استكشاف أعماق الذاكرة والحزن مع الكاتب البلغاري جورجي جوسبودينوف
في استعراض للأفكار التي قد تجعل بلغاريا تبدو كأكثر الأماكن حزناً في العالم، يظهر جورجي جوسبودينوف بوجه مشرق ومبهج. يتميز جوسبودينوف، كغيره من المفكرين والكتاب الواثقين بأنفسهم، بقدرته على السخرية من مفهوم “الحزن البلغاري” الذي يصفه، محللاً بعمق الأوضاع الاجتماعية والسياسية وتأثيرها على حياة الناس. تجسد روايته “فيزياء الحزن” الصادرة في العام 2011 فكرة استخدام الماضي كسلاح، حيث يصاب البطل بمرض نادر يجعله يعيش ذكريات الآخرين.
“مأوى الزمن”: استكشاف للذاكرة والماضي السياسي
روايته “مأوى الزمن”، الحائزة على جائزة البوكر الدولية، تتناول قصة طبيب نفسي يؤسس مصحة خاصة بالماضي لعلاج مرضى الخرف، حيث يخصص لكل عقد من الزمن طابقاً معيناً. تتطور الأحداث سريعاً لتقام استفتاءات في أنحاء أوروبا لتحديد العقد الزمني الذي يجب أن تعود إليه كل دولة. الرواية، التي كتبت في أعقاب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام 2016، تسلط الضوء على المخاطر الناجمة عن استحضار الماضي السياسي. الشاعر والكاتب البلغاري، الذي زار الشارقة مؤخراً لحضور معرض الشارقة الدولي للكتاب، تحدث بإسهاب عن تعقيدات المجتمعات الحديثة وأسباب تحول السياسة إلى شأن شخصي. وفيما يلي مقتطفات من المقابلة:
ذكريات الطفولة وتأثيرها على الكتابة
المجد الإماراتية: أخبرنا عن بداياتك. كيف كانت طفولتك في بلغاريا خلال سبعينيات القرن الماضي؟
جورجي جوسبودينوف: في الواقع، جميع كتبي مرتبطة بذكريات طفولتي. بدأت الكتابة بسبب الكوابيس التي كانت تراودني في الصغر. كنت أعيش مع أجدادي في ذلك الوقت، ورغبت في مشاركة هذه الكوابيس مع أحد، ولكن كان هناك اعتقاد سائد بأنه يجب تجنب الحديث عن الكوابيس حتى لا تتحقق. لذا، بدأت بتدوينها، وبعد كتابتها، اختفت الكوابيس. كانت هذه أول معجزة أشهدها للكتابة، حيث يمكن للمرء أن ينقذ نفسه من مخاوفه.
كنت أستمع إلى قصص أجدادي، وكانت تجربة مهمة جداً بالنسبة لي، حيث كان كبار السن في بلغاريا يروون القصص. كانت تلك أول دروسي في الكتابة. عشت في بلدة صغيرة، وكنا مثل الأطفال المهجورين، حيث كان والدينا يعملان بجد. كنا نقضي أوقاتنا بمفردنا في غرفنا بسبب عدم توفر أماكن كافية في رياض الأطفال. أتذكر الوحدة في طفولتي، وكانت فترة جيدة للتفكير والقراءة، حيث كانت الكتب بمثابة عزاء لي. كانت السبعينيات أيضاً فترة الاشتراكية في بلغاريا، ولكن الأزمة لم تكن حادة للغاية في ذلك الوقت.
التحول إلى الشعر وتأثيره على النثر
المجد الإماراتية: متى اتجهت إلى الشعر؟
جورجي جوسبودينوف: بدأت كتابة الشعر في السبعينيات، وذات مرة عثرت والدتي على قصائدي وعرضتها على الشاعر الوحيد في بلدتنا، فأعجب بها وشجعني على الكتابة. كتبت عن الشعور بالبرد والموت، وهي مواضيع غير مألوفة للأطفال، لكن الأطفال أيضاً يفكرون في الموت. لطالما اعتبرت نفسي شاعراً يكتب الروايات، وما زلت أكتب الشعر حتى الآن.
المجد الإماراتية: عندما يكون الشخص شاعراً ويكتب النثر، ما هي التأثيرات التي يحملها إلى النثر؟
جورجي جوسبودينوف: اللغة مهمة في كلا المجالين. الناس عادة ما يفكرون بالنثر، وتستخدم اللغة لسرد بعض الموضوعات. أكتب رواياتي كما أكتب الشعر، حيث كل جملة لها أهميتها. لذلك، ترجمة كتبي ليست بالأمر السهل. إيقاع نثري قريب جداً من الشعر الذي كتبته من قبل، ولا أعتقد أن هناك فرقاً كبيراً بين النوعين.
“فيزياء الحزن” وردود الفعل على الحزن البلغاري
المجد الإماراتية: في العام 2010، نشرت مجلة إيكونوميست مقالاً وصفت فيه بلغاريا بأنها المكان الأكثر حزناً على وجه الأرض. ورداً على ذلك، كتبت رواية بعنوان “فيزياء الحزن”، التي تدور أحداثها حول بطل يستطيع التسلل إلى ذكريات الآخرين ثم يصاب بمرض يسمى التعاطف المرضي. هل جاء هذا الكتاب نتيجة لشعور بالغضب؟
جورجي جوسبودينوف: لا، كتبتها منذ سنوات عديدة لشرح الحزن في بلغاريا. “فيزياء الحزن” هي رواية مستوحاة من الأساطير اليونانية وقصة مينوتور (نصف رجل ونصف ثور مسجون في متاهة). لدي قصتان متشابهتان: قصة مينوتور وتاريخ صبي يقضي سبعينيات القرن العشرين وحيداً في غرفة ينتظر والديه. هاتان قصتان متشابهتان عن أطفال مهجورين. لم أقرأ المقال في مجلة الإيكونوميست إلا بعد أن انتهيت من الرواية. كان المقال مضحكاً بعض الشيء، لأننا لم نكن أبطالاً لأي شيء، وها نحن الآن نلقب بأبطال العالم في الحزن. الكتاب هو إجابة طويلة على سؤال الحزن البلغاري.
المجد الإماراتية: هل يمكن وصف الحزن البلغاري؟
جورجي جوسبودينوف: الحزن البلغاري فريد من نوعه، فهو مرتبط بأشياء لم تحدث قط. لقد حلمنا بأشياء كثيرة لم تتحقق، وهو أيضاً حزن صامت. هناك ثقافة الصمت في المجتمع البلغاري، ولا نستطيع التعبير بسهولة عن مشاعرنا. ربما يكون لذلك علاقة بالنظام الأبوي أو ماضينا الاشتراكي. الحزن البلغاري قريب من الحنين إلى الأماكن التي لم تزرها من قبل، ولكنك تغذي الحنين إليها. الحزن أيضاً حالة إنسانية، ولن تجد ديكتاتوراً واحداً يعاني من الحزن. البشر العاديون فقط هم من يعانون من الحزن.
المجد الإماراتية: هل هناك مصطلح بلغاري لوصف الحزن؟
جورجي جوسبودينوف: “توجا” هي كلمة قصيرة وصعبة الترجمة للغاية، لأن كل لغة لها مفهومها الخاص للحزن. نحن لا نترجم الكلمة فقط، بل نفسر المفهوم. من المهم جداً العثور على مفاهيم مماثلة في لغات أخرى.
المجد الإماراتية: الشخصية لديها تعاطف مرضي في الرواية.
جورجي جوسبودينوف: لقد ابتكرت هذه الحالة، وذات مرة قابلت طبيباً لمعرفة ما إذا كان هناك مرجع طبي لها. أعتقد أنها موجودة. هذا شعور مهم للغاية. ما نراه في العالم اليوم هو نقص التعاطف. أعتقد أن الأدب ورواية القصص يمكن أن تنمي التعاطف. تعاني شخصيتي في “فيزياء الحزن” من مشاعر تعاطف إضافية، لأنه عندما تتعاطف بعمق، تكون قادراً على الشعور بحزن الآخرين، أنت تشارك حزنهم. لهذا السبب فإن التعاطف هو نوع من المعاناة.
“مأوى الزمن” وتحذيرات من تجميل الماضي
المجد الإماراتية: تدور أحداث روايتك “مأوى الزمن”، الفائزة بجائزة البوكر العالمية، حول طبيب نفسي ينشئ عيادة من الماضي لعلاج مرضى الخرف. كل طابق من هذه العيادة يسمح للشخص بالدخول إلى عقد من حياته كان فيه في قمة السعادة والرضا. كيف ترسخت هذه الفكرة؟
جورجي جوسبودينوف: كنت مهتماً دائماً بموضوع الذاكرة. ذات مرة، عثرت على مقال في إحدى الصحف قبل 15 عاماً ذكر أن أحد الأطباء اكتشف أنه إذا جعل مرضى الزهايمر يستمعون إلى الموسيقى التي يتذكرونها من الماضي، فإنهم يشعرون بتحسن. بدأت أتساءل ماذا لو بنينا عيادات من الماضي؟ في الجزء الأخير من الرواية، أصبحت الأمور كئيبة أكثر. استفتاء الاتحاد الأوروبي في العام 2016 جعلني أفكر ماذا لو كان هناك خلل في الوقت ويمكن للمرء السفر إلى الماضي. أصبحت النزعة الشعبية أيضاً أقوى في جميع أنحاء العالم خلال هذا الوقت. الكتاب ديستوبي (يجسد المدينة الفاسدة).
المجد الإماراتية: “مأوى الزمن” هي قصة تحذيرية تضفي طابعاً رومانسياً على الماضي. ما هي المخاطر المترتبة على القيام بذلك؟
جورجي جوسبودينوف: السبب وراء ذلك هو أن الماضي له جانب مظلم أيضاً. كما أننا نعيش في الحاضر، وأطفالنا يعيشون في الغد، وإذا كان علينا أن نلحق بالركب، فلن نستطيع أن نستمر في العيش في الماضي. لا يمكنك البقاء في الماضي لفترة طويلة، ولا يمكنك أن تكون عظيماً مرة أخرى. على المستوى الشخصي، لا يمكنك أن تعود شاباً مرة أخرى. لذا، عندما يقول القادة إنهم سيعيدونك إلى الماضي، فإنهم ينصبون لك فخاً. لا يمكن تغيير الماضي الشخصي، على عكس الماضي السياسي. لذلك، النظر إلى الماضي قد يكون صعباً من الناحية السياسية.
الصور النمطية وتأثيرها على الكتابة
المجد الإماراتية: عندما كنت تلقي محاضرة في برلين، أشار أحدهم إلى أن الأدب البلغاري أو البلقاني يجب أن يتعامل مع مواضيع محلية وليس قضايا النطاق أوسع. كيف يمكن لهذه الصور النمطية حول من يمكنه كتابة ماذا أن تضر بالمؤلف؟ ثانياً، هل ترى أن كتاباتك سياسية أكثر من كونها شخصية؟
جورجي جوسبودينوف: إنها صورة نمطية. عندما فزت بجائزة بوكر، قلت إنه من المهم بالنسبة لي أن أظهر أننا قادرون على سرد القصص الهامة بلغات بسيطة. لا تتوقعوا منا أن نصور بلداننا وأصولنا كأشياء غريبة. عندما قدمت قراءة لكتابي في برلين، أخبرتهم أنه حتى في بلغاريا يقع الناس في الحب، وينفصلون ويموتون موتاً طبيعياً بدلاً من أن يُطعنوا في صدورهم. لدينا الحق في سرد القصص عن أشياء على نطاق أوسع. أنا أكتب قصصاً شخصية تنطوي أحياناً على السياسة والأيديولوجيات المتضمنة في الحياة اليومية. أخبركم كيف يمكن أن تتحطم حياة الناس عندما يُقال لهم لا يمكنكم السفر إلى الخارج. إذا كنت تحاول سرد تاريخ العالم، فابدأ بسرد تاريخ الشخص الذي يعيش في هذا العالم.
هوس أوروبا بالماضي
المجد الإماراتية: باعتبارك مراقباً دقيقاً للحياة والسياسة، برأيك، ما الذي يفسر هوس أوروبا بماضيها؟
جورجي جوسبودينوف: لعل السبب في ذلك هو أن أوروبا تتمتع بماض قوي، ولكن المشكلة تكمن في استخدام الماضي لأغراض الدعاية. بصفتي كاتباً، فأنا أؤيد الماضي وأحب أن أروي قصصاً عنه، لكن الماضي الذي أهتم به هو الماضي الشخصي، وليس شيئاً حدث قبل خمسة قرون. عندما يحاول شخص ما استخدام الماضي كسلاح لمجرد إبهارك، فإن هذا يشكل خطراً كبيراً.
تأثير الفوز بجائزة البوكر
المجد الإماراتية: كيف يغير الفوز بجائزة البوكر من الكاتب؟
جورجي جوسبودينوف: (يضحك) أصعب شيء هو أن تجد مكاناً للاختباء لكتابة كتابك القادم. لقد تعلمت أن أرفض بعض الدعوات. الأمر الجيد هو أنك تستطيع الوصول إلى القراء الذين لم تستطع الوصول إليهم في وقت سابق. كتابي القادم شخصي للغاية وسيتضمن نوعاً مختلفاً تماماً من الكتابة.
وأخيراً وليس آخراً
تأملات جورجي جوسبودينوف تفتح آفاقاً واسعة حول الذاكرة، الحزن، وتأثير الماضي على الحاضر والمستقبل. هل يمكن للمجتمعات أن تتعلم من ماضيها دون الوقوع في فخ تجميله أو استخدامه كسلاح؟ يبقى هذا السؤال مفتوحاً للتفكير والتأمل.










