات الفوترة الآلية والتدفق النقدي والتسوية في الحد من مشاكل رأس المال العامل، مما يُمكّن الشركات الصغيرة والمتوسطة من اغتنام الفرص في الاقتصاد الرقمي.
وفي مجال تمويل سلاسل الإمداد، تُسهّل شركات التكنولوجيا المالية الجديدة بين الشركات (B2B) الوصول إلى هذا السوق، مما يُساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على تنظيم تدفقاتها النقدية والاستثمار في النمو. ومع ذلك، لا تزال العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية اللازمة للاستفادة الكاملة من هذه المنصات. لذا، يجب أن يُركز النظام البيئي للسياسات على دعم منصات التعاون والتكامل السلس بين شركات التكنولوجيا المالية والشركات الصغيرة والمتوسطة.
أهمية السياسات الداعمة والتكامل
لا شك أن “صندوق خليفة” و”بنك المشاريع الصغيرة والمتوسطة” في المملكة العربية السعودية، وغيرهما من المبادرات الحكومية المدعومة، عوامل تمكينية بالغة الأهمية. ومع ذلك، لا يمكن للسياسات وحدها إحداث تغيير جذري ما لم تتطور البنية التحتية المالية الأساسية بالتوازي معها. تحتاج المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى قرارات ائتمانية سريعة، وضمانات تمويل قائمة على التدفق النقدي، وخيارات تمويل مرنة تعكس طبيعة الأعمال الحديثة.
في النهاية، يتطلب سد فجوة السيولة أكثر من مجرد رأس مال، بل يتطلب تحكماً وسرعةً وتكيفاً رقمياً. إن تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من العمل بكفاءة ومرونة واستعداد للمستقبل، لم يعد مجرد طموح، بل ضرورة لتحقيق الطموحات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
و أخيرا وليس آخرا
تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديات كبيرة في الحصول على التمويل اللازم، على الرغم من دورها الحيوي في التنويع الاقتصادي. يجب على صانعي السياسات والبنوك وشركات التكنولوجيا المالية تغيير نظرتهم إلى هذه الشركات، والاعتراف بها كركيزة أساسية لاقتصاد متنوع يعتمد على التكنولوجيا الرقمية. إن السيولة متوفرة، ولكن التحدي يكمن في ربطها بفعالية بالشركات القادرة على تحويل الرؤى الوطنية إلى واقع. هل ستنجح المنطقة في تذليل هذه العقبات وتحقيق طموحاتها الاقتصادية؟










