الأتمتة : محرك التطور في مختلف مجالات الحياة
من الطب إلى التعليم، ومن الهندسة إلى الاقتصاد، ساهمت الأتمتة في تسريع وتيرة التطور في العديد من التطبيقات اليومية، بدءًا من العمليات البسيطة المتكررة وصولًا إلى العمليات المعقدة ذات التفاصيل المتشعبة.
الأتمتة في مجال الصحة: تعزيز كفاءة الخدمات الطبية
تلبي الأتمتة احتياجات القطاع الصحي في جوانب متعددة، من أهمها:
تسجيل المؤشرات الحيوية للمريض بدقة وتخصيص
يُعد نظام مراقبة المريض عن بعد (Remote Patient Monitoring RPM) من أبرز أنظمة الأتمتة؛ وذلك لقدرته على قراءة المؤشرات الحيوية للمريض باستمرار، ومتابعة حالته الصحية، والاستجابة الفورية لأي تغييرات قد تطرأ؛ بهدف وقايته من المشكلات الصحية الخطيرة.
تكمن أهمية معرفة هذه المؤشرات وتخزينها في نظام مؤتمت في تسهيل عملية التشخيص، واختيار العلاج الأمثل عند ظهور أي تغييرات سلبية، وتعديل الخطة العلاجية بما يتناسب مع المستجدات، بهدف تحقيق المواءمة بين الخدمات الطبية واحتياجات كل مريض على حدة، خاصةً أصحاب الأمراض المزمنة والمتداخلة.
السجلات والمواعيد: تسهيل التعامل للمريض والطبيب
تُعتبر المواعيد الطبية وتنسيقها من بين المهام الأكثر استهلاكًا للوقت والجهد في المجال الطبي؛ نظرًا لكثرة عدد المرضى. لذا، فإن أتمتة هذه العمليات واستخدام أنظمة محوسبة تساعد في تخصيص المواعيد للمرضى، وترتيبها بكفاءة، وتذكيرهم بها بسهولة، والتواصل معهم، وتزويدهم بتعليمات الرعاية اللاحقة عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني، مما يقلل من نسبة التغيب عن المواعيد بسبب النسيان أو عدم التأكيد.
تقليل نسبة الأخطاء الطبية
تُستخدم تقنيات أتمتة العمليات الآلية (Robotic Process Automation RPA) في المجال الطبي لأتمتة المهام المتكررة التي يقوم بها الكادر الطبي، وتقليل الأخطاء والجهد البشري، مثل التأخر في صرف الدواء للمريض، أو إعطائه جرعات غير مناسبة؛ إذ تتولى هذه التقنية إنجاز مثل هذه المهام بدقة وسرعة أكبر.
بالإضافة إلى ذلك، يتم استخدام برامج تشخيص دقيقة وأجهزة جراحية آلية لا تتطلب تدخل الطبيب المستمر، مما يقلل من الأخطاء الطبية. ومن أبرز تطبيقات الأتمتة: أجهزة مراقبة ضغط الدم وقياس الحرارة ومعدل التنفس، ومضخة الأنسولين القادرة على قراءة مؤشرات السكر في الدم، وضخ الكمية المناسبة منه للمريض.
الأتمتة في مجال التعليم: تعزيز الفاعلية والإنجاز
أصبحت الأتمتة أداة لتطوير العمليات الإدارية والدراسية في التعليم، كما يتضح في الجوانب التالية:
تسجيل الحضور داخل الغرفة الصفية
تُعد متابعة حضور وغياب الطلاب من أكثر عمليات الإدارة الصفية تكرارًا، والتي تتطلب جهدًا يدويًا من المعلمين، مما يستهلك وقت الدروس. وتساعد أتمتة هذه العملية في جعلها أسهل وأسرع، وذلك باستخدام بطاقات إلكترونية تحمل شرائح (RFID) تُمرر على قارئ رقمي عند الدخول إلى الغرفة الصفية لتسجيل الحضور، على سبيل المثال.
سهولة تقييم الطلاب
عملية تقييم الطلاب هي جزء أساسي من العملية الدراسية التي تهدف إلى تطوير مستوى المتعلمين؛ حيث ساهمت أتمتة هذه العملية بواسطة برامج مخصصة في رفع سرعة تصحيح الواجبات والامتحانات، وزيادة دقتها، وتخزين النتائج، ومراجعتها، ومعرفة نقاط ضعف الطلاب، ومساعدتهم في تحسينها.
سلاسة العمليات الإدارية للطلاب والكادر التعليمي
يحتاج الكادر الإداري التعليمي إلى متابعة تسجيل الطلاب في الصفوف المختلفة وتنظيمه، وتساهم أنظمة التسجيل المؤتمتة والمحوسبة في تسهيل هذه العملية من حيث الحصول على الوثائق المطلوبة، والتحقق من صحتها، ومراجعة النواقص منها. أما عند الحاجة إلى توظيف معلمين جدد، فإن دور برامج الأتمتة يتيح تصنيف المتقدمين، واختيار الأنسب منهم للمؤسسة التعليمية بصورة أسرع.
الأتمتة في المجال الاقتصادي: دفع عجلة التنمية
تستفيد المؤسسات الاقتصادية من الأتمتة في مجالين أساسيين؛ أولهما التعاملات المالية من بيع وشراء؛ فالأنظمة المؤتمتة الحاسوبية تستطيع إصدار الفواتير وإرسالها إلى أصحابها، ومتابعتهم؛ للتحقق من دفعها، إلى جانب قدرتها على حساب التكاليف، وصافي الأرباح، والضرائب، وتوزيع رواتب الموظفين بدقة وسرعة.
بالإضافة إلى ذلك، تستطيع الأتمتة تخزين تلك العمليات المالية، وإصدار تقارير خاصة بها متعلقة بالفواتير وتصنيفها، وحساب صافي الأرباح؛ لاتخاذ الإجراءات المناسبة، وتجنب المشكلات الاقتصادية، وتصميم الخطط المستقبلية؛ لزيادة النمو الاقتصادي.
الأتمتة في المجال الصناعي: تطوير غير محدود
تُستخدم أنظمة مؤتمتة في المجال الصناعي لتطوير القطع الصناعية التي تحتاج إليها القطاعات الأخرى وإنتاجها بصورة غير مسبوقة.
تتجسد الأتمتة في الصناعة بأنظمة الحاسوب المبرمجة المتخصصة، والذكاء الاصطناعي المتداخل مع تقنية إنترنت الأشياء للقطاع الصناعي (Industrial Internet of Things IIoT) الذي يتكون من مجموعة من الأجهزة الذكية المتصلة بعضها ببعض؛ بهدف إصدار القطع الصناعية بكفاءة، ورفع جودتها بأقل مقدار من الأعطال، وبكميات تلبي احتياجات السوق، مع المحافظة على أمان العمال؛ مما يؤدي إلى تقليل التكاليف؛ بفضل استغلال الموارد، وخفض كمية المخلفات، وتجنب إصابات العمل.
الأتمتة الخدماتية: مساعدة العملاء بكفاءة
تحتاج المؤسسات كافة إلى تقديم خدمات لعملائها، ومعالجة المشكلات التي قد تواجههم، وتتعدد البرمجيات المؤتمتة الخدماتية؛ كالرد الآلي (IVR) الذي يستقبل مكالمات العملاء، ويوجههم نحو الأقسام التي تلبي احتياجاتهم في المؤسسة، وبرامج الدردشة المباشرة (Live Chatbot) التي تستخدم الذكاء الاصطناعي للرد على تساؤلات العميل، وتقديم النصائح لهم في الوقت الفعلي، وكأنها محادثة مع أحد الموظفين.
تستطيع برامج الأتمتة الخدماتية أيضاً تخزين معلومات العملاء، وإصدار التقارير والدراسات التحليلية بناءً عليها؛ بهدف تقديم مؤشرات خدماتية مهمة، مثل مؤشر جهد العميل (CES)؛ لقياس مدى سهولة تجربة العميل؛ مما يساعد المؤسسة في معرفة نقاط ضعفها، وإصلاحها.
وأخيرا وليس آخرا
تُعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول الرائدة في مجال الأتمتة في قطاعاتها الحكومية والخدمية؛ إذ تتميز مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية (EHS) باعتمادها على الأتمتة والروبوتات في مجال القطاع الصحي؛ لتقديم خدمات طبية عالية الكفاءة، مثل اعتمادها نظام الصيدلة الروبوتية؛ لتزويد المريض بالأدوية في أقل من دقيقة، ودون أخطاء.
وتمكنت وزارة المالية من إدخال تقنيات التشغيل الآلي للأعمال (RPA)، والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ لجعل معاملاتها أكثر فاعلية وسرعة؛ مما يؤثر إيجابًا في التنمية الاقتصادية. و في عام 1445 هجريا الموافق 2023 ميلاديا، استطاعت هذه الأنظمة إجراء المعاملات المالية بمعدل أسرع في المعالجة بمتوسط 65%، وتقليل الخطأ فيها بنسبة 95%؛ لتوفر بذلك 12,000 ساعة عمل.
وتسعى جمعية الروبوتات والأتمتة (Robotics And Automation Society) أيضًا إلى دعم رؤية دولة الإمارات في أن تكون محورًا مهمًا في مجال الأتمتة والروبوتات على المستوى العالمي؛ عبر مساعدة المنتسبين إليها في مجالات التعاون، والتعلم؛ لنشر علوم الأتمتة في أنحاء الدولة، وزيادة نماء الاقتصاد فيها؛ من خلال رفع الوعي، والتشجيع على استخدام الأتمتة والروبوتات في مختلف المجالات، إلى جانب تنظيم المؤتمرات والمسابقات التي تعقد فيها.
وهكذا، تتجلى أهمية الأتمتة في مختلف القطاعات، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل الاعتماد على الأنظمة الآلية وتأثيرها على سوق العمل والاقتصاد العالمي.






