إلهام التصميم المستدام : روح الابتكار الإماراتي في أسبوع دبي للتصميم
في قلب حي دبي للتصميم، حيث تتلاقى الأضواء الساحرة مع روعة الهندسة المعمارية، انطلقت فعاليات أسبوع دبي للتصميم في نسختها الحادية عشرة. هذا الحدث، الذي تجاوز عمره العقد، لا يعكس فقط تطور دبي كمركز عالمي للتصميم، بل يؤكد أيضاً على قدرة المدينة على التميز والابتكار بفضل المواهب المحلية وإحساسها المتزايد بالهوية الثقافية.
أقيم هذا الحدث برعاية كريمة من سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة دبي للثقافة والفنون، وشكل ملتقى للمصممين والمبدعين لتبادل الأفكار وتعزيز التعاون واستكشاف دور التصميم في بناء مستقبل مستدام ومشرق في عالم يولي الاستدامة أهمية قصوى.
برنامج أسبوع دبي للتصميم: رؤية متكاملة
يتميز برنامج أسبوع دبي للتصميم بتنوعه وشموليته، حيث يضم مجموعة واسعة من الفعاليات التي تشمل التركيبات الفنية والمعارض الملهمة والحوارات المثمرة وورش العمل التفاعلية، بالإضافة إلى سوق نابضة بالحياة ومعرض “داون تاون ديزاين” الذي يعرض أحدث التصاميم المعاصرة. كما يشتمل البرنامج على “إديشنز”، المعرض الأول من نوعه في المنطقة للفنون والتصميم ذي الإصدار المحدود، والذي سرعان ما أصبح علامة فارقة للطموح الإبداعي الإقليمي.
تشكيل: منصة للإبداع المستدام
من أبرز فعاليات هذا العام معرض “تشكيل”، الذي تأسس عام 2008 على يد الشيخة لطيفة بنت مكتوم بن راشد آل مكتوم كاستوديو ومعرض للفنانين والمصممين البصريين. يجمع برنامج “تنوين” التابع لتشكيل، والذي تأسس في عام 2013، تسعة مصممين مقيمين في الإمارات العربية المتحدة، حيث يقضون قرابة العام لتطوير ابتكارات وظيفية تهدف إلى معالجة تحديات الاستدامة من خلال التصميم.
مجموعة تنوين 2025 : ابتكارات مستدامة بروح إماراتية
سيطلق تشكيل مجموعة تنوين 2025 في داون تاون ديزاين 2025، والتي تضم منتجات تحتفي بتجريب المواد والوعي البيئي. تتضمن مجموعة هذا العام أسماء بارزة مثل حصة الغندي، استوديو سكتش آند سبيس (آمنة الشامسي وحنان رفيعي)، تسنيم النبهاني، جاسم النقبي وغيرهم. من وحي الأقمشة المتبقية إلى المعادن المهملة، تدمج المجموعات الاستدامة الحديثة مع التقاليد الإماراتية في سرد تصميمي مدروس.
الاستدامة: مسؤولية تتجاوز الجماليات
توضح سارة الدليمي، الفنانة والمصممة والمعمارية العراقية-البريطانية التي تحول ممارستها متعددة التخصصات التقنيات اليومية إلى إبداعات جديدة ومرحة، قائلة: “بالنسبة لي، الاستدامة ليست جمالية تصميمية، بل مسؤولية لمعالجة المشاكل الحقيقية في العالم. اخترت العمل مع الأقمشة لأن الموضة السريعة تظل واحدة من أكثر قضايا الاستدامة إلحاحًا، وأردت الرد عليها على نطاق محلي. تم صنع مجموعتي ‘أوكولوس’ باستخدام قطع شيفون مهملة من خياطي العبايات في مدينة زايد، أبوظبي”.
يعود الفضل في هذا التعاون إلى برنامج تنوين. “مشاركتي فتحت الأبواب للتعاون مع الجهات الحكومية والقادة في سوق الأقمشة المستدامة في الإمارات، الذين ساعدوني في توجيه بحثي. خلال هذا التحقيق، وجدت نفسي في محلات الخياطة في مدينة زايد خلال ذروة موسم العيد، حيث كنت أقضي الوقت مع الخياطين الذين يعملون هناك يوميًا. تعلمت الكثير من مهاراتهم ونصائحهم، وتعاوننا خلال معظم البرنامج لتطوير الفكرة.”
الجمال والرقي في إعادة تدوير الأقمشة
تؤمن الدليمي بشدة أن العمل مع نفايات الأقمشة لا يجب أن يبدو ريفيًا أو معاد تدويره؛ بل يمكن أن يحمل الجمال والرقي إذا تم العمل به بشكل صحيح، ويستحق مكانًا في سوق التصميم الفاخر.
“أوكولوس هو استعارة لتلك اللحظة من الكشف. عندما يكون مغلقًا، يكون دائرة سوداء غامضة، لا تكشف شيئًا. وعندما يتم تشغيل الضوء، يظهر طيف من الألوان التي لم تكن تتوقعها. إنها استعارة للهوية والخصوصية والحضور داخل الثقافة الإماراتية والعربية.”
جاسم النقبي: إحياء المعادن المهملة بروح إماراتية
مصمم آخر، جاسم النقبي، مؤسس استوديو تقسيم، يقول إنه يستلهم من ساحات الخردة في جميع أنحاء الإمارات. “رأيت جبالًا من المعادن المهملة، مواد كانت مليئة بالإمكانات ولكنها الآن منسية. على الرغم من أن البلاد تنتج أكثر من 5 ملايين طن من النفايات الصناعية سنويًا، إلا أن الكثير من هذه المعادن لا تزال غير مستغلة.” يضيف أنه أراد أن يمنح تلك المواد حياة ثانية. ما بدأ كملاحظة سرعان ما أصبح مهمة لرفع شيء غالبًا ما يتم تجاهله إلى شيء مميز. تمامًا كما تُعطى الموروثات معنى جديدًا عبر الأجيال، بدأ في إعادة استخدام الفولاذ المقاوم للصدأ وتغطيته بالكهرباء ليشبه النحاس.
هيلة: تجسيد التراث الإماراتي في تصميم معاصر
تعكس مجموعته هيلة التراث الإماراتي من خلال شكلها ولغتها وقصتها. “التصميم مستوحى من السوار على شكل الهيل المعروف باسم ‘حبة الهيل’، وهو قطعة أيقونية من المجوهرات الإماراتية مستوحاة من الطبيعة. حتى اسم هيلة يحمل طبقات من المعاني في اللغة العربية: الثروة، العطر، الوفرة، والأنوثة”، يضيف.
يؤكد النقبي أن الذهب هو أكثر من مجرد زينة؛ إنه شكل من أشكال الأمان، يتجسد في القول “الذهب زينه و خزينه” (الذهب هو زينة وكنز). هذه الثنائية تقع في قلب هيلة، التي تحول لغة المجوهرات إلى كائن وظيفي ونحتي يجسد الجمال والذاكرة والقيمة.
حصة الغندي: لمسة إماراتية في التصميم الداخلي
وبالمثل، تقول حصة الغندي، مصممة الديكور الداخلي الإماراتية ومؤسسة أرشيف حصة، إنها تركز على الإيقاع والحدس بدلاً من التقليد، مع الاستفادة من تراثها الإماراتي. “الأشكال تعكس حركة الضوء، وتدفق الرياح، والتوازن العضوي الموجود في المناظر الطبيعية الإماراتية. تخيلت ما كانت ستفعله عمتي الكبرى وجدتي، وسلكت نفس الطريق. كلمة لمّة نفسها تعني تجمع — لحظة تجمع الناس والقصص معًا — وتحمل القطعة نفس روح الاتصال والذاكرة والانتماء”، تشرح.
هوية التصميم الإماراتي : صوت يعكس الأصالة
نظراً للمستقبل، تهدف هذه المشاريع إلى المساهمة بشكل ملموس في الفضاء الإبداعي العالمي. تقول الغندي إنها تأمل أن يضيف عملها صوتًا يشعر بالانتماء إلى هوية التصميم في الإمارات — صوت يحتفل بصدق المواد والذاكرة. “هوية تصميمنا لا تزال تتشكل، وإذا كان بإمكان لمّة أن تذكر الآخرين بالنظر عن كثب إلى ما هو موجود بالفعل، فقد قامت بدورها.”
مرددًا مشاعرها، يقول النقبي إن مجموعاته تمثل صوتًا متزايدًا في التصميم الإماراتي — صوت يرى التراث ليس كشيء يجب الحفاظ عليه خلف الزجاج، بل كمصدر حي للابتكار. تذكير بأن التقليد يمكن أن يكون دليلاً، وليس قيدًا.
مستقبل التصميم: التعاطف والتعاون وإعادة التقييم
مع كون موضوع هذا العام هو ‘المجتمع’، فإن المجموعات في البرنامج تتناغم حقًا معه. كما يقول الدليمي بحق، “مستقبل التصميم يكمن في التعاطف والتعاون وإعادة التفكير في ما نختار أن نقدره.”
وأخيرا وليس آخرا
في ختام فعاليات أسبوع دبي للتصميم ، تتجلى الرؤية الإماراتية في تبني الاستدامة كمحرك للإبداع والابتكار. من خلال تحويل المواد المهملة إلى قطع فنية ووظيفية، يساهم المصممون الإماراتيون في رسم ملامح مستقبل مستدام ومزدهر، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والتراث الغني. هل يمكن لهذه المبادرات أن تلهم العالم لتبني نهج مماثل في التصميم والابتكار؟










