حاله  الطقس  اليةم 17.2
مرتفعات وودلاند,الولايات المتحدة الأمريكية

التحولات الاقتصادية والاجتماعية: إرث التأثير البرتغالي في الخليج

admin
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
التحولات الاقتصادية والاجتماعية: إرث التأثير البرتغالي في الخليج

العهد البرتغالي وتأثيره في منطقة الخليج

في البدء، هيمن التجار المسلمون على التجارة الشرقية براً وبحراً منذ ظهور الإسلام حتى القرن السادس عشر. وقد تمتع أهالي البندقية بأغلب هذه التجارة القيمة، التي ملأت البحر الأحمر وصولاً إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، في حين نال أهالي جنوا الجزء الأصغر منها. بعد عام 1381م، بدأت جنوا بالتراجع، بينما استمرت البندقية في الحفاظ على سيادتها كقوة بحرية رائدة في البحر الأبيض المتوسط دون منازع. إلا أن وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي في عام 1498م أدى إلى انخفاض التدفق التجاري إلى البحر الأبيض المتوسط، مما أثر سلباً على البندقية والقوتين المتنافستين: مصر وتركيا.

تطلعات البرتغاليين في الخليج العربي

استلهم البرتغاليون طموحاتهم التجارية والعسكرية في القرن الخامس عشر من حب الاستكشاف ورغبتهم في نشر المسيحية، مما مهد الطريق للتوسع والاستعمار. وكانت رغبة التاج البرتغالي في السيطرة الكاملة على التجارة في المحيط الهندي، وخاصة تجارة التوابل، ونزعها من يد التجار المسلمين، دافعاً قوياً. وقد كان سكان شبه جزيرة أيبيريا، بشجاعتهم وحبهم للمغامرة، أول الأوروبيين الذين دخلوا المحيط الهندي والخليج العربي، بفضل موقعهم الجغرافي المتميز وتطور صناعة بناء السفن لديهم.

بداية التوسع البرتغالي في المحيط الهندي

بدأ التوسع البرتغالي في المحيط الهندي بحملاتهم على ساحل أفريقيا الغربي للحصول على السلع والعبيد. وكانت رحلة “بارتولوميو دياس” حول رأس جنوب أفريقيا بين عامي 1487 و1488م بمثابة حدث تاريخي مهم. وفي نفس الفترة، حصلت البرتغال من “بيدرو دا كوفيلهام” على معلومات قيمة عن النظام التجاري في المحيط الهندي والخليج العربي، بعد رحلتين استكشافيتين قام بهما. وخلال رحلته الثانية من القاهرة إلى الخليج العربي، زار هرمز وعدن وجدة، وأرسل تقريراً مفصلاً عن التجارة في المحيط الهندي إلى البرتغال.

فاسكو دا غاما وافتتاح الطريق البحري إلى الهند

في عام 1498م، افتتح الرحالة الشهير فاسكو دا غاما الطريق البحري إلى الهند برحلته حول رأس الرجاء الصالح، ووصوله إلى ميناء “كاليكوت” الهندي. أحدث هذا الحدث ثورة في التجارة الشرقية، وزود المحيط الهندي والخليج العربي بالقوى العسكرية، وثبت سيطرة البرتغاليين. وظلت التجارة البحرية من الهند عبر الطرق التجارية في الخليج والبحر الأحمر تحت سيطرة العرب، الذين حافظوا على هذه العلاقة التجارية المربحة، وكان البحارة البارزون في ذلك الوقت من عمان والإمارات الساحلية. في تلك الفترة، كان المحيط الهندي والخليج العربي ممرين بحريين آمنين وخاليين من السلاح، حيث لم تسعَ الجماعات التجارية إلى السيطرة العسكرية.

الإستراتيجية البرتغالية في المحيط الهندي والخليج العربي

اتضحت الإستراتيجية البرتغالية في المحيط الهندي والخليج العربي في احتكار التجارة وتدمير الطور التجاري الإسلامي، والسيطرة على الطرق التجارية باحتلال الموانئ الإستراتيجية. وقد رفعت رحلة “دا غاما” من مكانة البرتغال، حيث حصل الملك مانويل الأول على لقب “سيد الغزوات والبحار والتجارة في الحبشة وشبه الجزيرة العربية وفارس والهند”، وعزم على هدم السيادة العربية التجارية بإرسال قوة مسلحة. لقد كان اتباع البرتغاليين لأسلوب البحر الأبيض المتوسط التجاري والحربي مفاجئاً لسكان المنطقة.

تأسيس الإمبراطورية البرتغالية في آسيا البحرية

تميزت فترة دخول البرتغاليين وإنشاء الإمبراطورية البرتغالية “إيستادو دا إنديا” Estado da India في أقاليم آسيا البحرية في القرن السادس عشر بثلاث مراحل. خلال المرحلة الأولى، من عام 1500م وحتى نهاية حكم ألفونسو دي ألبوكيرك عام 1515م، وصلوا إلى المحيط الهندي وخليج عمان، وثبتوا أنفسهم هناك بالقوة. أما المرحلة الثانية، من عام 1515م وحتى نحو عام 1560م، فقد شهدت أوج قوة النيابة الملكية في جوا البحرية، وتمكنت من وضع احتكار نصفي في تجارة التوابل قيد التنفيذ. سعى البرتغاليون، من خلال سلسلة من المستوطنات المحصنة في المحيط الهندي، مدعومة بدوريات بحرية منتظمة، إلى تعزيز احتكارهم للتجارة بإلزام التجار المحليين بشراء تصاريح مرور “كارتاز Cartazes ” من “إيستادو دا إنديا” Estado da India ودفع الرسوم الجمركية. وفي المرحلة الأخيرة، واجه البرتغاليون مقاومة أهلية ومنافسة خارجية من قوى أوروبية أخرى.

السيطرة على الموانئ الهامة في الخليج العربي

شهدت العقود الأولى من القرن السادس عشر تأسيس الإمبراطورية البرتغالية، بهدف السيطرة على أكثر الموانئ ربحاً في شرق إفريقيا، وملبار، وكنكان، والخليج، ومضيق ملقا. في عام 1507م، استولى ألبوكيرك على سوقطرة لتكون قاعدة لسد الطريق عن البحر الأحمر، ثم وجه اهتمامه إلى هرمز، التي تسيطر على مدخل الخليج العربي. ومنذ عام 1507م، تمكن البرتغاليون من تشديد الخناق على تجارة عمان البحرية، بالسيطرة على عدة موانئ ومدن تجارية هامة في الخليج، مثل جلفار (إمارة رأس الخيمة حالياً) وخصب، إضافة إلى المدن الساحلية بين رأس الحد وشبه جزيرة مسندم، بما في ذلك صور، وقريات، ومسقط، ومطرح، وسيب، وصحار، وخورفكان، ودبا، وليما.

مقاومة مدن الخليج العربي للبرتغاليين

في حين رحبت قلهات بألبوكيرك، أبدت كل من قريات ومسقط مقاومة، مما أدى إلى تعرضهما للسلب والنهب. ورغم تحصين صحار بحصون وأبراج كبيرة، إلا أنها استسلمت دون مقاومة. من ناحية أخرى، واجهت مدينة خورفكان -الواقعة في إمارة الشارقة، والتي كانت ميناءً مزدهراً- مصير مسقط نفسه، حيث استُولي عليها وأُحرقت، وأُسر النساء والأطفال، وقُتل العديد من الرجال. وصف ألبوكيرك خورفكان بأنها “مكان كبير جداً”، تحتوي على منازل جيدة، يسكنها تجار هنود أغنياء، وإسطبلات كبيرة للخيول التي تصدر إلى الهند، وأراضٍ وممتلكات عليها منازل مبنية بشكل جيد، وأشجار فاكهة وخضراوات، وبِرَك مياه للري، ومراكب ثلاثية الصواري لصيد السمك.

نظام “الكرتاز” وتأثيره على تجارة الخليج

كان وصول البرتغاليين إلى المنطقة نقطة تحول في تاريخ المحيط الهندي والخليج العربي، حيث سعوا إلى تثبيت سيادتهم التنفيذية في المحيط الهندي بإبعاد التجار المسلمين، وفرضوا نظام شراء تصاريح المرور البحرية “الكرتاز cartazes ” على سفن التجار المسلمين غير المسلحة. وقد أدى تحول التجارة الشرقية من أيدي عرب الخليج إلى بداية الانحدار الاقتصادي في المنطقة. وعلى الصعيد الأوروبي، تمكن البرتغاليون من تحويل تجارة التوابل من الإسكندرية والبندقية إلى لشبونة وأنتويرب لتوزيعها في أوروبا.

تحولات في النظام التجاري في المحيط الهندي

لعب البرتغاليون دوراً بارزاً في تغيير النظام التجاري في المحيط الهندي، حيث استولوا على دور الوسيط التجاري بين موانئ المحيط الهندي، مما أثر على المجتمعات العربية المحلية والمجتمعات الأخرى في المنطقة. ونتيجة لانتهاكاتهم وسيطرتهم، تراجعت المجتمعات العربية التجارية في الخليج والساحل نحو المناطق الداخلية، وتعرضت عدة مدن تجارية في عمان وسائر مدن الخليج العربي للانحدار.

تراجع السيطرة البرتغالية في الخليج العربي

خلال القرن السابع عشر، أدت عدة عوامل إلى إضعاف السيطرة البرتغالية على الساحل العربي، بما في ذلك استمرار مقاومة موانئ الخليج للاحتلال البرتغالي وتضييق الخناق عليهم من المجتمعات الاقتصادية في المنطقة. وقد شهدت الأعوام 1521م و1526م ثورتين ضد السيطرة البرتغالية عبر الساحل العربي، شاركت فيهما هرمز والبحرين وقلهات وصحار ومسقط. وفي عام 1602م، تمكن شاه عباس الأول من طرد البرتغاليين من البحرين، واستُولي على هرمز عام 1622م نتيجة لعملية عسكرية إنجليزية – فارسية مشتركة، مما شكل هزيمة رمزية للإمبراطورية البرتغالية الهندية “إيستادو دا إنديا”.Estado da India

نهاية الوجود البرتغالي في الخليج العربي

في نفس العام، استولى الفرس على خورفكان، ولكن الأميرال البرتغالي راي فرير دا أندرادا طردهم منها عام 1623م، قبل أن تتمكن قوة عربية بقيادة إمام اليعاربة الأول ناصر بن مرشد من طرد راي فرير نفسه. وخرجت مسقط وساحل عمان من قبضة البرتغال نتيجة لقوة وطنية فرضتها نشأة سلالة اليعاربة، وتمكنت قواتهم عام 1633م من طرد البرتغاليين من جلفار ودبا، واستعادوا صحار عام 1643م. واستمر القتال إلى أن استعيدت مسقط عام 1650م، تحت قيادة الإمام الجديد سلطان بن سيف. ومع نهاية القرن السادس عشر، بدأت بريطانيا وهولندا في إقامة علاقات تجارية مباشرة مع الشرق، وشكل وصول السفن البريطانية والهولندية تحدياً كبيراً للبرتغاليين، وأدى إلى انحلال إمبراطوريتهم الشرقية.

السجلات التاريخية للبرتغاليين

رغم تراجع قوة البرتغاليين، إلا أن سجلاتهم التاريخية وبعثاتهم تركت روايات قيمة حول تقدمهم في الشرق، وتلقي الوثائق المطبوعة والمخطوطة الضوء على الشؤون العربية المحلية المعاصرة، وتحتوي على معلومات مهمة عن الأماكن والأشخاص والأحداث المتعلقة بدولة الإمارات العربية المتحدة الحديثة. وتعتبر رحلات “بيدرو تيكسيرا” The Travels of Pedro Teixiera النص الجغرافي الرئيس خلال النصف الأول من القرن السابع عشر. وقد ظهرت الإشارة الوحيدة لأم القيوين في القديم في كتاب بالبي الجواهري البندقي، وفي كتاب “دوارت باربوسا” الذي أشار إليها باسم “مالقويهون” .Malquehoan وظل البرتغاليون يفرضون سيادتهم على الخليج لمدة قرن ونصف تقريباً، وواجهوا تحدياً كبيراً من الغزو العثماني.

الصراع العثماني الصفوي وتأثيره على البرتغاليين

شكل التنافس بين العثمانيين والصفويين الفرس عائقاً أمام طرد البرتغاليين من الخليج العربي أو المحيط الهندي. وبقيام ثورة اليعاربة في بداية القرن السابع عشر، تحررت عمان من سيطرة البرتغاليين.

جلفار في الوثائق الأوروبية

تظهر جلفار بشكل بارز في الوثائق الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وخاصة في الروايات البرتغالية. ويصف كتاب “دوارت باربوسا” The Book of Duarte Barbosa جلفار بأنها “مكان كبير جداً فيه العديد من الناس والأعيان والملاحين الذين كانوا يعملون في صيد “الجفار” أو اللآلئ الصغيرة والعديد من اللآلئ الكبيرة التي كان تجار هرمز يقصدونها لشراء تلك اللالئ”. وفي المصدر نفسه، أشير إلى جلفار أو “راكويما” Racoima -رأس الخيمة حديثاً- على أنها “مكان كبير جداً”.

صناعة اللؤلؤ في جلفار

أشار الرحالة البرتغالي “بيدرو تيكسيرا” إلى صناعة اللؤلؤ في جلفار، حيث ذكر أن أسطولاً مكوناً من خمسين مركباً كان يبحر من هناك في شهري يوليو وأغسطس لصيد اللآلئ على شواطئ قطر والبحرين. وأضاف أن نوعاً من اللآلئ كان يُعثر عليه في المياه الإقليمية لجلفار. وقد ورد في كتاب “دي باروس” Decades بيانات تفصيلية عن العائدات والنفقات في هرمز تحت الاحتلال البرتغالي، وأشار إلى أن منطقة جلفار كانت تدفع مبلغ 7500 “أشرفي”، وهو أكبر مبلغ دُفع آنذاك. وهناك أيضاً مواصفات ورسومات قديمة لحصون برتغالية أُسِّسَت في دبا، والبدية، وخورفكان، وكلبا، وهي حالياً أجزاء من دولة الإمارات العربية المتحدة.

و أخيرا وليس آخرا، يتضح من خلال استعراض الحقبة البرتغالية في منطقة الخليج العربي، أن هذه الفترة كانت حافلة بالتحولات العميقة التي طالت النواحي التجارية والاقتصادية والاجتماعية. فمن خلال سعي البرتغاليين الحثيث للسيطرة على طرق التجارة البحرية واحتكارها، وتأسيس الإمبراطورية البرتغالية في آسيا، إلى المقاومة الشرسة التي واجهوها من القوى المحلية والإقليمية، وصولاً إلى تراجع نفوذهم وظهور قوى أوروبية جديدة، تركت هذه الحقبة بصماتها الواضحة على تاريخ المنطقة. فهل يمكن اعتبار هذه الفترة نقطة تحول حاسمة في مسار تاريخ الخليج العربي؟

الاسئلة الشائعة

01

العهد البرتغالي

ثانياً: حضارة الإمارات في عهود القوى الغربية بمنطقة الخليج كان التجّار المسلمون، منذ ظهور الإسلام حتى القرن السادس عشر، يسيطرون على تجارة الشرق برًّا وبحراً. وكان أهالي البندقية يحظون بالجزء الأكبر من تلك التجارة المرموقة التي ملأت البحر الأحمر من البرّ إلى موانئ البحر الأبيض المتوسّط، بينما كان أهالي جنوا يحصلون على الجزء الأصغر منها. وفيما بدأت جنوا بعد عام 1381م بالانحدار، استمرّت البندقية تتمتّع بسيادتها كقائد بحري في البحر الأبيض المتوسّط دون منافس. لقد أدّى وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي عام 1498م إلى خفض التدفّق التجاري إلى البحر الأبيض المتوسّط، ما أثّر سلباً في البندقية والقوتين المتنافستين: مصر وتركيا أيضاً. استوحى البرتغاليون طموحاتهم في القرن الخامس عشر- المتمثّلة بالنشاطات التجارية والعسكرية- من روح الاستكشاف لديهم، إضافة إلى مهمّتهم في نشر الديانة المسيحية؛ تلك النشاطات مهدّت الطريق أمام مزيد من التوسّع والاستعمار. ومهما يكن، فقد دفعت رغبة التاج البرتغالي للسيطرة التامّة على التجارة المرموقة في المحيط الهندي، ولاسيّما تجارة التوابل، ونزعها من قبضة التجّار المسلمين الذين كانوا يسيطرون عليها. كان أهالي شبه جزيرة أيبيريا الذين يتّسمون بالشجاعة وحبّ المغامرة، أوّل شعب أوروبي يدخل المحيط الهندي، والخليج العربي؛ لموقعهم الجغرافي المميّز، وتطوّر صناعة بناء السفن لديهم. بدأ التوسّع والانتشار البرتغالي في المحيط الهندي بحملاتهم في ساحل إفريقيا الغربي جنوب الصحارى؛ للحصول على السلع والعبيد. وقد مثّلت رحلة “بارتولوميو دياس” حول رأس جنوب إفريقيا خلال عامي 1487-1488م ، العمل قبل الأخير من سلسلةٍ من الأحداث التاريخية. وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت البرتغال قد حصلت من “بيدرو دا كوفيلهام” الذي قام برحلتين لاستكشاف وتفحّص التجارة في المحيط الهندي، على معلومات حيوية وأساسية عن مدى ثراء النظام التجاري في المحيط الهندي والخليج العربي. وخلال قيامه برحلته الثانية من القاهرة إلى الخليج العربي، زار هرمز وعدن وجدّة، وأرسل إلى البرتغال تقريراً مفصّلاً عن التجارة في المحيط الهندي. افتتح الرحالة الاستكشافي الشهير فاسكو دا غاما الطريق البحري إلى الهند عام 1498م، برحلته البارزة حول رأس الرجاء الصالح، ونزوله في ميناء “كاليكوت” الهندي. وقد أدّت تلك الحادثة الفريدة إلى إحداث ثورة على التجارة الشرقية، وتزويد المحيط الهندي والخليج العربي بالقوى العسكرية، وتثبيت سيطرة البرتغاليين هناك. وربّما كانت تلك الحادثة التي عملت على فتح الطريق التجاري البحري إلى الهند الوحيدة من نوعها، إذ لم يجرِ خلال العصور الوسطى حادثة مشابهة لها تأثير بعيد المدى في العالم المتحضّر. ظلّت التجارة البحرية من الهند عبر الطرق التجارية في الخليج، والبحر الأحمر، حتى اليوم في سيطرة العرب. لقد نجح العرب منذ زمن بعيد في المحافظة على تلك العلاقة التجارية المربحة دون توقّف، كما كان البحّارة البارزون في ذلك الوقت من عمان والإمارات الساحلية. وكان المحيط الهندي والخليج العربي – في تلك الفترة – ممرّاً بحريًّا آمناً وخالياً من السلاح، إذ لم تكن الجماعات التجارية تتوق أبداً إلى السيطرة العسكرية.
02

إستراتيجية البرتغال في المحيط الهندي

وما لبث أن اتّضح حصر إستراتيجية البرتغال في المحيط الهندي والخليج العربي باحتكار التجارة فيها، وهذا يعني العمل على تدمير الطور التجاري الإسلامي الذي كان يشكّل فترة مميّزة، والسيطرة بالتالي على الطرق التجارية باحتلال الموانئ الإستراتيجية. كانت رحلة “دا غاما” قد رفعت من مكانة البرتغال حتّى إنّ الملك مانويل الأوّل حصل على لقب”سيّد الغزوات والبحار والتجارة في الحبشة، وشبه الجزيرة العربية، وفارس، والهند” وعزم على هدم وتدمير السيادة العربية التجارية بإرسال قوّة مسلّحة. لقد حدث اتباع البرتغاليين لأسلوب البحر الأبيض المتوسط التجاري والأساليب الحربية برّاً وبحرا،ً مباغتة وبشكل مفاجئ كليًّا لأهالي المنطقة.
03

مراحل دخول البرتغاليين

تميّزت فترة دخول البرتغاليين وإنشاء الإمبراطورية البرتغالية “إيستادو دا إنديا” Estado da India في أقاليم آسيا البحرية، في القرن السادس عشر، بثلاث مراحل؛ فقد شقّوا طريقهم في المرحلة الأولى من عام 1500م وحتى نهاية حكم ألفونسو دي ألبوكيرك عام 1515م، للوصول إلى المحيط الهندي وخليج عمان، وثبّتوا أنفسهم هناك بقوة السلاح، أما المرحلة الثانية والتي دامت من عام 1515م وحتى نحو عام 1560 م، فقد توصّلت خلالها النيابة الملكية في جوا إلى أوج قوّتها البحرية، كما تمكّنت من وضع احتكار نصفي في تجارة التوابل قيد التنفيذ. لقد سعى البرتغاليون، بواسطة سلسلة من المستوطنات المحصّنة في المحيط الهندي، يساندها دورية بحرية منتظمة، إلى تعزيز احتكارهم للتجارة بإلزام التجار المحليين شراء تصاريح مرور لضمان سلامتهم “كارتاز Cartazes “من “إيستادو دا إنديا” Estado da India ودفع الرسوم الجمركية. وخلال المرحلة الأخيرة من الانحدار، واجه البرتغاليون مقاومة أهلية طبيعية ومنافسة خارجية من قوى أوروبية أخرى. شهدت العقود الأولى من القرن السادس عشر تأسيسَ الإمبراطورية البرتغالية، بعزم واحد من قبل لشبونة للسيطرة على أكثر الموانئ تحقيقاً للربح في شرق إفريقيا، وملبار، وكنكان، والخليج، ومضيق ملقا؛ ففي عام 1507م استولى ألبوكيرك على سوقطرة، لتصبح قاعدة لسدّ الطريق عن البحر الأحمر، ومن ثمّ حوّل كلّ اهتمامه إلى هرمز، التي تسيطر على مدخل الخليج العربي، لانتزاع كلا هذين الطريقين التجاريين المهمين من قبضة المسلمين. ومنذ عام 1507م، تمكّن البرتغاليون من تشديد الخناق على تجارة عمان البحرية، حين سيطروا على عدة موانئ ومدن تجارية هامة في الخليج وتشمل جلفار (إمارة رأس الخيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة) وخصب، إضافة إلى المدن الساحلية الواقعة بين رأس الحدّ وشبه جزيرة مسندم، وتشمل موانئ: صور، وقريات، ومسقط، ومطرح، وسيب، وصحار، وخورفكان، ودبا، وليما. وفيما رحّبت قلهات- الواقعة على ساحل عمان- بألبوكيرك، أبدت كلّ من قريات ومسقط مقاومة ضدّه، ما جعلهما تتعرّضان لعمليات السلب والنهب؛ ورغم أنّ صحار كانت محميّة بحصون وأبراج كبيرة وضخمة إلاّ أنها استسلمت دون مقاومة من جانبها. من ناحية أخرى لقيت مدينة خورفكان -وهي مدينة في إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وكانت آنذاك ميناءً يمتاز بالازدحام والازدهار- مصيرَ مسقط نفسه. فقد استُوليَ على المدينة وحرقت بحيث لم يتبقّ فيها أيّ مبانٍ قائمة، كما تعرّضت النساء والأطفال إلى الأسْر، وقُتل العديد من الرجال. وصف ألبوكيرك خورفكان بأنها “مكان كبير جدًّا”، وأنّها مدينة تحتوي على منازل جيدة، كان يعيش فيها عدد كبير من تجّار الهند الأغنياء، وكان هناك أيضاً إسطبلات كبيرة تحتوي على الخيول التي كانت تصدّرها إلى الهند. وفي داخلها أراضٍ وممتلكات كثيرة عليها منازل مبنية بشكلٍ جيّد، وكان فيها الكثير من أشجار الفاكهة والخضراوات، وفيها عدد كبير من بِرَك المياه التي كانت تستخدم لأغراض الريّ. وفي الميناء عدد من المراكب ذات ثلاث صوارٍ لصيد السمك، والشباك أيضاً. كان وصول البرتغاليين إلى المنطقة نقطة تحوّل في تاريخ المحيط الهندي والخليج العربي لأكثر من سبب؛ فقد سعوا خلال النصف الأوّل من القرن السادس عشر، إلى تثبيت سيادتهم التنفيذية في المحيط الهندي بإبعاد التجّار المسلمين، وفرضوا بوجود سفنهم البحرية المسلّحة نظام شراء تصاريح المرور البحرية “الكرتاز cartazes “على سفن التجّار المسلمين غير المسلّحة. لقد حدّد تحوّل التجارة الشرقية من أيدي عرب الخليج، الذين كانوا لقرون عديدة بارعين في التجارة البحرية وخوض البحار، بدايةَ الانحدار الاقتصادي في المنطقة. وعلى الصعيد الأوروبي تمكّن البرتغاليون من تحويل تجارة التوابل من المراكز التجارية الرئيسة التقليدية في الإسكندرية والبندقية إلى لِشبونة وأنتويرب لتوزيعها في سائر أنحاء أوروبا. لعب البرتغاليون في الواقع دوراً مميّزاً ليس فقط في تحويل النظام التجاري في المحيط الهندي، بل من حيث ميزته الأساسية وتكوينه أيضاً، مما كان عليه بين عامي 600م و1500م. كان البرتغاليون قد استولوا على دَور الوسيط التجاري بين موانئ المحيط الهندي من أعضاء كانوا يمثلّون الطور الطبيعي الفطري في التجارة؛ وما لبثت أن تأثّرت مجتمعات العرب المحليين التجارية، والمجتمعات الأخرى في المحيط الهندي بتلك التحوّلات. وتحت تأثير انتهاكاتهم وسيطرتهم، تركت المجتمعات العربية التجارية في الخليج والساحل، حيث تراجعوا مؤقتاً نحو المناطق الداخلية، كما تعرّضت عدة مدن تجارية في عمان وسائر مدن الخليج العربي للانحدار.
04

أسباب إضعاف السيطرة البرتغالية

أدّت عدة عوامل مشتركة خلال القرن السابع عشر، إلى إضعاف سيطرة البرتغاليين على الساحل العربي، ومن ثَمّ انحدار سيادتهم في الخليج، وكان استمرار مقاومة موانئ الخليج ضدّ الاحتلال البرتغالي وتشديد الخناق عليهم من المجتمعات الاقتصادية في المنطقة، من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى ذلك، وقبل ذلك بكثير كانت قد قامت في عامي 1521م و1526م ، ثورتان رئيستان ضدّ سيطرة البرتغاليين عبر الساحل العربي، اشتركت فيهما كلّ من هرمز، والبحرين، وقلهات، وصحار، ومسقط. وفي عام 1602م، تمكّن شاه عبّاس الأوّل، حاكم فارس، من طرد البرتغاليين من البحرين، واستُوليَ على هرمز عام 1622م نتيجة عملية عسكرية إنجليزية – فارسية مشتركة. كان سقوط هرمز للبرتغاليين هزيمة رمزية لإمبراطورية البرتغاليين الهندية “إيستادو دا إنديا” .Estado da India استولى الفرس في السنة نفسها، على خورفكان، ولكن ما لبث الأميرال البرتغالي راي فرير دا أندرادا أن طردهم منها عام 1623م، وبعد ذلك بفترة قصيرة تمكّنت قوة عربية بقيادة إمام اليعاربة الأوّل ناصر بن مرشد، من طرد راي فرير نفسه. لقد خَرَجَت مسقط وساحل عمان كليًّا من قبضة البرتغال نتيجة لقوة وطنية فرضتها نشأة تلك السلالة العربية الجديدة، وتمكّنت قوات اليعاربة عام 1633م بقيادة ناصر بن مرشد، من طرد البرتغاليين من جلفار ودبا كذلك، حيث كان البرتغاليون قد بنوا قبل ذلك، حصوناً وقلاعاً لهم، كما استعادوا صحار عام 1643م. وقد استمرّ القتال إلى أن استعيدت مسقط آخر معاقل البرتغاليين عام 1650م، تحت قيادة الإمام الجديد سلطان بن سيف. ومع نهاية القرن السادس عشر بدأت كلّ من بريطانيا وهولندا تبدي اهتماماً بإقامة روابط وعلاقات تجارية مباشرة مع الشرق، وكان وصول السفن البريطانية والهولندية في المحيط الهندي كمنافسين تجاريين لتحقيق السيادة على البحر، قد شكّل أكبر تحدٍّ كان على البرتغاليين أن يواجهوه في آسيا. لقد برهن هذا التنافس على المدى الطويل نهاية قوّتهم وازدهارهم الاقتصادي، وأدّى إلى انحلال وتمزيق إمبراطوريتهم الشرقية. ورغم انحدار قوة البرتغاليين في المحيط الهندي والخليج العربي، إلاّ أنّ سجلاتهم التاريخية وبعثاتهم تركت وراءها الكثير من الروايات حول تقدّمهم في الشرق، فثمّة الكثير من الوثائق المطبوعة منها والمخطوطة تلقي ضوءاً قويّاً على الشؤون العربية المحلية المعاصرة، كما تحتوي على معلومات مهمة عن الأماكن والأشخاص والأحداث المتعلّقة بدولة الإمارات العربية المتحدة الحديثة، وتعتبر رحلات “بيدرو تيكسيرا” The Travels of Pedro Teixiera، النصَّ الجغرافيَّ الرئيس خلال النصف الأوّل من القرن السابع عشر. كانت الإشارة الوحيدة لأم القيوين في القديم قد ظهرت فقط في كتاب بالبي الجواهري البندقي، وفي كتاب “دوارت باربوسا” الذي أشار إليها باسم “مالقويهون” .Malquehoan وظلّ البرتغاليون لمدة قرن ونصف تقريباً يفرضون سيادتهم المطلقة على الخليج، ولكنّهم في الوقت نفسه ورغم مواجهتهم تحديات كثيرة، واجهوا تحدياً كبيراً من الغزو العثماني من الشرق الأوسط. لقد شكّل التنافس القائم بين العثمانيين وبين الصفويين الفرس -الذين كان البرتغاليون قد أقاموا سياسة من التعاون المشترك معهم ضدّ العثمانيين – عائقاً كبيراً أمامهم لطرد البرتغاليين طرداً دائماً من الخليج العربي أو المحيط الهندي. وبقيام ثورة اليعاربة في بداية القرن السابع عشر، تحرّرت عمان أخيراً من سيطرة البرتغاليين.
05

جلفار في الوثائق الأوروبية

جلفار أشهر المناطق المعروفة جيداً في المنطقة، تظهر ظهوراً بارزاً في كثير من الوثائق الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأكثرها أهمية الروايات المجيدة عن هذه المدينة، الميناء، في الوثائق والروايات البرتغالية. ويعتبر كتاب “دوارت باربوسا” The Book of Duarte Barbosa من أقدم المصادر التي ورد فيها وصف جلفار على أنّها “مكان كبير جداً فيها العديد من الناس والأعيان والملاّحين الذين كانوا يعملون في صيد “الجفار” أو اللآلئ الصغيرة والعديد من اللآلئ الكبيرة التي كان تجّار هرمز يقصدونها لشراء تلك اللالئ”. بعدئذٍ كان قد أشير في المصدر نفسه إلى جلفار أو “راكويما” Racoima -رأس الخيمة حديثاً- على أنّها “مكان كبير جداً”. أشار الرحّالة البرتغالي “بيدرو تيكسيرا” إلى صناعة اللؤلؤ في جلفار حين كتب يقول: إنّ أسطولاً مكوّناً من خمسين مركباً كان يبحر من هناك في شهري يوليو وأغسطس من كل عام لصيد اللآلئ على شواطئ قطر والبحرين. وأضاف قائلاً: إنّه قد نُسِب إلى جلفار نوع من اللآلئ كان يُعثَر عليه في المياه الإقليمية. لقد ورد في كتاب “دي باروس” Decades بيانات تفصيلية عن العائدات والنفقات في هرمز تحت الاحتلال البرتغالي، كما أشار إلى أنّ منطقة جلفار كان تدفع مبلغ 7500 “أشرفي” وهو أكبر مبلغ دفعته آنذاك. وهناك أيضاً مواصفات ورسومات قديمة لعدد من الحصون البرتغالية التي أُسِّسَت في دبا، والبدية، وخورفكان، وكلبا التي هي حاليًّا أجزاء من دولة الإمارات العربية المتحدة.
06

ما هي القوى التي كانت تسيطر على تجارة الشرق قبل وصول البرتغاليين؟

كان التجّار المسلمون، وخاصةً أهالي البندقية وجنوا، يسيطرون على تجارة الشرق برًّا وبحراً قبل وصول البرتغاليين في القرن السادس عشر.
07

ما الذي دفع البرتغاليين للتوسع في المحيط الهندي والخليج العربي؟

استوحى البرتغاليون طموحاتهم من روح الاستكشاف، ونشر الديانة المسيحية، ورغبة التاج البرتغالي في السيطرة على تجارة التوابل ونزعها من قبضة التجار المسلمين.
08

من هو الرحالة الذي افتتح الطريق البحري إلى الهند عام 1498؟

الرحالة فاسكو دا غاما افتتح الطريق البحري إلى الهند عام 1498م برحلته حول رأس الرجاء الصالح.
09

ما هي الإستراتيجية التي اتبعها البرتغاليون في المحيط الهندي والخليج العربي؟

اتبع البرتغاليون إستراتيجية احتكار التجارة في المحيط الهندي والخليج العربي، وتدمير الطور التجاري الإسلامي، والسيطرة على الطرق التجارية باحتلال الموانئ الإستراتيجية.
10

ما هي المراحل التي تميزت بها فترة دخول البرتغاليين إلى آسيا البحرية؟

المراحل هي: الوصول وتثبيت النفس بقوة السلاح، ثم الوصول إلى أوج القوة البحرية وفرض احتكار نصفي لتجارة التوابل، وأخيراً مواجهة مقاومة أهلية ومنافسة خارجية.
11

ما هي المدن التي سيطر عليها البرتغاليون في الخليج العربي؟

شملت المدن التي سيطر عليها البرتغاليون في الخليج العربي: جلفار (رأس الخيمة)، خصب، صور، قريات، مسقط، مطرح، سيب، صحار، خورفكان، دبا، وليما.
12

كيف كانت معاملة البرتغاليين لمدينة خورفكان؟

استولى البرتغاليون على مدينة خورفكان وأحرقوها، وأسروا النساء والأطفال، وقتلوا العديد من الرجال.
13

ما هو نظام "الكرتاز" الذي فرضه البرتغاليون؟

نظام "الكرتاز" هو نظام تصاريح مرور بحرية، فرضه البرتغاليون على السفن التجارية المسلمة غير المسلحة في المحيط الهندي.
14

ما هي الأسباب التي أدت إلى إضعاف السيطرة البرتغالية في الخليج العربي؟

من أهم الأسباب: استمرار مقاومة موانئ الخليج، وثورات رئيسية ضد السيطرة البرتغالية، وظهور قوى منافسة مثل بريطانيا وهولندا.
15

من هم اليعاربة وما دورهم في طرد البرتغاليين؟

اليعاربة هم سلالة عربية قوية، تمكنت قواتهم بقيادة ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف من طرد البرتغاليين من عدة مدن في عمان والخليج العربي، واستعادة مسقط عام 1650م.