عودة ملحمة الزير سالم: إحياء للتراث وقيم إنسانية خالدة
بعد غياب دام ربع قرن، تعود ملحمة الزير سالم لتمتّع عشاق المسرح، موقدةً جذوة التراث العربي العريق. هذا العمل الفني يعيد إلى الأذهان روعة الحكاية وأصالة البطولة في أبهى تجلياتها. وسط أجواء حافلة بالشغف، ينبض هذا العمل الجديد بروح الملحمة، مؤكدًا على إعادة تصوير ملامح الصراع والوفاء، الحكمة والحب، في خضم أحداث حرب البسوس الهائلة.
في كواليس البروفات المفعمة بالحيوية، تتناغم أصوات الممثلين مع إضاءة الإخراج والموسيقى، لتشكّل تحفة مسرحية تمزج بين الماضي والحاضر. هذه التحفة تمنح القصص التقليدية فرصة جديدة للحياة، وتطرح أسئلة عميقة حول دور الإنسان في كسر دوامة العنف وأهمية التسامح بعد صراعات دموية.
نجوم الدراما يضيئون خشبة المسرح
يعيد هذا العمل إحياء شخصية أبو ليلى المهلهل، الشاعر والفارس الأسطوري الذي أشعل ثورة للثأر لأخيه كليب. يجسّد الزير سالم النجم سلوم حداد، الذي يضيف رؤية إخراجية فنية معاصرة تحافظ على روح النص الأصلي مع تجديد جريء. هذه هي تجربته المسرحية الأولى بعد نجاح تلفزيوني راسخ في ذاكرة الأجيال. يشاركه الأداء عابد فهد، الذي يحتفي بمرور 25 عامًا على مسلسل الزير سالم، ويجسد مجددًا دور جساس في احتفال درامي يحمل يوبيلًا فضيًا للعمل وشحنة وفاء لأستاذه الراحل حاتم علي ونص الشاعر الكبير منذر عادون. ويكشف فهد أن المسرح يمنحه حرية التجربة والاحتفاء بروح الفن، بعيدًا عن رتابة التلفزيون، وفق نص محكم يقدم للجمهور احتفالًا دراميًا يليق بعظمة الذكرى وعمق الحدث.
أدوار نسائية مؤثرة ورسائل إنسانية عميقة
تشارك الممثلة مريم علي بدور جليلة، المرأة التي مزقتها العواطف بين حبها للزير وصراعها مع قبيلتها، وخياراتها المؤلمة بشأن مصير ابنها الذي نشأ يحمل عبء الدم والثأر. تسلط جليلة الضوء على الجوانب الإنسانية للملحمة، وتحمل صوت الأمهات في مواجهة دائرة العنف. رسالتها تؤكد أن الفن قادر على وقف شلال الدم وتحويل الحكاية إلى دعوة للحياة والكرامة. وفي المقابل، يقدّم إبراهيم سالم شخصية الراوي الذي يجمع بين الأزمنة ويحمل الذاكرة من شباب الزير حتى لحظة الفقد والاستعادة، مستعينًا بخبرات ممثلين كبار: سلوم حداد، عابد فهد، مريم علي، باسم ياخور، لخلق تجربة تعليمية ثرية ومنح العمل عمقًا إنسانيًا وبصمة فنية أصيلة.
مشاركة إماراتية فخر واعتزاز
تجسد الإماراتية أمل محمد دور الزهراء أخت الزير، مع تأكيدها على فخرها بالانطلاق من أبوظبي، معتبرة التجربة إضافة نوعية لمسيرة المسرح الخليجي وذاكرة الحكاية الشعبية. ويعلق خالد شباط: “تحويل النص من مسلسل إلى مسرحية مسؤولية ضخمة وثقيلة بالمشاعر والأحداث، فالمسرح يمنح للبطولة والمأساة حيزاً أكبر من الحياة ويطالب الممثل بإعادة خلق الشخصيات المتجذرة في وجدان الجمهور”.
تقنيات حديثة ورؤية معاصرة
يستعيد العرض تفاصيل ملحمة الزير سالم عبر طاقم فني متكامل جمع رموز الدراما وابتكر مشاهد معارك وعرضاً بصرياً وسمعياً مكثفاً يواكب روح المسرح الحديث. تستعمل المسرحية أحدث تقنيات الإضاءة والشاشات، وتستعين بالأصالة والأزياء التاريخية والموسيقى الموقعة، وتعرض مشاهد المعارك بأداء احترافي حي على المسرح الوطني في أبوظبي يومي ٣ و٤ أكتوبر المقبل.
وأخيرا وليس آخرا
إن ملحمة الزير سالم اليوم ليست مجرد عودة لنص كلاسيكي، بل هي دعوة لإحياء التراث وتجديد القيم الإنسانية في الزمن الحديث، وتجسيد حي لطاقات الوفاء والشجاعة والتسامح، مع مناشدة لا تتوقف لتجاوز دائرة الانتقام والصراع. في هذا العرض الضخم تلتقي الحكاية الشعبية بأحلام الحاضر، ويرتفع صوت المسرح ليبقى رابطاً أصيلاً بين الأجيال وحارساً لذواكر المجد العربي. هل يمكن لهذا العمل المسرحي أن يساهم حقًا في تغيير نظرتنا للصراعات التاريخية وإلهامنا نحو مستقبل أكثر تسامحًا وسلامًا؟










