ذكريات متناثرة: رحلة في دروب الذاكرة
في لحظة صباحية هادئة، بينما كانت ابنتي تراقب حفيدها ذي العامين، انتبهت إلى قدرته المذهلة على تقليد كل ما يسمعه من الكبار. وكأنه يتزلج على مسار تعليمي ممتع، يحاول استيعاب العالم من حوله.
عدّ الطفولة: بداية الحكاية
شاهدتُ “شوتي” وهو ينزلق على مقعد صغير، ممسكًا بكتاب العدّ الأنيق، وينطلق نحو منطقة الألعاب. “واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة…”، تمكن من العد حتى الخمسين دفعة واحدة. بينما أنا، سألني “فافا”: “ماذا تفعل يا أبي؟” فأجبت: “أجري بعض الحسابات”، وأكملت العد على أصابعي، ثم تذكرت شطرًا من قصيدة لإميلي ديكنسون.
بين الماضي والحاضر: لعبة الأرقام
يا له من مشهد! الجد والحفيد يتعلمان العد. “تعال يا بني، علّم جدك بعض الرياضيات.” ثم تحولت النبرة إلى مزاح: “ما الذي تحسبه يا أبي؟ مدخراتك أم ثروتي في وصيتك التي لم تكتبها بعد؟”
رحلة المنازل: ذاكرة لا تهدأ
“لقد سبقتني إلى هذا السؤال.” سألت فافا: “هل يمكنك إحصاء عدد المنازل التي عشنا فيها، أو بالأحرى التي عاش فيها أبي؟” أدركت أنني على وشك مواجهة الماضي. “يا إلهي، أرجوك لا تفاجئني. لقد كان الأمر جنونًا. كنا مثل النازحين داخليًا. لا أعرف كم مكانًا عشت فيه قبل ولادتي. أي شخص كان سينسى العدد.”
من مومباي إلى العالم: بداية الرحلة
“أحتاج بعض الوقت لأستعيد ذكرياتي، بدءًا من مومباي حيث بدأت رحلتي. يا لها من رحلة رائعة! من سكن مشترك بغرفة واحدة، تغمره أكوام القمامة السوداء المتدفقة عبر محطة سكة حديد قريبة في ضاحية كيرالا بمومباي، إلى رفاهية بعض المدن الكبرى.” هل كنتُ رحّالاً بالصدفة؟ بدأت أتساءل إن كنتُ قد عشتُ حياةً مُتنقّلةً حقاً، أُنقّلُ منازلي بسرعةٍ كورقةِ خريفٍ ضلّت مسارها في مهبِّ الريح.
دبي: محطة في الذاكرة
أتذكر أنه إذا سألني أحدهم عن مكان إقامتي في دبي، كنت أتردد للحظة قبل أن أجد الإجابة الصحيحة. كنت أضطر للبحث عن أحدث تفاصيل إقامتي. “أبي، جرّبها. لنرَ إن كانت ستُسجل في موسوعة غينيس.” كانت فافا مستعدة بقلم وورقة.
كيرلا: صور من الماضي
صور إقامتي في كيرلا تتدحرج في ذاكرتي كشريط فيلم أبيض وأسود. كنتُ ميسور الحال في غرفتي الصغيرة المطلة على منظر خلاب. منظر من أعلى لحي فقير يعجّ بأفلام بوليوود. فتيات سمراوات بشعر طويل يتجولن في المكان، وأولادٌ يمشطون شعرهم ويتجمعون حول بائعي الشاي، يحدقون في الفتيات ويأكلون الفول السوداني.
البحث عن الاستقرار: بداية الترحال
عندما وصل باحثون عن عمل من قريتي، لم يعد المكان الذي كنت أدرس فيه القانون والصحافة بسلام يتسع لي. حينها اتخذتُ خطوتي الأولى. جمعتُ أغراضي وغادرتُ باحثاً عن مكان يوفر لي راحة البال للدراسة.
محطات في مومباي: فصول من الحياة
كانت محطتي التالية تل أنتوب في سيون كوليوادا بمومباي، والذي كان يضم ما عُرف سابقاً بأكبر مقرّ لموظفي الحكومة في آسيا. كان تل أنتوب مليئاً بالبلطجية وتجار المخدرات وسماسرة العقارات وآلاف العمال المهاجرين. لم يكن يشبه المكان الذي أتمناه، فبدأتُ أبحث عن مراعي أكثر خضرة. “أبي، مكانان في كيرالا، وكم مكاناً في كوليوادا؟” “دعني أرى. نعم، خمسة.”
إلى آفاق جديدة: دبي والشارقة
“المحطة التالية يا أبي؟” “ثلاثة في فاشي-نيرول في نيو بومباي. اثنان في أندهيري وتشوناباتي، وهذا يُنهي أيامي في مومباي، على ما أعتقد.” وبينما كنا نتجه إلى دبي والشارقة وعجمان وسنغافورة وكيرالا وبنغالور، واصل شوتي النسخ واللصق: “واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة…”
التعلق والرحيل: فلسفة الحياة
“أبي، أخبرني كيف تعاملت مع مشاعرك عند مغادرة كل مكان، خاصةً وأنك كنت تهتم بكل مكان كما لو كان ملكك. أتذكر أنك بنيت حديقة مزودة بنظام تنقيط آلي وقفل خشبي، وشرفة في داماك هيلز 2، مع أنك كنت تعلم أنها ليست ملكك.” “نعم، أنا كائن عاطفي، لكنني لا أدع مشاعري تتغلب عليّ أبداً. من المهم أن تتخلى عن الأشياء عندما تعلم أنها ليست ملكك ولن تكون لك أبداً؛ فالمشاعر كالرمال المتحركة تحت قدميك؛ تبتلعك حتى قبل أن تدرك أنك محاصر.”
وداع الأماكن: دروس في التجاوز
“لكنني أتذكر أن الدموع انهمرت على خديك، بل وقبّلت جدران وأبواب منزلنا في سنغافورة عندما بعته وغادرت حي هوجانج.” “صحيح. تعبتُ لأُدرك ذلك. لكنني أحرص على ألا أعود أبداً إلى الأماكن القديمة الجميلة وأدع طوفان الذكريات يُغرقني. إنه لأمرٌ رائع أن أتخلص من الذكريات الجميلة عندما يحين وقت استهلال لحظات جديدة تُكوّن ذكرياتٍ أفضل. لا تدع الماضي يُفسد المستقبل أبداً.”
حصاد الرحلة: أرقام وذكريات
تنهدت فافا وقالت: “لكنني دفعتُ أكثر من غيري ثمناً لتنقلك بين المنازل. تسع مدارس في تسع سنوات! رقم قياسي نوعاً ما.” إذن ما هو العدد الأخير يا فافا؟ ستة وأربعون، بما في ذلك الثلاثة التي استأجرتها ماما في بالاكاد.
و أخيرا وليس آخرا
ستة وأربعون! يا إلهي! هتف شوتي مُستعيراً تعبيراً استعراضياً طفولياً. مسكين، لم يكن يعلم أنه تنقل بين خمسة أماكن في عامين. إنَّه على خطى جدهِ بالفعلِ! هل تحمل هذه الرحلة في طياتها حكمة عميقة حول التعلق والتغيير، وكيف يمكن للذكريات أن تشكلنا دون أن تقيدنا؟










