قضايا الأخطاء الطبية: حكم قضائي بتعويض مليون درهم في دبي
في سياق القضايا الطبية والقانونية، أصدرت محاكم دبي حكماً هاماً يؤكد على حقوق المرضى وضرورة محاسبة الأطباء عن الأخطاء الطبية. القضية تتعلق بمريض تعرض لإعاقة دائمة نتيجة خطأ طبي أثناء عملية جراحية، مما استدعى تدخل القضاء لإنصافه وتعويضه عن الأضرار التي لحقت به.
تفاصيل القضية: معاناة المريض والإجراءات القانونية
تعود تفاصيل القضية إلى عام 2021، عندما خضع مريض لعملية استبدال مفصل في أحد مستشفيات دبي. بعد العملية، بدأ المريض يعاني من آلام مبرحة وصعوبة بالغة في تحريك ساقه. سعياً للعلاج، سافر المريض إلى الخارج حيث أكد الأطباء حاجته إلى إجراءات تصحيحية لمعالجة المضاعفات التي نتجت عن الجراحة الأولى. تبين أن ساقه اليمنى فقدت حوالي 80% من وظيفتها الأصلية، ولا يزال يعاني من الألم ومحدودية الحركة حتى الآن.
تحقيق اللجنة العليا للمسؤولية الطبية
بعد تفاقم حالة المريض، تم تشكيل لجنة طبية للتحقيق في ملابسات القضية. في 26 ديسمبر 2023، أصدرت اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تقريرها الذي خلص إلى أن الطبيب المعالج قد ارتكب إهمالاً طبياً جسيماً، مما أدى إلى إعاقة دائمة في ساق المريض اليمنى. هذا التقرير كان نقطة تحول في مسار القضية، حيث أكد وجود خطأ طبي يستوجب المساءلة.
الدعوى المدنية وقرار المحكمة
على ضوء تقرير اللجنة الطبية، رفع المريض دعوى مدنية يطالب فيها بتعويض قدره 20 مليون درهم إماراتي. في المقابل، أنكر الطبيب مسؤوليته عن الخطأ، ودفعت المستشفى بأنها لا تتحمل أي مسؤولية قانونية، بحجة أن الطبيب يعمل بشكل مستقل. بل رفعت المستشفى دعوى مضادة تطالب فيها المريض بمبلغ 312 ألف درهم كرسوم علاج غير مدفوعة، إلا أن المحكمة رفضت هذه الدعوى.
مبدأ المسؤولية بالنيابة
أثناء نظر القضية، أكدت المحكمة أن المسؤولية القانونية قد تمتد إلى المنشأة الطبية وفقاً لمبدأ المسؤولية بالنيابة. وأوضحت المحكمة أن المستشفيات قد تُحاسب على نتائج العلاج عندما توفر المرافق والمعدات والطاقم الطبي، وتحيل المرضى إلى الأطباء العاملين في مقارها، حتى لو لم يكن الطبيب موظفاً مباشراً لديها. هذا المبدأ يعزز حماية حقوق المرضى ويضمن محاسبة المؤسسات الطبية عن الأخطاء التي تقع داخلها.
تأييد التعويض وإلزامه
في 17 مارس 2025، أصدرت المحكمة المدنية في دبي حكماً بإلزام الطبيب والمستشفى بدفع تعويض قدره مليون درهم للمريض. لم يرتضِ الطرفان بهذا الحكم، فطعنا عليه أمام محكمة التمييز في دبي، التي أيدت الحكم الأصلي. وشددت المحكمة على حجية تقرير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية فيما يتعلق بسلوك الطبيب، وأكدت سلطة المحكمة التقديرية في تحديد التعويض المناسب عن الأضرار الجسدية والمعاناة النفسية التي لحقت بالمريض.
المصاريف القانونية وأتعاب المحاماة
بالإضافة إلى ذلك، أمرت المحكمة الطرفين المستأنفين بتحمل المصاريف القانونية وأتعاب المحاماة، مما يزيد من الأعباء المالية عليهما ويعكس جدية المحكمة في تطبيق القانون وإنصاف المريض المتضرر.
وأخيرا وليس آخرا
تعتبر هذه القضية وحكمها الصادر فيها مثالاً واضحاً على التزام القضاء في دبي بحماية حقوق المرضى وضمان حصولهم على التعويض العادل في حالات الأخطاء الطبية. كما أنها تسلط الضوء على أهمية المساءلة الطبية وتطبيق معايير الرعاية الصحية لضمان سلامة المرضى. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الحكم سيكون له تأثير رادع على الأخطاء الطبية المستقبلية، وهل سيساهم في تعزيز ثقة الجمهور في النظام الصحي والقضائي في دولة الإمارات العربية المتحدة.








