كنوز من الماضي: حكايات تراثية تضيء حاضر الإمارات
في قلب مهرجان التراث البحري، تتجسد الروح الوطنية من خلال ثلاث حكايات أصيلة، ترسم معًا صورة بصرية ووجدانية عميقة. إنها قصص ثلاثة أجيال ورثت عناد الصحراء، وتحديات البحر، وحكمة اليد الماهرة، لتؤكد أن الازدهار الذي تنعم به دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم هو نتاج صبر وكفاح طويل الأمد، يربطها خيط متين من الذاكرة والتقدير.
رحلة في ذاكرة الأجيال
الحكاية الأولى: الغوص.. شهادة صبر في أعماق البحار
يسترجع علي محمد آل علي ومحمد الحمادي ذكرياتهما مع البحر، المصدر الأول والأصعب للرزق، حيث كانت تجارة اللؤلؤ عصب الحياة. يصف آل علي رحلة الغوص التي كانت تستمر لأربعة أشهر وعشرة أيام دون عودة، والتي يبدأها النوخذة (قائد السفينة) بتوفير المؤن لعائلات البحارة.
تبدأ الحياة القاسية على ظهر السفينة؛ فالغيص (الغواص) ينزل إلى الأعماق من الفجر حتى العصر، حاملاً الدين (السلة اليدوية لتجميع المحار) حول عنقه، ويتنفس عبر الفطام (أداة تثبت على الأنف) ويستخدم الحير (الحبل لسرعة الهبوط) للوصول السريع إلى القاع.
يؤكد الحمادي أن الدين كان رفيق الغيص، وأن دور السيب (الشخص الذي يسحب الغيص على ظهر السفينة) لا يقل أهمية، فهو الذي يعيد الغواص إلى الحياة بعد كل غوصة. ويروي تفاصيل الحياة اليومية الصعبة، من ندرة المياه المخزنة في الفنطاس (خزان المياه في السفينة)، إلى عمل الطباب (الأطفال الذين كانوا يفلقون المحار) طوال اليوم بأجر زهيد.
ويتفقان على أن تلك المهنة كانت مدرسة للصبر والتحمل، وأن الجوهري الحقيقي (تاجر اللؤلؤ الخبير) وحده يستطيع تمييز الدانة (اللؤلؤة الثمينة) من الخردلة (اللؤلؤة الصغيرة) بمجرد النظر. ويختتمان قصتهما بالثناء على المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وعلى قيادة دولة الإمارات التي حولت قسوة الماضي إلى نعيم الحاضر.
الحكاية الثانية: الكرابي تعيد البهجة إلى الطفولة والتراث
يستحضر سيف الشامسي ذاكرة أخرى لا تقل أهمية: ذاكرة الألعاب الشعبية. ففي ساحة المهرجان، تحولت الألعاب الذهنية إلى حركية، حيث يتنافس الأطفال في جو من المرح بعيدًا عن شاشات الهواتف. يوضح كيف يمارس الأولاد لعبة الكرابي (المصارعة الشعبية التي تعتمد على اليد لدفع المنافس خارج الدائرة)، والتي أصبحت اليوم معترفًا بها ضمن اتحاد الإمارات للمصارعة، بينما تمارس البنات لعبة الشوط (أو الصبة، النسخة القديمة من لعبة X O) والقفز بالحبل.
يؤكد الشامسي بفخر أن المبادرة نجحت في تحويل الساحة إلى ملعب كبير لا يمسك فيه الأطفال بالهواتف من الساعة الرابعة حتى الثامنة مساءً، مشددًا على أهمية توثيق هذه الألعاب وتدوين قواعدها ومنحها حقوق ملكية لضمان استمرارها وحمايتها من الاندثار.
الحكاية الثالثة: النغدة والخوص وغزل الصوف.. إبداعات اليد الماهرة
في ليوان الحرفيين، تتشكل لوحة ثالثة من تفاصيل الحياة اليومية والتراثية. تتحدث فاطمة آل علي عن فن النغدة، وهو أحد أهم أشكال التطريز اليدوي الإماراتي بالفضة، والذي يستغرق العمل على شيلة مطرزة منه عامًا كاملاً، مشيرة إلى أن هذا الفن هو زينة المرأة وهيبتها في المناسبات.
وتنتقل فاطمة الضنحانية بحديثها إلى حرفة الخوص، التي تعتمد موادها الخام على النخلة، والتي تطورت من منتجات بسيطة مصنوعة من الجزء الأبيض إلى صناعة حقائب ومحافظ وأغطية بألوان متعددة، مؤكدة أنها تعلمت الحرفة من الجدات وواصلت تطويرها.
أما بخيتة المري، فتشرح تفاصيل حرفة غزل الصوف الذي كان مادة أساسية لصنع بيوت الشعر ومعدات الإبل، مؤكدة أن الأصباغ المستخدمة كانت طبيعية بالكامل من الحناء والكركم وقشر الرمان، وتختتم حديثها بالتأكيد على أهمية الحفاظ على هذه المهنة التي تعلمتها منذ طفولتها، مشيرة إلى أن التراث هو الرابط بين الماضي والحاضر، وأن من لا ماضٍ له لا حاضر له.
و أخيرا وليس آخرا
تتجلى أهمية التراث في كونه مرآة تعكس تاريخ الأمة وهويتها، وجسرًا يربط الأجيال ببعضها البعض. فمن خلال مهرجان التراث البحري، نرى كيف أن العادات والتقاليد لا تزال حية في ذاكرة الأجيال، وكيف أن الابتكار والإبداع يمكن أن يستمدا إلهامهما من الماضي العريق. يبقى السؤال: كيف يمكننا الحفاظ على هذا الإرث الثقافي ونقله إلى الأجيال القادمة لضمان استمرارية الهوية الوطنية؟







