نمو التجارة غير النفطية في أبوظبي يعكس التنويع الاقتصادي
تواصل أبوظبي خطواتها الحثيثة نحو تنويع اقتصادها، ويظهر ذلك جلياً في البيانات التجارية الحديثة التي تبرز توسعاً ملحوظاً في القطاع غير النفطي بالإمارة.
ارتفاع شهادات المنشأ
وفقًا لبيانات غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، شهدت شهادات المنشأ الصادرة من الإمارة ارتفاعاً بنسبة 10.3% في الفترة بين يونيو 2024 ويونيو 2025. هذا الارتفاع يعكس توسعاً في أنشطة التصدير وزيادة القدرة التنافسية للصناعات المحلية. وتعد شهادات المنشأ وثائق رسمية تحدد بلد منشأ السلع، وهي ضرورية للمصدرين للاستفادة من التعريفات الجمركية التفضيلية وتسهيل الوصول إلى الأسواق العالمية عبر الاتفاقيات التجارية الثنائية والمتعددة الأطراف.
دور القطاع الخاص
يعكس هذا الزخم القوي في إصدار الشهادات الدور المتزايد لأبوظبي في التجارة العالمية ونجاح استراتيجياتها لتمكين القطاع الخاص. وقد أشارت الغرفة إلى أن الصناعات الكيميائية والمعدنية والهندسية كانت من بين أبرز المستفيدين، في حين تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة التوسع في أسواق جديدة، مدعومة بالتدريب المتخصص، ومبادرات التوفيق بين الشركات، ومنصات التصدير الرقمية.
أداء استثنائي للتجارة الخارجية غير النفطية
يتزامن هذا النمو في نشاط التصدير مع أداء استثنائي في إجمالي التجارة الخارجية غير النفطية. فخلال النصف الأول من عام 2025، بلغ حجم التجارة غير النفطية لأبوظبي 195.4 مليار درهم، بزيادة قدرها 34.7% مقارنة بـ 145 مليار درهم في العام السابق. وارتفعت الصادرات غير النفطية بنسبة 64% لتصل إلى 78.5 مليار درهم، ونمت إعادة التصدير بنسبة 35% لتصل إلى 36 مليار درهم، وارتفعت الواردات بنسبة 15% لتصل إلى 80 مليار درهم. ويتناقض هذا المسار بشكل حاد مع اتجاهات التجارة العالمية، حيث تقدر منظمة التجارة العالمية نمو التجارة العالمية للسلع بنسبة 1.75% فقط خلال الفترة نفسها.
تصريحات المسؤولين
أكد المسؤولون أن هذه النتائج تعكس قوة البنية التحتية والخدمات اللوجستية في أبوظبي، بالإضافة إلى قدرتها على التكيف السريع مع التحولات في سلاسل التوريد العالمية. وصرّح شامس الظاهري، النائب الثاني لرئيس غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، بأن “شهادات المنشأ” تعد بوابات لفرص أوسع وأدوات حيوية لتعزيز مساهمة القطاع الخاص في النمو الاقتصادي لأبوظبي، مؤكداً أن الغرفة ستواصل تسهيل الصادرات وتوسيع شراكاتها الدولية لتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة من الاستفادة من الأسواق العالمية بكفاءة.
التحول الاقتصادي في أبوظبي
أشار المحللون إلى أن هذه البيانات تدل على أن جهود أبوظبي في التنويع الاقتصادي قد حققت تقدماً ملموساً. وأضافوا أن التجارة غير النفطية في الإمارة تعد مؤشراً واضحاً على أن التحول الاقتصادي يسير في الاتجاه الصحيح، وأنه يتسم بالمرونة والقدرة على المنافسة عالمياً.
الطفرة التجارية في الإمارات
تعكس ديناميكية أبوظبي الطفرة التجارية الأوسع التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة. ففي الفترة من يناير إلى يونيو 2025، بلغت قيمة التجارة غير النفطية في الدولة حوالي 1.7 تريليون درهم إماراتي (462.8 مليار دولار أمريكي)، أي ما يقارب ضعف القيمة المسجلة قبل خمس سنوات. وكانت دولة الإمارات قد حددت هدفاً للوصول إلى 4 تريليونات درهم إماراتي بحلول عام 2031، إلا أن المسؤولين الحكوميين يتوقعون الآن تحقيق هذا الهدف قبل عدة سنوات إذا استمر الزخم الحالي. وقد ساهمت اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (Cepas) مع دول مثل الهند وإندونيسيا وإسرائيل وتركيا وكمبوديا وجورجيا في تعزيز التجارة الثنائية، في حين يجري التفاوض على اتفاقيات أخرى.
دور دائرة التنمية الاقتصادية وجمارك أبوظبي
وصف أحمد جاسم الزعابي، رئيس دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي، التقدم الذي أحرزته الإمارة بأنه دليل على التخطيط طويل الأمد، والتنفيذ الفعال للسياسات، والالتزام بتمكين التبادل الحر للسلع والخدمات والابتكارات. وأكد أن أبوظبي تعمل على ترسيخ مكانتها كمركز عالمي من خلال تبسيط الإجراءات التجارية، وتحسين الأنظمة الجمركية، والاستثمار المكثف في التحول الرقمي.
لعبت جمارك أبوظبي دورًا محوريًا في هذا التحول. وأشار المدير العام، راشد لاحج المنصوري، إلى أن الإصلاحات والشراكات ساهمت في تسريع أوقات التخليص الجمركي والحد من الاختناقات التجارية، بينما تعمل أنظمة التفتيش الرقمية والمنصات الجمركية المتكاملة على تحسين الكفاءة. وقد عززت الأصول الاستراتيجية، مثل ميناء خليفة ومرافق الشحن الموسعة في مطار أبوظبي الدولي، مكانة الإمارة كمركز لوجستي وإعادة تصدير يخدم منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
جاذبية أبوظبي في ظل التحديات العالمية
لم تثبط الرياح العالمية المعاكسة مسار أبوظبي. ففي حين أظهرت بيانات منظمة التجارة العالمية نموًا متواضعًا في حجم تجارة السلع بنسبة 1.2% في عام 2023، مع توقعات بانتعاش طفيف فقط في عام 2025، نجحت أبوظبي في تنمية تجارتها غير النفطية بوتيرة أسرع بأكثر من عشرين مرة من المتوسط العالمي في النصف الأول من هذا العام. ويرى المحللون أن هذا يعزز جاذبية الإمارة كملاذ آمن للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار والفرص.
توقعات النمو المستقبلية
يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو القطاع غير النفطي في الإمارات العربية المتحدة بأكثر من 4% في عام 2025، مدعومًا بقطاع التصنيع وتدفقات الاستثمار والسياحة. وتهدف استراتيجية أبوظبي الصناعية إلى مضاعفة حجم قاعدتها الصناعية إلى أكثر من 172 مليار درهم بحلول عام 2031، مما يعزز دمج الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في اقتصادها.
و أخيرا وليس آخرا
في الختام، يتضح أن أبوظبي تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق تنويع اقتصادي مستدام، مدعومة بجهود حثيثة في تطوير القطاع غير النفطي، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل التجارة، وتعزيز الشراكات الدولية. فهل ستتمكن الإمارة من الحفاظ على هذا الزخم وتحقيق أهدافها الطموحة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المستمرة؟










