حاله  الطقس  اليةم 29.6
مرتفعات وودلاند,الولايات المتحدة الأمريكية

جورجي جوسبودينوف: كيف يرى أوروبا وهوسها بالماضي؟

admin
أعجبني
(0)
مشاهدة لاحقا
شارك
جورجي جوسبودينوف: كيف يرى أوروبا وهوسها بالماضي؟

استكشاف أعماق الذاكرة والحزن مع الكاتب البلغاري جورجي جوسبودينوف

في استعراض للأفكار التي قد تجعل بلغاريا تبدو كأكثر الأماكن حزناً في العالم، يظهر جورجي جوسبودينوف بوجه مشرق ومبهج. يتميز جوسبودينوف، كغيره من المفكرين والكتاب الواثقين بأنفسهم، بقدرته على السخرية من مفهوم “الحزن البلغاري” الذي يصفه، محللاً بعمق الأوضاع الاجتماعية والسياسية وتأثيرها على حياة الناس. تجسد روايته “فيزياء الحزن” الصادرة في العام 2011 فكرة استخدام الماضي كسلاح، حيث يصاب البطل بمرض نادر يجعله يعيش ذكريات الآخرين.

“مأوى الزمن”: استكشاف للذاكرة والماضي السياسي

روايته “مأوى الزمن”، الحائزة على جائزة البوكر الدولية، تتناول قصة طبيب نفسي يؤسس مصحة خاصة بالماضي لعلاج مرضى الخرف، حيث يخصص لكل عقد من الزمن طابقاً معيناً. تتطور الأحداث سريعاً لتقام استفتاءات في أنحاء أوروبا لتحديد العقد الزمني الذي يجب أن تعود إليه كل دولة. الرواية، التي كتبت في أعقاب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام 2016، تسلط الضوء على المخاطر الناجمة عن استحضار الماضي السياسي. الشاعر والكاتب البلغاري، الذي زار الشارقة مؤخراً لحضور معرض الشارقة الدولي للكتاب، تحدث بإسهاب عن تعقيدات المجتمعات الحديثة وأسباب تحول السياسة إلى شأن شخصي. وفيما يلي مقتطفات من المقابلة:

ذكريات الطفولة وتأثيرها على الكتابة

المجد الإماراتية: أخبرنا عن بداياتك. كيف كانت طفولتك في بلغاريا خلال سبعينيات القرن الماضي؟

جورجي جوسبودينوف: في الواقع، جميع كتبي مرتبطة بذكريات طفولتي. بدأت الكتابة بسبب الكوابيس التي كانت تراودني في الصغر. كنت أعيش مع أجدادي في ذلك الوقت، ورغبت في مشاركة هذه الكوابيس مع أحد، ولكن كان هناك اعتقاد سائد بأنه يجب تجنب الحديث عن الكوابيس حتى لا تتحقق. لذا، بدأت بتدوينها، وبعد كتابتها، اختفت الكوابيس. كانت هذه أول معجزة أشهدها للكتابة، حيث يمكن للمرء أن ينقذ نفسه من مخاوفه.

كنت أستمع إلى قصص أجدادي، وكانت تجربة مهمة جداً بالنسبة لي، حيث كان كبار السن في بلغاريا يروون القصص. كانت تلك أول دروسي في الكتابة. عشت في بلدة صغيرة، وكنا مثل الأطفال المهجورين، حيث كان والدينا يعملان بجد. كنا نقضي أوقاتنا بمفردنا في غرفنا بسبب عدم توفر أماكن كافية في رياض الأطفال. أتذكر الوحدة في طفولتي، وكانت فترة جيدة للتفكير والقراءة، حيث كانت الكتب بمثابة عزاء لي. كانت السبعينيات أيضاً فترة الاشتراكية في بلغاريا، ولكن الأزمة لم تكن حادة للغاية في ذلك الوقت.

التحول إلى الشعر وتأثيره على النثر

المجد الإماراتية: متى اتجهت إلى الشعر؟

جورجي جوسبودينوف: بدأت كتابة الشعر في السبعينيات، وذات مرة عثرت والدتي على قصائدي وعرضتها على الشاعر الوحيد في بلدتنا، فأعجب بها وشجعني على الكتابة. كتبت عن الشعور بالبرد والموت، وهي مواضيع غير مألوفة للأطفال، لكن الأطفال أيضاً يفكرون في الموت. لطالما اعتبرت نفسي شاعراً يكتب الروايات، وما زلت أكتب الشعر حتى الآن.

المجد الإماراتية: عندما يكون الشخص شاعراً ويكتب النثر، ما هي التأثيرات التي يحملها إلى النثر؟

جورجي جوسبودينوف: اللغة مهمة في كلا المجالين. الناس عادة ما يفكرون بالنثر، وتستخدم اللغة لسرد بعض الموضوعات. أكتب رواياتي كما أكتب الشعر، حيث كل جملة لها أهميتها. لذلك، ترجمة كتبي ليست بالأمر السهل. إيقاع نثري قريب جداً من الشعر الذي كتبته من قبل، ولا أعتقد أن هناك فرقاً كبيراً بين النوعين.

“فيزياء الحزن” وردود الفعل على الحزن البلغاري

المجد الإماراتية: في العام 2010، نشرت مجلة إيكونوميست مقالاً وصفت فيه بلغاريا بأنها المكان الأكثر حزناً على وجه الأرض. ورداً على ذلك، كتبت رواية بعنوان “فيزياء الحزن”، التي تدور أحداثها حول بطل يستطيع التسلل إلى ذكريات الآخرين ثم يصاب بمرض يسمى التعاطف المرضي. هل جاء هذا الكتاب نتيجة لشعور بالغضب؟

جورجي جوسبودينوف: لا، كتبتها منذ سنوات عديدة لشرح الحزن في بلغاريا. “فيزياء الحزن” هي رواية مستوحاة من الأساطير اليونانية وقصة مينوتور (نصف رجل ونصف ثور مسجون في متاهة). لدي قصتان متشابهتان: قصة مينوتور وتاريخ صبي يقضي سبعينيات القرن العشرين وحيداً في غرفة ينتظر والديه. هاتان قصتان متشابهتان عن أطفال مهجورين. لم أقرأ المقال في مجلة الإيكونوميست إلا بعد أن انتهيت من الرواية. كان المقال مضحكاً بعض الشيء، لأننا لم نكن أبطالاً لأي شيء، وها نحن الآن نلقب بأبطال العالم في الحزن. الكتاب هو إجابة طويلة على سؤال الحزن البلغاري.

المجد الإماراتية: هل يمكن وصف الحزن البلغاري؟

جورجي جوسبودينوف: الحزن البلغاري فريد من نوعه، فهو مرتبط بأشياء لم تحدث قط. لقد حلمنا بأشياء كثيرة لم تتحقق، وهو أيضاً حزن صامت. هناك ثقافة الصمت في المجتمع البلغاري، ولا نستطيع التعبير بسهولة عن مشاعرنا. ربما يكون لذلك علاقة بالنظام الأبوي أو ماضينا الاشتراكي. الحزن البلغاري قريب من الحنين إلى الأماكن التي لم تزرها من قبل، ولكنك تغذي الحنين إليها. الحزن أيضاً حالة إنسانية، ولن تجد ديكتاتوراً واحداً يعاني من الحزن. البشر العاديون فقط هم من يعانون من الحزن.

المجد الإماراتية: هل هناك مصطلح بلغاري لوصف الحزن؟

جورجي جوسبودينوف: “توجا” هي كلمة قصيرة وصعبة الترجمة للغاية، لأن كل لغة لها مفهومها الخاص للحزن. نحن لا نترجم الكلمة فقط، بل نفسر المفهوم. من المهم جداً العثور على مفاهيم مماثلة في لغات أخرى.

المجد الإماراتية: الشخصية لديها تعاطف مرضي في الرواية.

جورجي جوسبودينوف: لقد ابتكرت هذه الحالة، وذات مرة قابلت طبيباً لمعرفة ما إذا كان هناك مرجع طبي لها. أعتقد أنها موجودة. هذا شعور مهم للغاية. ما نراه في العالم اليوم هو نقص التعاطف. أعتقد أن الأدب ورواية القصص يمكن أن تنمي التعاطف. تعاني شخصيتي في “فيزياء الحزن” من مشاعر تعاطف إضافية، لأنه عندما تتعاطف بعمق، تكون قادراً على الشعور بحزن الآخرين، أنت تشارك حزنهم. لهذا السبب فإن التعاطف هو نوع من المعاناة.

“مأوى الزمن” وتحذيرات من تجميل الماضي

المجد الإماراتية: تدور أحداث روايتك “مأوى الزمن”، الفائزة بجائزة البوكر العالمية، حول طبيب نفسي ينشئ عيادة من الماضي لعلاج مرضى الخرف. كل طابق من هذه العيادة يسمح للشخص بالدخول إلى عقد من حياته كان فيه في قمة السعادة والرضا. كيف ترسخت هذه الفكرة؟

جورجي جوسبودينوف: كنت مهتماً دائماً بموضوع الذاكرة. ذات مرة، عثرت على مقال في إحدى الصحف قبل 15 عاماً ذكر أن أحد الأطباء اكتشف أنه إذا جعل مرضى الزهايمر يستمعون إلى الموسيقى التي يتذكرونها من الماضي، فإنهم يشعرون بتحسن. بدأت أتساءل ماذا لو بنينا عيادات من الماضي؟ في الجزء الأخير من الرواية، أصبحت الأمور كئيبة أكثر. استفتاء الاتحاد الأوروبي في العام 2016 جعلني أفكر ماذا لو كان هناك خلل في الوقت ويمكن للمرء السفر إلى الماضي. أصبحت النزعة الشعبية أيضاً أقوى في جميع أنحاء العالم خلال هذا الوقت. الكتاب ديستوبي (يجسد المدينة الفاسدة).

المجد الإماراتية: “مأوى الزمن” هي قصة تحذيرية تضفي طابعاً رومانسياً على الماضي. ما هي المخاطر المترتبة على القيام بذلك؟

جورجي جوسبودينوف: السبب وراء ذلك هو أن الماضي له جانب مظلم أيضاً. كما أننا نعيش في الحاضر، وأطفالنا يعيشون في الغد، وإذا كان علينا أن نلحق بالركب، فلن نستطيع أن نستمر في العيش في الماضي. لا يمكنك البقاء في الماضي لفترة طويلة، ولا يمكنك أن تكون عظيماً مرة أخرى. على المستوى الشخصي، لا يمكنك أن تعود شاباً مرة أخرى. لذا، عندما يقول القادة إنهم سيعيدونك إلى الماضي، فإنهم ينصبون لك فخاً. لا يمكن تغيير الماضي الشخصي، على عكس الماضي السياسي. لذلك، النظر إلى الماضي قد يكون صعباً من الناحية السياسية.

الصور النمطية وتأثيرها على الكتابة

المجد الإماراتية: عندما كنت تلقي محاضرة في برلين، أشار أحدهم إلى أن الأدب البلغاري أو البلقاني يجب أن يتعامل مع مواضيع محلية وليس قضايا النطاق أوسع. كيف يمكن لهذه الصور النمطية حول من يمكنه كتابة ماذا أن تضر بالمؤلف؟ ثانياً، هل ترى أن كتاباتك سياسية أكثر من كونها شخصية؟

جورجي جوسبودينوف: إنها صورة نمطية. عندما فزت بجائزة بوكر، قلت إنه من المهم بالنسبة لي أن أظهر أننا قادرون على سرد القصص الهامة بلغات بسيطة. لا تتوقعوا منا أن نصور بلداننا وأصولنا كأشياء غريبة. عندما قدمت قراءة لكتابي في برلين، أخبرتهم أنه حتى في بلغاريا يقع الناس في الحب، وينفصلون ويموتون موتاً طبيعياً بدلاً من أن يُطعنوا في صدورهم. لدينا الحق في سرد القصص عن أشياء على نطاق أوسع. أنا أكتب قصصاً شخصية تنطوي أحياناً على السياسة والأيديولوجيات المتضمنة في الحياة اليومية. أخبركم كيف يمكن أن تتحطم حياة الناس عندما يُقال لهم لا يمكنكم السفر إلى الخارج. إذا كنت تحاول سرد تاريخ العالم، فابدأ بسرد تاريخ الشخص الذي يعيش في هذا العالم.

هوس أوروبا بالماضي

المجد الإماراتية: باعتبارك مراقباً دقيقاً للحياة والسياسة، برأيك، ما الذي يفسر هوس أوروبا بماضيها؟

جورجي جوسبودينوف: لعل السبب في ذلك هو أن أوروبا تتمتع بماض قوي، ولكن المشكلة تكمن في استخدام الماضي لأغراض الدعاية. بصفتي كاتباً، فأنا أؤيد الماضي وأحب أن أروي قصصاً عنه، لكن الماضي الذي أهتم به هو الماضي الشخصي، وليس شيئاً حدث قبل خمسة قرون. عندما يحاول شخص ما استخدام الماضي كسلاح لمجرد إبهارك، فإن هذا يشكل خطراً كبيراً.

تأثير الفوز بجائزة البوكر

المجد الإماراتية: كيف يغير الفوز بجائزة البوكر من الكاتب؟

جورجي جوسبودينوف: (يضحك) أصعب شيء هو أن تجد مكاناً للاختباء لكتابة كتابك القادم. لقد تعلمت أن أرفض بعض الدعوات. الأمر الجيد هو أنك تستطيع الوصول إلى القراء الذين لم تستطع الوصول إليهم في وقت سابق. كتابي القادم شخصي للغاية وسيتضمن نوعاً مختلفاً تماماً من الكتابة.

وأخيراً وليس آخراً

تأملات جورجي جوسبودينوف تفتح آفاقاً واسعة حول الذاكرة، الحزن، وتأثير الماضي على الحاضر والمستقبل. هل يمكن للمجتمعات أن تتعلم من ماضيها دون الوقوع في فخ تجميله أو استخدامه كسلاح؟ يبقى هذا السؤال مفتوحاً للتفكير والتأمل.

الاسئلة الشائعة

01

مقابلة مع جورجي جوسبودينوف: الحزن البلغاري والذاكرة والسياسة

بالنسبة لشخص يرد على الرأي القائل بأن بلغاريا قد تكون أكثر الأماكن حزناً في العالم، فإن جورجي جوسبودينوف مبتهج بشكل مدهش. كمعظم المفكرين والكتاب الواثقين من أنفسهم، يسعد جوسبودينوف بالسخرية مما يسميه الحزن البلغاري (نحن أبطال الحزن، كما يقول) ويمتلك القدرة على تحليل البيئات الاجتماعية والسياسية لإظهار كيفية تأثيرها على حياة الناس. مثال على ذلك: تدور روايته فيزياء الحزن لعام 2011 حول فكرة استخدام الماضي كسلاح حيث يصاب أحد الأبطال بمرض يسمى التعاطف المرضي عندما يدخل ذكريات الآخرين. وتدور أحداث روايته مأوى الزمن الفائزة بجائزة البوكر الدولية حول طبيب نفسي ينشئ عيادة للماضي لعلاج المرضى المصابين بالخرف، حيث يخصص كل طابق لعقد من الزمان. وسرعان ما تعقد استفتاءات في مختلف أنحاء أوروبا لتحديد العقد الذي ينبغي نقل كل دولة إليه. والرواية، التي كتبت في أعقاب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، تتناول مخاطر معاودة البحث في الماضي السياسي. الشاعر والكاتب البلغاري، الذي حضر إلى الشارقة مؤخراً لحضور معرض الشارقة الدولي للكتاب، تحدث مطولاً عن تعقيدات المجتمعات الحديثة ولماذا تتحول السياسة إلى أمر شخصي. وفيما يلي مقتطفات محررة من المقابلة:
02

أخبرنا عن مراحل حياتك المبكرة. كيف كانت طفولتك في بلغاريا في سبعينيات القرن العشرين؟

في الواقع، ترتبط كل كتبي بسنوات طفولتي. بدأت الكتابة بسبب الكوابيس التي راودتني عندما كنت طفلاً. كنت أعيش مع أجدادي في ذلك الوقت. أردت أن أخبر شخصاً ما عن هذه الكوابيس، ولكن كان هناك اعتقاد سائد بأن عليك تجنب الحديث عن كوابيسك بحيث يمكنها أن تتحقق إذا فعلت ذلك. بدأت في تدوين كوابيسي. وبعد أن كتبتها على قطعة من الورق، لم أعد أعاني من هذه الكوابيس مرة أخرى. كانت هذه أول معجزة أشهدها فيما يتعلق بالكتابة. يمكنك أن تنقذ نفسك من مخاوفك. كنت أستمع إلى قصص أجدادي. كانت تجربة مهمة بالنسبة لي ـ سرد قصص كبار السن في بلغاريا. كانت تلك أول دروسي في الكتابة. كنت أعيش في بلدة صغيرة. كنا أشبه بالأطفال المهجورين. كان والدانا صغار في السن، وكانا يعملان بجد. كنا نقضي الوقت بمفردنا في غرفنا بسبب عدم توفر خانات كافية في روضة الأطفال. أتذكر ذلك باعتباره الوحدة في طفولتي، وكانت تلك فترة جيدة للتفكير. كنت أقرأ دائماً. كانت الكتب بمثابة عزاء لي. كانت السبعينيات أيضاً فترة الاشتراكية في بلغاريا. لكن الأزمة لم تكن حادة للغاية في ذلك الوقت.
03

متى اتجهت إلى الشعر؟

في السبعينيات بدأت بكتابة الشعر، وجدت والدتي قصائدي وعرضتها على الشاعر الوحيد في بلدتنا، فأعجب بها وشجعني على الكتابة. كتبت عن كيف نشعر بالبرد، وكيف نموت، وهي مواضيع ليس من المعتاد أن يكتب الأطفال عنها. لكن الأطفال أيضاً يفكرون في الموت. لطالما اعتبرت شاعراً يكتب الروايات. وما زلت أكتب الشعر حتى الآن.
04

عندما تكون شاعراً تكتب النثر، ما هي التأثيرات التي تحملها إلى النثر؟

اللغة مهمة في كلا المجالين. فالناس عادة ما يفكرون بالنثر، وتستخدم اللغة لسرد بعض الموضوعات. وأنا أكتب رواياتي كما أكتب الشعر. فكل جملة مهمة بالنسبة لي. ولذلك فإن ترجمة كتبي ليست بالأمر السهل. وإيقاع نثري قريب جداً من الشعر الذي كتبته من قبل. ولا أعتقد أن هناك فرقاً كبيراً بين النوعين.
05

في عام 2010، كتبت مجلة إيكونوميست مقالاً وصفت فيه بلغاريا بأنها المكان الأكثر حزناً على وجه الأرض. ورداً على ذلك، كتبت رواية بعنوان فيزياء الحزن، والتي تدور أحداثها حول بطل يستطيع أن يتسلل إلى ذكريات الآخرين، ثم يصاب في نهاية المطاف بمرض يسمى التعاطف المرضي. هل جاء هذا الكتاب نتيجة لشعور بالغضب؟

لا. لقد كتبتها منذ سنوات عديدة لشرح الحزن في بلغاريا. إن كتاب فيزياء الحزن هو رواية تعليمية استقيتها من الأساطير اليونانية وقصة مينوتور (في الأساطير اليونانية، مينوتور هو نصف رجل ونصف ثور مسجون في متاهة يلتهم فيها التضحيات الأثينية). لدي قصتان متشابهتان ــ قصة مينوتور، وتاريخ صبي يقضي سبعينيات القرن العشرين وحيداً في غرفة ينتظر والديه. هاتان قصتان متشابهتان عن أطفال مهجورين، قصص متشابهة عن أطفال. ولم أقرأ المقال في مجلة الإيكونوميست إلا بعد أن انتهيت من الرواية. وكان المقال مضحكاً بعض الشيء، لأننا لم نكن أبداً أبطالاً لأي شيء، وها نحن الآن نلقب بأبطال العالم في الحزن.
06

الكتاب عبارة عن إجابة طويلة على سؤال الحزن البلغاري.

إن الحزن البلغاري فريد من نوعه؛ فهو مرتبط بأشياء لم تحدث قط. لقد حلمنا بأشياء كثيرة لم تحدث. وهو أيضاً حزن صامت. فهناك ثقافة الصمت في المجتمع البلغاري. ولا نستطيع أن نتحدث بسهولة عن مشاعرنا. ربما يكون لذلك علاقة بالنظام الأبوي أو ماضينا الاشتراكي. والحزن البلغاري قريب من الحنين إلى الأماكن التي لم تزرها من قبل، ولكنك تغذي الحنين إليها. والحزن أيضاً حالة إنسانية، ولن تجد ديكتاتوراً واحداً يعاني من الحزن. فالبشر العاديون فقط هم من يعانون من الحزن.
07

هناك أيضاً مصطلح بلغاري لوصف الحزن.

توجا هي كلمة قصيرة. وهي كلمة صعبة الترجمة للغاية لأن كل لغة لها مفهومها الخاص للحزن. نحن لا نترجم الكلمة فقط، بل نفسر المفهوم. من المهم جداً العثور على مفاهيم مماثلة في لغات أخرى.
08

والشخصية لديها تعاطف مرضي في الرواية.

لقد ابتدعت هذه الحالة، وذات مرة قابلت طبيباً لمعرفة ما إذا كان هناك مرجع طبي لهذه الحالة. أعتقد أنها موجودة. هذا شعور مهم للغاية. ما نراه في العالم اليوم هو نقص التعاطف. أعتقد أن الأدب ورواية القصص يمكن أن تنمي التعاطف. تعاني شخصيتي في فيلم The Physics of Sorry من مشاعر تعاطف إضافية لأنه عندما تتعاطف بعمق، تكون قادراً على الشعور بحزن الآخرين. أنت تشارك حزنهم. لهذا السبب فإن التعاطف هو نوع من المعاناة.
09

تدور أحداث روايتك مأوى الزمن الفائزة بجائزة البوكر العالمية حول طبيب نفسي ينشئ عيادة من الماضي لعلاج مرضى الخرف. كل طابق من هذه العيادة يسمح للشخص بالدخول إلى عقد من حياته كان فيه في قمة السعادة والرضا. كيف ترسخت هذه الفكرة؟

كنت مهتماً دائماً بموضوع الذاكرة. ذات مرة، عثرت على مقال في إحدى الصحف قبل 15 عاماً قيل فيه إن أحد الأطباء [وجد] أنه إذا جعلت مرضى الزهايمر يستمعون إلى الموسيقى التي يتذكرونها من الماضي، فإنهم يشعرون بتحسن. بدأت أتساءل ماذا لو بنينا عيادات من الماضي؟ في الجزء الأخير من الرواية، أصبحت الأمور كئيبة أكثر. جعلني استفتاء الاتحاد الأوروبي في عام 2016 أفكر ماذا لو كان هناك خلل في الوقت ويمكن للمرء السفر إلى الماضي. أصبحت النزعة الشعبية أيضاً أقوى في جميع أنحاء العالم خلال هذا الوقت. إن الكتاب ديستوبي (يجسد المدينة الفاسدة).
10

مأوى الزمن هي قصة تحذيرية تضفي طابعاً رومانسياً على الماضي. ما هي المخاطر المترتبة على القيام بذلك؟

إن السبب وراء ذلك هو أن الماضي له جانب مظلم أيضاً. كما أننا نعيش في الحاضر، وأطفالنا يعيشون في الغد، وإذا كان علينا أن نلحق بالركب، فلن نستطيع أن نستمر في العيش في الماضي. فلا يمكنك أن تبقى في الماضي لفترة طويلة. ولا يمكنك أن تكون عظيماً مرة أخرى. وعلى المستوى الشخصي، لا يمكنك أن تعود شاباً مرة أخرى. لذا عندما يقول القادة إنهم سيعيدونك إلى الماضي، فإنهم ينصبون لك فخاً. لا يمكن تغيير الماضي الشخصي، على عكس الماضي السياسي. ولذلك فإن النظر إلى الماضي قد يكون صعباً من الناحية السياسية.
11

عندما كنت تلقي محاضرة في برلين، أشار أحدهم إلى أن الأدب البلغاري أو البلقاني يجب أن يتعامل مع مواضيع محلية وليس قضايا النطاق أوسع. كيف يمكن لهذه الصور النمطية حول من يمكنه كتابة ماذا أن تضر بالمؤلف؟ ثانياً، هل ترى أن كتاباتك سياسية أكثر من كونها شخصية؟

إنها صورة نمطية. عندما فزت بجائزة بوكر، قلت إنه من المهم بالنسبة لي أن أظهر أننا قادرون على سرد القصص الهامة بلغات بسيطة. لا تتوقعوا منا أن نصور بلداننا وأصولنا كأشياء غريبة. عندما قدمت قراءة لكتابي في برلين، أخبرتهم أنه حتى في بلغاريا يقع الناس في الحب، وينفصلون ويموتون موتاً طبيعياً بدلاً من أن يطعنوا في صدورهم. لدينا الحق في سرد القصص عن أشياء على نطاق أوسع. أنا أكتب قصصاً شخصية تنطوي أحياناً على السياسة والأيديولوجيات المتضمنة في الحياة اليومية. أخبركم كيف يمكن أن تتحطم حياة الناس عندما يقال لهم لا يمكنكم السفر إلى الخارج. إذا كنت تحاول سرد تاريخ العالم، فابدأ بسرد تاريخ الشخص الذي يعيش في هذا العالم.
12

باعتبارك مراقباً دقيقاً للحياة والسياسة، برأيك، ما الذي يفسر هوس أوروبا بماضيها؟

لعل السبب في ذلك هو أن أوروبا تتمتع بماض قوي. ولكن المشكلة تكمن في استخدام الماضي لأغراض الدعاية. وبصفتي كاتباً، فأنا أؤيد الماضي؛ فأنا أحب أن أروي قصصاً عن الماضي. ولكن الماضي الذي أهتم به هو الماضي الشخصي، وليس شيئاً حدث قبل خمسة قرون. وعندما يحاول شخص ما استخدام الماضي كسلاح لمجرد إبهارك، فإن هذا يشكل خطراً كبيراً.
13

كيف يغير الفوز بجائزة البوكر من الكاتب؟

يضحك قائلاً: أصعب شيء هو أن تجد مكاناً للاختباء لكتابة كتابك القادم . لقد تعلمت أن أرفض بعض الدعوات. والأمر الجيد هو أنك تستطيع الوصول إلى القراء الذين لم تستطع الوصول إليهم في وقت سابق. كتابي القادم شخصي للغاية وسيتضمن نوعاً مختلفاً تماماً من الكتابة.
14

ما هي "فيزياء الحزن" وكيف تعالج موضوع الحزن البلغاري؟

"فيزياء الحزن" هي رواية لجورجي جوسبودينوف تستكشف مفهوم الحزن البلغاري من خلال قصة بطل الرواية الذي يمكنه استيعاب ذكريات الآخرين ويصاب بمرض التعاطف المرضي. تسعى الرواية إلى شرح الحزن في بلغاريا من خلال دمج الأساطير اليونانية وقصص الطفولة المهجورة، وتصوير الحزن على أنه حالة إنسانية عميقة الجذور.
15

ما هو مفهوم "مأوى الزمن" وكيف يعكس مخاوف الكاتب بشأن تسييس الذاكرة؟

"مأوى الزمن" هي رواية تدور أحداثها حول عيادة متخصصة في علاج مرضى الخرف من خلال إعادة خلق عقود الماضي. تستكشف الرواية مخاطر التلاعب بالذاكرة واستخدام الماضي لأغراض سياسية، وتعكس مخاوف الكاتب بشأن النزعة الشعبوية وهوس أوروبا بماضيها.
16

كيف أثرت طفولة جورجي جوسبودينوف في كتاباته؟

تأثرت كتابات جورجي جوسبودينوف بشدة بطفولته في بلغاريا في السبعينيات. كانت الكوابيس التي عانى منها، وقصص أجداده، والشعور بالوحدة أثناء قضاء الوقت بمفرده في طفولته، كلها مصادر إلهام لكتبه.
17

ما هي السمات المميزة "للحزن البلغاري"؟

"الحزن البلغاري" فريد من نوعه لأنه مرتبط بأشياء لم تحدث قط، وهو حزن صامت ناتج عن ثقافة الصمت في المجتمع البلغاري. كما أنه حنين إلى الأماكن التي لم تتم زيارتها من قبل.
18

ما هي أهمية جائزة البوكر لجورجي جوسبودينوف؟

الفوز بجائزة البوكر سمح لجورجي جوسبودينوف بالوصول إلى جمهور أوسع وأكد قدرة الأدب البلغاري على معالجة قضايا عالمية بلغة بسيطة.
19

كيف يرى جورجي جوسبودينوف العلاقة بين الشعر والنثر في أعماله؟

يرى جورجي جوسبودينوف أن اللغة ذات أهمية قصوى في كل من الشعر والنثر. فهو يكتب رواياته بنفس الطريقة التي يكتب بها الشعر، مع إيلاء اهتمام دقيق لكل جملة وإيقاع.
20

ما هي المخاطر التي يراها جورجي جوسبودينوف في هوس أوروبا بماضيها؟

يرى جورجي جوسبودينوف أن الخطر يكمن في استخدام الماضي لأغراض دعائية وتسييس الذاكرة، بدلاً من التركيز على الماضي الشخصي وتجارب الأفراد.
21

ما هي الصورة النمطية التي يسعى جورجي جوسبودينوف إلى كسرها حول الأدب البلغاري؟

يسعى جورجي جوسبودينوف إلى كسر الصورة النمطية القائلة بأن الأدب البلغاري يجب أن يقتصر على معالجة قضايا محلية أو تصوير البلاد كشيء غريب.
22

كيف يربط جورجي جوسبودينوف بين الأدب والتعاطف؟

يعتقد جورجي جوسبودينوف أن الأدب ورواية القصص يمكن أن يعززا التعاطف من خلال السماح للقراء بالشعور بحزن الآخرين ومشاركة تجاربهم.
23

ما هي النصيحة التي يقدمها جورجي جوسبودينوف للقادة الذين يعدون بإعادة الناس إلى الماضي؟

يحذر جورجي جوسبودينوف من أن القادة الذين يعدون بإعادة الناس إلى الماضي ينصبون فخاً، لأنه لا يمكن العيش في الماضي إلى الأبد ولا يمكن استعادة العظمة الماضية.