دعم الطلاب في مواجهة الفقد: دور المدارس كحاضنات عاطفية
عندما تحل الفاجعة بظلالها على أسوار المدارس، يتجسد دور المعلمين كأوصياء على جيل بأكمله، مدركين أن المؤسسات التعليمية تتجاوز جدران الفصول لتصبح ملاذاً دافئاً يجمع بين أفراده رباط وثيق من الرعاية والتعاطف. ففي خضم هذه اللحظات العصيبة، تتجلى أهمية الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، خاصةً عندما يكون الفقد قريباً ومؤثراً.
في أعقاب الرحيل المفاجئ للشاب فيشناف كريشناكومار، ذي الثمانية عشر ربيعاً، والخريج الذي عُرف بين أقرانه بروحه القيادية وعطفه الجم، انطلق التربويون في أرجاء الإمارات في رحلة تفكير عميق حول كيفية مساعدة الطلاب على التأقلم مع تجربة الفقد، لا سيما عندما يكون الفقيد شخصاً عزيزاً.
يؤكد المعلمون وقادة المدارس أن تجربة فقدان زميل، أو صديق، أو أحد أفراد الأسرة قد تكون تجربة مؤلمة للغاية بالنسبة للشباب، الذين قد لا يمتلكون القدرة اللغوية والعاطفية الكافية لفهم واستيعاب ما حدث.
ومع ذلك، غالباً ما تبدأ رحلة التعافي داخل الفصول الدراسية والممرات بأبسط اللمسات الإنسانية: شريط ملون يزين شجرة، أو رسالة صادقة في سجل الذكريات، أو ملاحظة هادئة تُترك في صندوق “فضفض لي”.
ويشددون على أن هذه الأفعال البسيطة ليست مجرد رموز للذكرى، بل هي قنوات للفهم، ووسائل لطيفة للأفئدة الشابة للتعبير عن حزنها، والتواصل مع الآخرين، واستعادة الأمل في نهاية المطاف.
المدارس: عائلات حاضنة
تقول ليزا جونسون، مديرة الأكاديمية الأمريكية للبنات (AAG): “المدارس هي بمثابة عائلات؛ عندما يعاني أحد الأفراد من خسارة، يشعر المجتمع بأكمله بذلك”. وتضيف: “لقد شعرنا بذلك بعمق عندما فقدنا طالبة رائعة، وهي حصة، بسبب مرض السرطان قبل عدة سنوات”.
وللمساعدة في مواجهة الفقد، تقول جونسون إن المدرسة أنشأت فضاءً للذكرى حيث يمكن للأطفال التعبير عن مشاعرهم بالكلمات والإيماءات. وقد أتاحت لهم كتابة رسائل وذكريات في دفتر عنها، وربط أشرطة صفراء مع ملاحظات شخصية على شجرة الذكرى. هذه اللفتات الصغيرة والصادقة خلقت مساحة للشفاء والتواصل.
إعطاء الأولوية للحزن قبل الدرجات
تتذكر جونسون حادثة حديثة فقدت فيها إحدى طالباتها والدها وشقيقها في الأسبوع نفسه. في مثل هذه اللحظات، لا يمكن أن تكون الأكاديميات هي الأولوية. ما يهم أكثر هو التعاطف، والمرونة، وخلق مساحة آمنة للطلاب ليحزنوا ويعيدوا بناء قوتهم العاطفية.
في مدارس الإمارات، يساعد نهج منظم ولكنه شخصي للغاية في تحديد ودعم الطلاب الذين يعانون عاطفياً. يستخدم فريق الرفاهية نظام فرز لتحديد ودعم الطلاب الذين يواجهون ضائقة عاطفية كبيرة. يتم إقرانهم بشخص بالغ موثوق به يحافظ على زيارات تفقدية منتظمة. يقدم المستشارون دعماً عاطفياً فورياً ومستمراً، وعند الحاجة، يتم ربط العائلات بمتخصصين خارجيين.
كما يتم تزويد المعلمين بإرشادات حول كيفية الاستجابة بحساسية. يتلقون توجيهات حول كيفية تعديل التوقعات، مما يسمح بالمرونة في عبء العمل، والحضور، والمشاركة. كما يتم مساعدة زملاء الصف على فهم كيفية إظهار الرعاية وإدماج زميلهم دون إرباكه.
وتضيف جونسون أن المدرسة تستمر في متابعة الطلاب الحزينين بعد فترة طويلة من الفقد الأولي. تستمر الزيارات التفقدية الدورية بمرور الوقت، خاصة حول الذكريات السنوية أو التواريخ الهامة، مما يضمن ألا يشعر الطالب بأنه منسي أو متخلف. العلاج بالفن هو أيضاً أداة قوية للطلاب للتعبير عن حزنهم.
وتقول إن نهج مدرستها يقوم على التعاطف والمجتمع. عندما يرى الأطفال معلميهم وأصدقائهم يحيطونهم برعاية حقيقية، يبدأون في إيجاد طريقهم للعودة – عاطفياً وأكاديمياً.
وقد ردد قادة مدارس آخرون مشاعر مماثلة، مؤكدين أن الرفاهية العاطفية يجب أن تكون لها الأسبقية عند وقوع مأساة.
توفير ملاذ آمن للتعبير عن المشاعر
يقول بهانو شارما، مدير مدرسة وودليم بارك في الجرف، عجمان، إن العديد من الطلاب – وخاصة الأولاد – يجدون صعوبة في التعبير عن حزنهم. ونظراً لأن الطلاب ليسوا دائماً صريحين ومنفتحين بشأن حزنهم، وخاصةً الأولاد، فقد تم وضع صناديق “فضفض لي” في جميع أنحاء الحرم المدرسي حيث يمكنهم ترك همومهم وأفكارهم في حال احتاجوا إلى الدعم.
يشرح شارما أن معلم الفصل هو خط الدعم الأول. إنهم يتفهمون الحاجة والاهتمام المطلوبين في حالة الحزن. جنباً إلى جنب مع مستشار المدرسة، يتواصل القادة الكبار مع أعضاء الفصل ويوجهونهم لضمان تقديم كلماتهم وأفعالهم ودعمهم لمن يحتاجه.
دعم الأقران من خلال الإرشاد
تدير المدرسة أيضاً مبادرة إرشاد فريدة تسمى “فصلي المُتَبَنّى” (MAC)، حيث يهتم الطلاب الأكبر سناً بالاحتياجات الشخصية والاجتماعية والعاطفية لزملائهم الأصغر سناً. وهم يدعمونهم بانتظام على مدار العام، وخاصة إذا تطلب الموقف انتباهاً خاصاً.
وبالنسبة لأولئك الذين يتخلفون أكاديمياً بسبب الضيق العاطفي، يتم تقديم مساعدة إضافية. يتم تنظيم فصول دعم إضافية وتعيين صديق للطالب الذي يحتاج إلى مساعدة. وكجزء من الإجراءات الروتينية، يتم مشاركة معلومات “لمن تتصل” مع الطلاب وأولياء الأمور للتواصل، لأننا نؤمن بشدة بأن “الأوقات الصعبة لا تدوم، لكن الأشخاص الأقوياء يفعلون ذلك”.
القوة الشافية للاستماع والذكرى
أشار الخبراء إلى أن مثل هذه الأساليب التي يحركها التعاطف من قبل المدارس هي أمر بالغ الأهمية في مساعدة الطلاب على استعادة الاستقرار العاطفي.
أشار غيريش هيمناني، مدرب الحياة والمعالج بالطاقة المقيم في دبي، إلى أن تأثير الخسارة يمتد إلى ما هو أبعد من العائلة المباشرة. عندما يفقد شاب صديقاً، فإن ذلك يؤثر على المجتمع بأكمله. في مثل هذه اللحظات، من المهم أن يتكاتف المعلمون وأولياء الأمور لخلق جو من الرعاية والتفهم.
ويقول إن كل طفل يعالج الحزن بشكل مختلف. قد يرغب البعض في التحدث، بينما قد يحتاج البعض الآخر إلى التفكير الهادئ. ما يهم أكثر هو منحهم مساحة آمنة حيث يمكنهم التعبير عن عواطفهم بحرية، مع العلم أنهم سيُسمعون دون حكم. الاستماع المتعاطف يمكن أن يقطع شوطاً طويلاً في مساعدتهم على الشفاء بوتيرتهم الخاصة.
وأكد هيمناني أن الذكرى والطقوس المشتركة تلعب دوراً رئيسياً في الشفاء الجماعي. عندما يجتمع الطلاب لتكريم صديقهم – من خلال إهداءات صغيرة، أو رسائل، أو ذكريات مشتركة – فإن ذلك يساعدهم على الاحتفال بالحياة التي لامست حياتهم وإيجاد العزاء في الشفاء الجماعي.
و أخيرا وليس آخرا، تتجلى أهمية دور المدارس كملاذ آمن وداعم للطلاب في مواجهة الفقد. فمن خلال توفير مساحات آمنة للتعبير عن المشاعر، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز ثقافة التعاطف والتواصل، يمكن للمدارس أن تساعد الطلاب على تجاوز هذه الأوقات الصعبة واستعادة توازنهم العاطفي. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيف يمكن للمدارس أن تطور آلياتها لتوفير دعم أكثر شمولية واستدامة للطلاب الذين يمرون بتجارب الفقد؟










