بهارات: عندما تصبح الهوية رائحة!
أتشو! أتشو! أتشو! (أتشو بالإنجليزية، هاتشي بالألمانية، أ~جيو بالصينية، أك-تشي بالهندية، وأب-تشي بالروسية). هكذا يبدأ يومي كلما قررت إعداد وجبة، سواء كانت فطوراً أو غداءً أو عشاءً.
بداية العطاس
انطلقت أولى رشقات العطاس هذا الصباح، وتحديداً مني أنا، لأن مكتبي يقع بالقرب من المطبخ الهندي الكبير الذي تديره هيثا، أحدث المنضمين إلى فريقنا كمساعدة.
قرب المطبخ: معاناة يومية
مما زاد الأمر سوءاً، هو أنني أجلس على بعد خطوات قليلة من المطبخ. طلبتُ سابقاً من عمال النقل وضع مكتبي في غرفة المعيشة عند انتقالنا إلى شقتنا الجديدة في مدينة الإمارات، ظناً مني أن هذا سيبعدني عن ضوضاء المطبخ. ولكن، أثناء تواجدي في المكتب، تم تدبير مؤامرة لنقل مكتبي إلى ممر واسع بجوار المطبخ، ربما بحجة إطلاع صاحب المنزل على تفاصيل المطبخ.
تأثير الروائح على المحيطين
بينما كنت أحاول السيطرة على ما تبقى من عطساتي، سمعت عطسات خفيفة تتردد في أرجاء المنزل. وبينما كنت أبتلع غضبي وإحباطي، بدأت الروائح المزعجة تفوح من كل الزوايا. عبّرت زوجتي عن استيائها من غرفة النوم قائلة: “ماذا تطبخين يا هيثا؟ رقائق الفلفل؟ هذا لا يُطاق. هل هذا منزل أم مطحنة توابل؟” وعلى الرغم من أنها كانت تمزح، إلا أنها كانت محقة تماماً.
رد هيثا وتعليق الزوجة
أجابت هيثا بضحكة مرحة: “لا يمكنني تحضير فاصولياء الصويا الصينية المفضلة لديكِ بدون التوابل”.
الفاصولياء الصينية والتوابل الهندية: مزيج غير متجانس
فاصولياء الصويا الصينية مع التوابل الحامضة؟ هنا مكمن المشكلة. لماذا يتم قلي الفاصولياء الطويلة بكل هذه التوابل الهندية؟ هل يُقدّم السلمون في أوروبا مع الفاصولياء؟ لماذا تسبح في خليط دهني من الزيت والتوابل؟ يجب غليها في ماء مملح، ثم تقليبها في زيت الزيتون مع رشة من رقائق الفلفل الأحمر ومسحوق البابريكا والبصل والثوم. أليس هذا كافياً؟
التوابل الهندية: عابرة للحدود
هناك العديد من الأطباق التي يمكن إنقاذها من براثن التوابل الهندية، فالضرر الذي تُحدثه الأخيرة عابر للحدود.
تجارب سابقة في سنغافورة
كانت أول عقبة واجهتنا بعد وصولنا إلى سنغافورة عام 2000 كمقيمين جدد هي الحصول على شقة للإيجار من مالكين صينيين. والسبب: الطبخ الحار. واجهنا رفضاً في البداية لأن المستأجرين الهنود يميلون عادة إلى الطهي الثقيل الذي قد يفسد الممتلكات. الصينيون في الغالب يتناولون الطعام من الكوبيتيام أو أسواق الطعام المنتشرة في الجزيرة، مما يحافظ على مطابخهم كما كانت عند تسليمها. لذلك، إذا كنت تفكر في شراء عقار هناك، يفضل أن تختار عقاراً مملوكاً لصينيين.
الروائح كدليل على الهوية
في دبي وسنغافورة، يسهل التعرف على أصول سكان المبنى بمجرد شم رائحة الهواء في الممرات أو المنازل التي تمر بها. وكما لو كنتَ كلباً بوليسياً في تحقيق جريمة قتل، كانت زوجتي تقول: “يعيش هنا فلبينيون، وهنود، وماليزيون، وصينيون”، كلما بحثنا عن منزل في هاتين المدينتين العظيمتين. وكأن بهاراتك هي هويتك في الإمارات!
تجارب الجيران في الخليج
في الخليج، أدرك أهل المنطقة منذ زمن طويل أن جميع عطور الجزيرة العربية لا يمكنها أن تتخلص من رائحة هذه التوابل الهندية الصغيرة. في الماضي، كنت أسكن في حي الممشى بالشارقة حيث كان جاري هو شاب إماراتي، لا تفارقه الابتسامة في كندورته البيضاء. لم يكن ليكترث إطلاقاً عندما أطبخ وأستخدم البهارات طوال اليوم. ولكن إذا تجرأت على تجربة شيء جديد في المطبخ في فترة المساء، كان يأتي إلى منزلي كقسيس يُحرّك مبخرته، ويتنقل من غرفة إلى أخرى ليُطهّر روحي ويُطهّرني من خطايا التوابل.
أنو واريير: محب الطعام
لم أصادف قط شخصاً محباً للطعام مثل صديقي العزيز أنو واريير الذي توفي بعد صراع مع سرطان القولون. كان يطبخ كميات هائلة من الطعام الهندي ويجلبها للمكتب ليطعم أصدقائه، ويتحدث طويلاً عن أسلوب الطهي التقليدي والمكونات الغنية التي كان يستخدمها لعشاق التوابل.
الإفراط في الإضافات
دوسا الماسالا التي أطلبها في أحد مطاعمي المفضلة في دبي تأتي مع خمسة أنواع من الإضافات. هل هذا الطبق يحتاج كل تلك الإضافات حقاً؟ ثلاثة أرباعها، إن لم تكن كلها، تُهدر.
تجربة كالوسي: الطعام الهندي كتجربة كيميائية
أشعل مقطع فيديو شهير للملياردير الكيني كالوسي على تيك توك عن الطعام الهندي أجواءً من الفرحة لدى عشاق الطعام الهندي، بعد أن أحرق قلوب ومعدة الكثيرين. ويقول: “الطعام الهندي ليس مجرد طعام، بل تجربة كيميائية متكاملة. قضمة واحدة، لسانك في دبي، وحلقك في كينيا، ومعدتك في العناية المركزة… وبحلول وقت الانتهاء من الأكل، يصبح عرقك حاراً.” وهذا صحيح تماماً.
معاناة ليتشو مع الروائح
ليتشو، زوجة ابني المقيمة في ميونيخ، كانت تتجنب تحضير الأطباق الهندية الثقيلة لأن الناس في وسائل النقل العام وفي مكتبها كانوا يحدقون بها، حيث كانت تفوح من ملابسها رائحة التوابل بعد أن امتصت الرائحة التي انتشرت في منزلها. أليس الشخص هو الطعام الذي يرتديه؟ ولذلك، كانت ليتشو تخشى من أن تُحاصر بالصور النمطية، لذا كانت دائماً تفتح نوافذ منزلها للتهوية حتى في درجة حرارة -10°C للحفاظ على خزانة الملابس خالية من الروائح.
نكهة الكاري: سم في العقول
بعيداً عن المطبخ والطعام، “الكاري” هي كلمة باتت تطاردني في الآونة الأخيرة، خصوصاً عند استخدامها في تعبير “نكهة الكاري”. إنها تثير في نفسي الغثيان، فقد سممت العقول وأثرت في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، خاصة على منصات البحث عن الوظائف. الناس يتفاخرون بلا خجل بخلق لغات قد تكون بمثابة العملات المشفرة لاستثمارات المستقبل. أي شيء تقوله هناك يجب أن يحمل نكهة الكاري لفتح أبواب وظيفتك المقبلة، ثم الوظيفة التالية، ثم التي تليها. هل هذا هو النظام المؤسسي الجديد؟ إذا كان كذلك، فهو مُقرف كالكاري. ويا للهول!
و أخيرا وليس آخرا
في نهاية المطاف، تظل قضية تأثير التوابل على حياتنا اليومية وتفاعلاتنا الاجتماعية موضوعاً يستحق التأمل. فبينما تعتبر البهارات جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للكثيرين، فإن تأثيرها يتجاوز حدود المطبخ ليؤثر على تصورات الآخرين وردود أفعالهم. فهل يمكن اعتبار رائحة التوابل بمثابة بصمة شخصية، أم أنها مجرد عائق يجب التغلب عليه في عالم يتسم بالتنوع الثقافي؟










