مؤتمر آيكوم دبي 2025: رؤية استشرافية لمستقبل المتاحف في عالم متغيّر
تتجه الأنظار العالمية نحو دبي، التي تستعد لاستضافة مؤتمر آيكوم دبي 2025، وهو الحدث الأبرز والأكثر شمولية لخبراء المتاحف والمتخصصين في القطاع على مستوى العالم. هذا التجمع الدولي الكبير، الذي يُعقد تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يمثل نقطة تحول مفصلية، ليس فقط لدولة الإمارات، بل للمنطقة بأسرها، كونه ينظم للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا. يأتي المؤتمر ليطرح تساؤلات جوهرية حول “مستقبل المتاحف في مجتمعات سريعة التغيير”، مؤكداً على ضرورة التكيّف والابتكار في هذا المجال الحيوي.
دبي: مركز عالمي للثقافة والابتكار المتحفي
في الفترة ما بين 11 و17 نوفمبر الجاري، ستكون دبي محوراً لحوار ثقافي عالمي، حيث يتوافد أكثر من 4500 مشارك من قادة الفكر، وخبراء المتاحف، والشخصيات الثقافية المرموقة من مختلف القارات. تعكس هذه الاستضافة مكانة دبي المتنامية كمركز إقليمي وعالمي للثقافة والفنون، وتؤكد رؤيتها الطموحة في بناء مجتمعات معرفية تعتمد على الإبداع وصون التراث الإنساني. إن اختيار دبي لاحتضان هذا المحفل، الذي يجمع تحت مظلته المجلس الدولي للمتاحف آيكوم، يبرز قدرتها على تقديم منصة مثالية للحوار وتبادل الخبرات حول التحديات والفرص المستقبلية للمتاحف.
افتتاحية المؤتمر: دعوة للحوار البناء
تستهل سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، أعمال المؤتمر بكلمة رئيسية تُمهد الطريق لأسبوع حافل بالنقاشات المعمقة والحوارات البناءة. هذه الكلمة تضع إطاراً استراتيجياً للمؤتمر، الذي يهدف إلى استكشاف السبل الكفيلة بتمكين المتاحف من مجاراة التحولات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة. كما ستتناول كيفية تصدي هذه المؤسسات الثقافية للتحديات الناجمة عن هذه التغيرات، مع التأكيد على الدور المحوري للمتاحف في الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتعزيز أثرها الثقافي والتنموي في بناء أجيال واعية ومستنيرة.
شخصيات بارزة تضيء سماء المؤتمر
يشهد هذا الحدث العالمي مشاركة نخبة من كبار المسؤولين والشخصيات الثقافية وخبراء القطاع، مما يضفي عليه ثقلاً فكرياً ومعرفياً. من بين المتحدثين البارزين، معالي ريم الهاشمي، وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي والرئيس التنفيذي لسلطة مدينة إكسبو دبي، ومعالي الشيخ سالم بن خالد القاسمي، وزير الثقافة. كما يشارك معالي نورة الكعبي، وزيرة دولة، ومعالي راكان الطوق، مساعد وزير الثقافة في المملكة العربية السعودية، مما يؤكد على الأهمية الإقليمية للمؤتمر.
وتتسع قائمة المتحدثين لتشمل شخصيات عالمية مثل كريستا بيكات، مديرة قسم الثقافة وحالات الطوارئ في اليونسكو، والنحات والفنان الغاني العالمي إل أناتسوي، والمهندسة المعمارية سمية فالي، رئيسة استوديو كاونترسبيس للأبحاث في جنوب أفريقيا، إلى جانب كاميني ساوني، المدير المؤسس لمتحف التصوير الفوتوغرافي في بنغالورو. هذه الكوكبة من الخبرات المتنوعة تعد بتقديم رؤى متعددة الأبعاد حول مستقبل المتاحف.
محاور نقاشية وورش عمل تفاعلية
لا يقتصر المؤتمر على الكلمات الرئيسية، بل يتضمن برنامجاً غنياً بسلسلة من الجلسات النقاشية والحوارية وورش العمل التفاعلية. تستعرض هذه الفعاليات مجموعة واسعة من الأفكار والمبادرات التي تسلط الضوء على عدة جوانب حيوية:
- دور الشباب في تشكيل مستقبل القطاع: كيف يمكن للجيل الجديد أن يساهم في تطوير المفاهيم والتوجهات المتحفية.
- صون التراث غير المادي: أهمية المتاحف في حفظ ونقل الممارسات والتقاليد الشفوية والفنون الشعبية.
- تبني التقنيات الحديثة والحلول المبتكرة: كيفية استغلال التكنولوجيا المتقدمة كالواقع الافتراضي والمعزز والذكاء الاصطناعي لتعزيز تجربة الزوار وتوسيع نطاق وصول المتاحف.
المجلس الدولي للمتاحف (آيكوم): تاريخ ورسالة
يُعد المجلس الدولي للمتاحف آيكوم منظمة عالمية رائدة، تأسست عام 1946، وتكرس جهودها لتطوير المتاحف والحفاظ عليها وعلى العاملين فيها. يعمل آيكوم كمنصة عالمية لمجتمع المتاحف الدولي، معززاً للتعاون وتبادل المعرفة عبر القارات. يضم المجلس أكثر من 60 ألف عضو في 139 دولة، ويوحد المتخصصين في جميع مجالات العمل المتحفي، بما في ذلك أمناء المتاحف، وأخصائيو الترميم، والمعلمون، والباحثون، ومديرو المتاحف.
تتيح شبكة آيكوم الواسعة تعزيز دور المتاحف في التنمية المجتمعية، والاستدامة، والحفاظ على التراث الثقافي. يستند هذا الدور إلى إيمان راسخ بأهمية المتاحف في تشكيل عالم أفضل وأكثر شمولية، يعي أهمية تاريخه ويستلهم منه لمستقبله. يتجسد هذا التوجه في الشراكات الوطنية المهمة التي يدعمها المؤتمر، ومنها شركة “دو” ومدينة إكسبو دبي، وهيئة الطرق والمواصلات في دبي، ودائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، وهيئة كهرباء ومياه دبي “ديوا”، والمكتب الإعلامي لحكومة دبي، ومؤسسة دبي للإعلام، وفعاليات دبي للأعمال التابع لدائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، إضافة إلى مطارات دبي، والإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب – دبي، وشرطة دبي. هذه الشراكات تؤكد على التكاتف المؤسسي لدعم الأجندة الثقافية لدولة الإمارات.
و أخيراً وليس آخراً
يعكس مؤتمر آيكوم دبي 2025 أكثر من مجرد تجمع لخبراء المتاحف؛ إنه يمثل حواراً حضارياً حول الكيفية التي يمكن للمتاحف أن تظل منارات للمعرفة والإلهام في زمن التغيرات المتسارعة. من خلال محاوره المتنوعة ومشاركات النخبة من المفكرين، يقدم المؤتمر رؤية تحليلية معمقة لتحديات القطاع وفرصه، مع التركيز على التكيف مع التقنيات الحديثة وإشراك الشباب والحفاظ على التراث غير المادي. فهل ستكون توصيات هذا المؤتمر بمثابة خارطة طريق حقيقية لتمكين المتاحف من أداء دورها الحيوي كجسر يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، أم أن التحديات ستظل أكبر من قدرة هذه المؤسسات على مجاراتها؟ يتوقف ذلك على مدى قدرة الفاعلين في القطاع على ترجمة هذه الرؤى إلى واقع ملموس يحافظ على المتاحف ككنوز للأجيال القادمة.










