الخدر العاطفي: آلية دفاع في عالم رقمي مشبع بالأزمات
في كل صباح، تبدأ رشا يومها بتصفح هاتفها، لتجد نفسها أمام سيل متدفق من التناقضات الصارخة. صورة لشخص يرقص على شاطئ بالي، خبر عاجل عن عائلات غزة النازحة، إعلان لساعات فاخرة، ثم انفجار مدوٍ، وصورة لطفل يبكي بحرقة. في هذا العالم الرقمي، حيث أصبحت الأخبار مجرد محتوى يتزاحم مع منشورات المؤثرين الترويجية، لاحظت رشا تغيراً في استجابتها العاطفية.
تقول رشا: “مع مرور الوقت، لاحظت أن ردة فعلي أصبحت مختلفة. لا شك أنني أهتم، والأمر يحطم قلبي، لكنه لم يعد يؤثر بي بنفس القدر. ببساطة، أستمر في التصفح.” مثل الكثيرين الذين يعيشون في عالم رقمي يعج بمحتوى الأزمات، حيث تتوفر صور الحروب والنزوح والكوارث على مدار الساعة، تجد رشا نفسها عالقة بين التعاطف والتبلد العاطفي.
آلية التأقلم: الخدر العاطفي
يؤكد خبراء الصحة النفسية أن هذا النوع من الانفصال ليس بالأمر المستغرب. إنه عرض جانبي صامت، غالباً ما يكون غير مرئي، للحياة في عالم تسوده المآسي، حيث يتم تمرير كل شيء عبر الشاشات.
تعريف الخدر العاطفي
تشرح دانييلا سيميدو، الأخصائية في علم النفس السريري في عيادة BPS: “الخدر العاطفي هو آلية دفاع وتأقلم. يحدث عندما يتعرض الأفراد بشكل متكرر لصور أو قصص مؤلمة، مما يدفع عقولهم إلى البدء في الانغلاق عاطفياً، ليس بسبب عدم الاهتمام، بل بسبب الإرهاق.”
كيف يعمل الخدر العاطفي؟
وفقًا لسيميدو، يقوم العقل بذلك لحماية نفسه. عندما تتحول المأساة إلى خلفية يومية، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو تنبيهات الأخبار العاجلة، أو مقاطع الفيديو المتداولة، يبدأ النظام العاطفي في تخفيف استجاباته كنوع من استراتيجية البقاء.
وتضيف: “لم يتم تصميمنا للتعامل مع هذا الكم الهائل من الصدمات في وقت واحد. التعرض المستمر لصور العنف يمكن أن يؤدي إلى تبلد الإحساس، حتى لدى أولئك الذين لم يعيشوا الحرب بأنفسهم.”
الخدر العاطفي وتجارب الحرب المباشرة
بالنسبة لأولئك الذين عاشوا الحرب بشكل مباشر، يمكن أن يكون فقدان الحساسية هذا أكثر تعقيدًا، وهو جزء من مجموعة أعراض أوسع تشمل التجنب، وفرط اليقظة، أو الانفصال عن الآخرين.
توضح رهف قبيسي، معالجة الصدمات ومؤسسة Rays Your Mental Health: “في الناجين من الحروب أو النزوح القسري، يمكن أن يظهر الخدر العاطفي على شكل جمود، صمت، أو حتى لامبالاة ظاهرة. لكن هذا ليس عدم اكتراث، بل هو استجابة وقائية عميقة لصدمة لم يتم التعامل معها بعد.”
المحفزات الرقمية وتأثيرها
تشير قبيسي إلى أن المحفزات الرقمية يمكن أن تعزز هذه الاستجابة. مقطع فيديو، عنوان رئيسي، وحتى رسالة صوتية على واتساب يمكن أن تعيد تنشيط ذكريات الماضي. وعندما يتكرر ذلك، يحاول الجهاز العصبي تخفيف رد الفعل، مما يؤدي بمرور الوقت إلى انغلاق عاطفي.
الإرهاق العاطفي وتأثيره
لا يقتصر تأثير هذا النمط من الإرهاق العاطفي أو التصفح الخدر على الناجين من الحروب فحسب. يؤكد الخبراء أن الأشخاص الذين ليس لديهم تجربة مباشرة مع النزاعات يمكن أن يشعروا بالعجز أو الإرهاق العاطفي نتيجة للاستهلاك المستمر للمحتوى العنيف.
تقول قبيسي: “هناك فرق بين أن تكون على اطلاع وأن تكون غارقًا. فالغرق في الأخبار يمكن أن يجعل الناس يشعرون بالجمود العاطفي، والقلق، أو الانفصال، خاصة عندما لا يمتلكون الأدوات اللازمة لمعالجة ما يرونه.”
علامات التحذير المبكر
في الحالات التي يستمر فيها الخدر العاطفي، قد يكون ذلك علامة تحذير مبكرة على وجود صدمة أعمق، خاصة لأولئك الذين عاشوا سابقًا في مناطق النزاع.
أعراض ما بعد الصدمة
تشرح سيميدو: “لا تظهر اضطرابات ما بعد الصدمة دائمًا على شكل ذكريات الماضي أو نوبات الهلع. أحيانًا تظهر كصمت، أو انسحاب، أو فقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت مهمة. غالبًا ما يعتقد الناس أنهم ‘يتعاملون مع الأمر بشكل جيد’ بينما يكونون قد انغلقوا عاطفياً بالفعل.”
استراتيجيات الشفاء
يتفق الخبراء على أن التعافي من هذا النوع من الحمل الزائد العاطفي يتطلب دعمًا مقصودًا، وجهدًا واعيًا للابتعاد عن الضجيج المستمر. يمكن أن يشمل ذلك الحد من استهلاك الأخبار، وبناء طقوس يومية لتهدئة الذات، وعند الحاجة، طلب المساعدة المتخصصة.
تختتم قبيسي: “لا يمكننا أن نشعر بكل شيء، طوال الوقت. لكن يمكننا أن نتعلم أن نشعر بالأمان مرة أخرى، ومن هنا يبدأ الشفاء.”
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يمثل الخدر العاطفي آلية دفاعية معقدة تتطور استجابةً للطوفان المستمر للمحتوى العنيف والمؤلم في عالمنا الرقمي. وبينما يسعى الأفراد لحماية أنفسهم من الإرهاق العاطفي، يصبح من الضروري إيجاد طرق صحية للتعامل مع هذه المشاعر، مثل تقليل التعرض للأخبار السلبية، وممارسة التأمل، وطلب الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة. يبقى السؤال: كيف يمكننا أن نحافظ على إنسانيتنا وتعاطفنا في عصر يهدد فيه سيل المعلومات بتقويض قدرتنا على الشعور؟










