اللؤلؤ الإماراتي: حكاية وطن تتلألأ في مهرجان أبوظبي التراثي
في قلب مهرجان التراث البحري بأبوظبي، تتجسد حكاية اللؤلؤ الإماراتي كرمز ليس للماضي فحسب، بل لإرث بحري نابض بالحياة، يربط الأجيال ويعيد تشكيل هوية المنطقة بروح معاصرة. يقدم الباحث المتخصص في موروث الغوص، مصطفى الفردان، للزوار تجربة فريدة تعيد إحياء مهنة أساسية أسهمت في صياغة تاريخ الخليج وهويته الاجتماعية.
إحياء الذاكرة: جذور عميقة في التاريخ
يؤكد الفردان أن التحدي اليوم لا يكمن في استعراض الماضي، بل في إبراز حيوية هذا الموروث في الذاكرة الشعبية، وتقديمه للأجيال بأسلوب يبرز قيمته الحضارية، رغم اندثار مهنة الغوص مع ظهور النفط وتغير نمط الحياة.
اللؤلؤ: إرث يمتد إلى بابل
الغوص على اللؤلؤ ليس مجرد مهنة عتيقة، بل هو إرث ضارب في عمق التاريخ، يعود إلى حضارات مثل بابل. تشير الملحمة السومرية إلى أن أحد ملوكها كان من أوائل الغواصين بحثًا عن اللؤلؤ، مما يؤكد مكانة اللؤلؤ في حياة الإنسان، وارتباطه بالبحث والتحدي. انتقلت هذه الحرفة إلى الخليج، حيث شكلت محورًا اقتصاديًا واجتماعيًا للإماراتيين، خاصة مع تمركز حوالي 70% من مغاصات اللؤلؤ على السواحل الإماراتية.
اللؤلؤ الإماراتي: كنز ثقافي وفني
يشير الفردان إلى أن هذا الارتباط تجاوز الجانب الاقتصادي، ليصبح جزءًا من الثقافة المتجذرة. فقد ظهر اللؤلؤ في الأغاني والأهازيج البحرية، والأمثال الشعبية، والشعر والمسرح. قصص الغواصين، التي تجسد الصبر والتضحية، بقيت جزءًا من الهوية الإماراتية. ورغم انتهاء مهنة الغوص، إلا أن روحها لا تزال حاضرة في المهرجانات والفعاليات التراثية، وفي التعاون بين الباحثين والمؤسسات الثقافية للحفاظ على هذا التاريخ.
جسر نحو المستقبل: التراث بأسلوب معاصر
إدراكًا لمتطلبات العصر، يرى الفردان أن نقل هذا الموروث للأجيال الجديدة يتطلب أساليب مبتكرة. فالعالم اليوم يتغير بسرعة، والأجيال الشابة تتفاعل مع التقنيات الحديثة. لذلك، يسعى الفردان لتقديم التراث بأسلوب يمزج بين المعرفة والترفيه، وبين العروض الحية والتقنيات الحديثة مثل الفن الرقمي، والأنيميشن، والصور ثلاثية الأبعاد، وتوظيفه في مشروعات بيئية مستدامة، ليصبح اللؤلؤ جزءًا من الثقافة المعاصرة وليس مجرد ذكرى من الماضي.
اللؤلؤ الإماراتي: قيمة خالدة
يصف الفردان اللؤلؤ بأنه الجوهرة الوحيدة التي لم يتم استنساخها بالكامل. ففي حين ظهرت بدائل صناعية للألماس، بقي اللؤلؤ الطبيعي فريدًا. تكوينه لا يزال لغزًا، ومصدره غير معروف بالكامل، وتفاصيل نشأته داخل المحار ما زالت قيد الدراسة. لذلك، تتجه دور المجوهرات العالمية لإعادة إحياء اللؤلؤ الطبيعي كرمز للندرة والأصالة. ويضيف الفردان أن اللؤلؤ الإماراتي الطبيعي أصبح اليوم للاستثمار أيضًا، حيث تزداد قيمته بمرور الوقت، وتعتمد بنوك عدة عليه كأصل يمكن الاقتراض بضمانه.
جناح الطواش: فن التقييم بالخبرة
في جناحه بالمهرجان، يقدم الفردان عرضًا حيًا لتجربة الطواش، التاجر الخبير في فرز وتقييم اللؤلؤ. يعرض الأدوات التقليدية التي استخدمها الطواويش، مثل الميزان الدقيق، والطوس لفرز اللؤلؤ، والمجداح لخرق الحبات، والسكين لتنظيف الشوائب، والمبرد والقرطاس لتلميع الأصداف. ويشبه الفردان مهارة الطواش بفنان يرسم لوحة عالمية بريشة صغيرة.
أنواع اللؤلؤ الإماراتي ومعايير التقييم
يعرض الفردان كيفية التمييز بين أنواع اللؤلؤ الإماراتي، مثل الدانة والموزة والقماشة والحصبة والبدلة واليكة، ويشرح معايير التقييم التي تعتمد على الحجم واللمعة والنعومة والوزن، وكيف يتم ترتيب اللؤلؤ في الخيوط الحريرية لصنع العقود. ويؤكد أن أجمل ما في هذه المهنة هو الجمع بين العلم والفن، فالمعلومات المرتبطة باللؤلؤ هي ثروة معرفية تعادل قيمته.
مصطفى الفردان يربط بين تاريخ الغوص والطموحات العلمية للإمارات، مؤكدًا أن روح التحدي التي قادت الغواصين هي نفسها التي تدفع الإمارات لاستكشاف الفضاء.
روح التحدي: من الغوص إلى الفضاء
يربط الفردان تاريخ الغوص على اللؤلؤ بالطموحات العلمية الحديثة لدولة الإمارات، قائلاً إن روح التحدي التي كانت تقود الغواصين قديماً هي نفسها الروح التي تدفع الإمارات اليوم إلى استكشاف الفضاء، لأن البحث عن اللؤلؤ كان هو أيضاً رحلة نحو المجهول. ويعتقد أن هذا الربط بين الماضي والمستقبل ضروري حتى يفهم الجيل الجديد أن إرث أجدادهم لم يكن قصة رومانسية فقط، بل كان تجربة شجاعة، ومصدر إلهام، وطريقاً مهد لنهضة اليوم.
ويختم الفردان حديثه بالتأكيد على أن الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية جماعية، وأن عرضه للأجيال ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو استثمار في الهوية، وفي المعرفة، وفي الجذور التي تمنح الإنسان معنى وانتماء. ففي مهرجان أبوظبي البحري، لا يقدم الفردان اللؤلؤ كحجر كريم فقط، بل كحكاية وطن، وذاكرة حضارية، وكنز ثقافي لا يزال يضيء مثلما كان يضيء في أعماق البحر قبل مئات السنين.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذه الرحلة مع اللؤلؤ الإماراتي في مهرجان أبوظبي التراثي، نرى كيف أن هذا الإرث البحري لا يزال يلهم الأجيال ويضيء دروب المستقبل. فهل سنشهد عودة اللؤلؤ الإماراتي بقوة كرمز للاستدامة والابتكار في عالم اليوم؟










