منتدى القوز للريادة الإبداعية: محفز الابتكار وداعم الاقتصاد الإبداعي في دبي
في عالم يتسارع فيه التطور، وتتنامى فيه أهمية الاقتصاد الإبداعي كركيزة أساسية للتنمية الشاملة، تبرز منصات مثل منتدى القوز للريادة الإبداعية كشعلة مضيئة تستنير بها الأجيال الصاعدة من رواد الأعمال. لم يعد الإبداع مجرد رفاهية، بل أصبح محركًا اقتصاديًا حيويًا، قادرًا على إحداث نقلة نوعية في المشهد التنموي للمدن والدول. تدرك دبي، بخطواتها السبّاقة، هذه الحقيقة جوهريًا، وتسعى جاهدةً لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للاقتصاد الإبداعي من خلال دعم ورعاية المواهب والأفكار الخلاقة التي تشكل وقود المستقبل. إن المنتدى، في نسخته الثالثة، لم يكن مجرد حدث عابر، بل تجسيدًا لرؤية طموحة تهدف إلى تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع استثمارية واعدة، وتوفير بيئة خصبة لازدهار الصناعات الثقافية والإبداعية.
تألق المنتدى واستقطابه للنخب الإبداعية
شهدت النسخة الثالثة من منتدى القوز للريادة الإبداعية، الذي أقامته هيئة الثقافة والفنون بدبي، نجاحًا باهرًا يعكس الحيوية المتأصلة والقوة الكامنة في الصناعات الثقافية والإبداعية بالإمارة. على مدار يومين، استقطب المنتدى، الذي أُقيم في الخياط أفنيو، نخبة متميزة من رواد الأعمال، والمتخصصين، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة. جاء ذلك بهدف تمكينهم من صقل مهاراتهم، وتوسيع شبكة علاقاتهم، وتحويل رؤاهم الإبداعية إلى مشاريع استثمارية ذات جدوى اقتصادية، مدعومين بسلسلة غنية من ورش العمل والجلسات النقاشية والإرشادية وجلسات التواصل الهادفة.
مسابقة القوز للريادة الإبداعية: تكريم الابتكار ودعم الشركات الناشئة
في ختام فعاليات المنتدى، كرّمت هيئة دبي للثقافة الفائزين في مسابقة القوز للريادة الإبداعية، التي تهدف إلى تحفيز الشركات الناشئة وتشجيع رواد الأعمال على تقديم أفكار مبتكرة تُعزز من زخم الاقتصاد الإبداعي في دبي. فاز حمد خوري، مؤسس شركة “بداويس” المتخصصة في تطوير الألعاب الرقمية المستوحاة من التراث المحلي، بالمركز الأول وحصل على مكافأة قدرها 80 ألف درهم. بينما حلت صوفيا كاميلداي، مؤسسة منصة “آرت ديب” المعنية بتنظيم الورش والأمسيات الفنية والسينمائية وتصميم الفعاليات الثقافية، في المركز الثاني بجائزة قيمتها 50 ألف درهم. أما نزار أحمدي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة “MADE” المتخصصة في الموسيقى والفن والترفيه وربط المبدعين بباحثي المواهب، فقد جاء في المركز الثالث وحصل على مكافأة بقيمة 30 ألف درهم.
جوائز قيمة وحزمة دعم متكاملة
لم تقتصر جوائز المنتدى على المبالغ النقدية فحسب، بل شملت حزمة قيمة من الجوائز العينية قُدّمت من شركاء المنتدى، في خطوة تؤكد على الشراكة الفاعلة لدعم رواد الأعمال. تضمنت هذه الجوائز إرشادًا استثماريًا ودعمًا في رأس المال الجريء من “أوراسيا كابيتال”، إضافة إلى دعم في تطوير العلامة التجارية وزيارة ميدانية لمكتب “لينكدإن”. كما شملت ائتمانًا بقيمة 500 دولار أمريكي على منصة “زوهو” مع ساعات ذكية، وعضوية لثلاثة أشهر في حاضنة الأعمال “In5”. فضلاً عن خصم لثلاثة أشهر على مساحة العمل المشتركة من “إنوفيت”، وخصم بنسبة 20% على فعالية واحدة في نادي “إيبيكون كابيتال”، وجلسات إرشاد مهني من “TiE دبي”، واستشارة لساعة حول التصنيع من “ميك ووركس الإمارات”، وعضوية ذهبية لشهر من “ليتس وورك”.
معايير التحكيم ودور اللجنة الخبيرة
استقبلت المسابقة عددًا كبيرًا من طلبات المشاركة، تأهل منها سبع شركات ناشئة إلى القائمة القصيرة. عُرضت هذه المشاريع أمام لجنة تحكيم ضمت نخبة من الخبراء، منهم أحمد الفهيم، مدير الاستراتيجية والتميز المؤسسي في مجلس دبي الرياضي؛ ونيها كاورا، مديرة أولى لرأس المال الاستثماري وعمليات الدمج والاستحواذ في مجموعة عبد الواحد الرستماني؛ وفاطمة أحمد، نائب الرئيس لشراكات الأعمال في صندوق محمد بن راشد للابتكار؛ وجون شيلي، مؤسس “رايت”. قامت اللجنة بتقييم المشاريع بناءً على معايير صارمة شملت الإبداع، التفرد، القدرة التنافسية، الالتزام بالاستدامة، والتأثير المحتمل في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، بالإضافة إلى مساهمتها في تعزيز الابتكار والتنوع الثقافي وخلق فرص العمل.
برنامج المنتدى: جلسات حوارية وورش عمل متخصصة
تضمن برنامج المنتدى سلسلة من الندوات النقاشية الثرية التي لامست قضايا محورية في عالم الإبداع وريادة الأعمال. استُهل المنتدى بجلسة “تحريك المستقبل” للمخرج محمد سعيد حارب، المدير التنفيذي لشركة “لمترى بيكتشرز”، التي ركزت على أهمية السرد القصصي والتعاون متعدد التخصصات في رسم ملامح مستقبل الريادة الإبداعية. كما تضمنت الجلسات حوارًا جانبيًا بعنوان “المشاركة في بناء الغد: كتابة القصة الإنسانية باستخدام الذكاء الاصطناعي” بين محمد جودت، الكاتب الأكثر مبيعًا والرئيس التنفيذي السابق للأعمال في جوجل، وعمر بطي، مقدم ومنتج واستشاري إعلامي، حيث ناقشا فرادة الخيال والحدس الفني في عصر التكنولوجيا. إضافة إلى جلسة “ما وراء النجمة” التي جمعت الشيف محمد أورفه لي، الشريك المؤسس في “أورفه لي براذرز وثري براذرز”، وديفينا ديفيشا، المحررة والمستشارة الإعلامية، للحديث عن إعادة تعريف النجاح بما يتجاوز الجوائز وتحقيق التوازن بين الإبداع والريادة والأصالة.
ورش عمل لتمكين المبدعين
كما احتوى البرنامج على مجموعة من ورش العمل المتخصصة، منها ورشة “حسّن ملفّك الشخصي” التي قدمها بلال معصراني من “لينكدإن”، وركزت على أفضل الممارسات لبناء هوية مهنية مؤثرة. وتناولت ورشة “صناعة النجاح: التفكير الريادي المتعاطف”، التي قادها إلمار شولر من معهد دبي للتصميم والابتكار، أهمية التعاطف في صياغة حلول مستدامة. وقدمت ماريان ريكو رودريغيز، مستشارة قانونية في دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، جلسة “إطلاق العنان للملكية الفكرية للمبدعين”، مستعرضة سبل حماية الأفكار الإبداعية. واختتمت الورش بسلسلة بعنوان “شركاء في التصميم”، من تنظيم “أتوليه (ATÖLYE)”، استكشفت كيف يمكن للمجتمعات الإبداعية أن تصبح محركات للمرونة والأثر المستدام.
رؤية دبي للثقافة: تعزيز مكانة الإمارة كمركز إبداعي
أكدت خلود خوري، مديرة إدارة المشاريع والفعاليات في دبي للثقافة، أن منتدى القوز للريادة الإبداعية قد تحول إلى منصة ملهمة وحاضنة قوية لريادة الأعمال الإبداعية في دبي، التي تُعد رافدًا رئيسيًا للتنمية الشاملة ومحركًا لصناعة المستقبل. وأضافت أن دبي للثقافة، من خلال مبادراتها، تسعى إلى تهيئة بيئة تنافسية جاذبة للمستثمرين والمواهب والمبدعين، وتوفير كافة مقومات النجاح لرواد الأعمال. هدفها هو تشجيعهم على تنمية قدراتهم، وتحقيق طموحاتهم، وتمكينهم من تطوير مشاريعهم المبتكرة انطلاقًا من دبي، بما يعزز قوة الصناعات الثقافية والإبداعية ويرسخ مكانتها كمركز عالمي للاقتصاد الإبداعي. كما أشارت إلى أن المنتدى يُشكل فرصة نوعية لبناء جسور التواصل بين رواد الأعمال والخبراء والمستثمرين، مما يُثري معارفهم ويُعزز روح الابتكار لديهم.
و أخيرا وليس آخرا
يُشكل منتدى القوز للريادة الإبداعية حدثًا محوريًا في مسيرة دبي نحو ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للاقتصاد الإبداعي، فمن خلال استقطاب المواهب، وتقديم الدعم المتكامل، وتوفير منصات للتواصل والتبادل المعرفي، يُسهم المنتدى في بناء جيل جديد من رواد الأعمال القادرين على تشكيل مستقبل زاهر ومستدام. إن تضافر الجهود بين القطاعين العام والخاص في مثل هذه المبادرات يُعزز من قدرة الإمارة على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى واقع ملموس. فهل تستمر هذه المنصات في التطور لتواكب التغيرات المتسارعة في المشهد الإبداعي العالمي، أم أنها ستواجه تحديات جديدة تتطلب حلولًا أكثر ابتكارًا وتكيفًا؟ يبقى المستقبل شاهدًا على قدرة دبي على الريادة والابتكار.










