الفن كهوية متجددة: رؤية آلاء يونس في جامعة نيويورك أبوظبي
في رحاب جامعة نيويورك أبوظبي، تحديدًا في رواق الثانيون، يتجلى فن آلاء يونس كاستكشاف دائم للمعرفة، وذاكرة نابضة بالحياة تسجل تفاصيل العصور على جدران الحاضر. اللوحة، في نظر هذه الفنانة والباحثة الأردنية، ليست مجرد مساحة بصرية، بل هي نص سردي يتأرجح بين العمارة والوثيقة والسينما، ويختبر علاقات المكان بالزمان، مستوحيًا من صميم الحياة العربية ملامح هوية جماعية.
استلهام من الذاكرة والمدينة
تتجاوز آلاء يونس الأساليب الفنية التقليدية، مستلهمةً من الهندسة المعمارية، الأرشيف، والسرديات الشخصية، لتعيد بناء تاريخ منسي أو متشتت في خرائط المدينة العربية، ملاعب الطفولة، وحدائق الدبلوماسية اليومية. كل عمل فني هو مشروع بحثي، وكل مشروع يفتح نافذة على طبقات الذاكرة.
- السد العالي ونفرتيتي من مصر يستحضران تجربة بلد يواجه التغيير.
- مخطط بغداد الكبرى ومعارك في عقار مستقبلي من العراق يرصدان تحولات الإنسان في فضاء المدينة العربية المبعثرة بين الحداثة والذاكرة والواقع المتغير.
نظرة في أعمالها الفنية
في مشروع “افتعال”، ترصد آلاء لحظات تشكل الوعي الجمعي أمام الأحداث السياسية، وتحول الفرد من مجرد مشاهد إلى جزء من المشهد نفسه. بينما تجد في “حديقة الصداقة” قدرة ساحات الأطفال على خلق أرضية للحوار غير المباشر بين الثقافات. أما “زهور قطف”، فيكثف فكرة الهشاشة والعبور، نافذة إلى تأملات فلسفية حول قيمة الحياة وإعادة صناعة اللحظة الجمالية بين الحدود والأزمنة.
الفن كتاريخ متجدد
آلاء يونس لا تنظر إلى التاريخ كزمن مغلق، بل تعتبر أن الماضي يتبدل باستمرار عبر قراءة الوثيقة، سواء كانت بناءً أو ورقة أو سيرة حياة فردية. لهذا جاء عنوان معرضها “ماضي زمن مؤقت” ليعكس فلسفة إعادة النظر في الأشياء كلما تغير المنظور وتبدلت الأزمنة. ومع كل عمل، تحاول دمج العمارة مع البيئة والمناخ والثقافة المحلية، مؤكدة أن المكان لديه القدرة على سرد الحكاية البحثية والفنية معًا.
لوحة جامعة نيويورك أبوظبي
لوحتها الأخيرة لجامعة نيويورك أبوظبي تعتبر خاتمة مؤقتة لمسار طويل من التجريب والبحث، تحتفي بجميع عناصر الخبرة والبيئة الجامعية، وقناة للتفاعل بين العمارة والمناخ والثقافة المحلية، وإعادة تصور للمكان كذاكرة متجددة. يرافق المعرض حوارات وفعاليات تثري التجربة، وتفسح المجال لجمهور الفن كي يغوص في عمق المنهج البحثي والفني الذي مارسته آلاء لسنوات.
تأثير الذاكرة والهوية
أعمالها تستدعي الشخصيات والظواهر التي أثرت في وعي الطفولة العربية، كمسلسلات الدراما ومجلة ماجد، لتظل قريبة من ذاكرة جيل كامل وتمنح المشاهد إحساسًا عميقًا بالانتماء. انتشرت أعمالها عربيًا وعالميًا، وحظيت بمشاركات مرموقة في المؤسسات الفنية الكبرى، ما عزز مكانتها كباحثة وفنانة تحترف إعادة اكتشاف الذاكرة وصياغة الهويات في عصر التحول. في أروقة الثانيون بجامعة نيويورك أبوظبي، يتجلى الفن لدى آلاء يونس كمحاولة دؤوبة لبعث الذاكرة وبناء جسور البحث بين العمارة والأرشيف، السينما والتاريخ، ما يجعل كل عمل فني يحمل بذرة حوار مع الهوية والمكان. هنا تتحول اللوحة إلى سردية عميقة، لا تكتفي بجمالياتها البصرية، بل تتداخل مع المعارف والمفاهيم عبر رحلة الفنانة الأردنية التي جمعت بين دراسة الهندسة المعمارية في الأردن، والثقافة البصرية بلندن، وخبرة مكثفة في الأرشفة عن تاريخ الفنانين العرب بالقرن العشرين.
رحلة فنية بين مصر وبغداد
تأخذ آلاء جمهورها من مصر، عبر السد العالي ونفرتيتي، إلى بغداد في مخطط بغداد الكبرى ومعارك في عقار مستقبلي، حيث تتوغل في تفاعل الإنسان مع المكان وسط تحولات الحداثة. وفي أعمال أخرى مثل “افتعال” و”حديقة الصداقة”، تستكشف جدليات تشكل الوعي الجمعي وتلقي الضوء على لحظات تلاقي السياسة والفرد، فيما يقدم “زهور قطف” تأملا فنيا زاهيا في دورة الحياة والحدود وهشاشة الزهور العابرة.
ماضي زمن مؤقت: رؤية فنية متجددة
تتبنى آلاء رؤية للفن كبحث متجدد، ترى الماضي ذاكرةً حية يعاد تشكيلها من خلال الوثيقة والسيرة والمبنى. لهذا اختارت لمعرضها عنوان “ماضي زمن مؤقت”، ليعكس فلسفة أن كل شيء يحمل دلالة جديدة إذا أعيدت قراءته في ضوء الزمن الراهن. يكتمل المسار الفني بعمل فني لجامعة نيويورك أبوظبي جمع فيه خلاصات التجربة، إذ حاولت فيه المزج بين العمارة والبيئة والثقافة، وجعلت من المكان قصة شعرية للبحث والتجريب، ولحظة احتفاء بهوية الجامع في فضاء الفن والدرس الجامعي.
فعاليات مصاحبة للمعرض
الحدث يرافقه برنامج فعاليات غني يفتح المجال للحوار والاستكشاف، ويمنح الجمهور فرصة تتبع خيوط البحث والتحول التي حفرت أثرها العميق في أعمال آلاء، التي تستلهم طفولتها وشخصيات الدراما ومجلة ماجد، وبذلك تظل أعمالها امتدادًا لذاكرة جيل كامل وتأكيدًا على مكانتها الدولية كفنانة وباحثة تجمع بين التأمل النقدي والاحتفاء بالبيئة المحلية.
و أخيرا وليس آخرا، تظل أعمال آلاء يونس دعوة مستمرة لإعادة النظر في مفاهيم الذاكرة والهوية، واستكشاف العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان في عالم دائم التغير. فهل يمكن للفن أن يكون مرآة تعكس تحولاتنا وتعيد تشكيل وعينا بالذات والعالم من حولنا؟










