تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب العالمي لمواجهة تحديات التنمية
يشير تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن فجوة تمويل التنمية في بلدان الجنوب العالمي من المتوقع أن تتسع إلى 6.4 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030. هذا الوضع يؤكد الحاجة الماسة إلى تعزيز التعاون بين الاقتصادات النامية. وقد كانت هذه الدعوة إلى العمل بمثابة رسالة رئيسية من قادة الحكومات والخبراء الذين اجتمعوا في الدورة الافتتاحية للمنتدى الاقتصادي لبلدان الجنوب العالمي، الذي استضافته أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي.
وفي ظل تحول العولمة إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، سلط المنتدى الضوء على الأهمية المتزايدة للتعاون بين بلدان الجنوب في تسريع وتيرة التجارة والاستثمار والشراكات الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم النامي، وذلك من خلال خمس جلسات مواضيعية.
أهمية التعاون بين دول الجنوب العالمي
أكد معالي أحمد الصايغ، وزير الدولة للشؤون الاقتصادية والتجارية بوزارة الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، على أن دول الجنوب العالمي لم تعد هامشية في الشؤون الاقتصادية العالمية، بل أصبحت محورية في صياغة أجندة العمل، والمساهمة في بلورة الأفكار، وتطوير أطر التعاون العادل. وأضاف أن هذه الدول تعمل معاً على إعادة صياغة الشراكات، وتقديم حلول عملية قائمة على الطموح المشترك والاحترام المتبادل.
كما صرح معاليه بأن دولة الإمارات العربية المتحدة تؤمن بأن أصوات وقيم ورؤى بلدان الجنوب العالمي لا غنى عنها لتشكيل نظام دولي أكثر شمولاً وتوازناً.
إمكانيات غير مسبوقة
أوضح معاليه أن الجنوب العالمي يتمتع اليوم بإمكانيات غير مسبوقة كمحركات للنمو والابتكار، ومسؤولين عن الموارد الحيوية والتراث الثقافي، ومدافعين عن اقتصاد عالمي أكثر عدلاً ومرونة. لتحقيق هذه الإمكانيات، يجب العمل معاً لتسخير التقنيات الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتمويل الرقمي، لتحقيق التنمية المستدامة؛ وتعميق التكامل الاقتصادي من خلال الممرات التجارية والبنية التحتية الذكية وتسهيل الاستثمار؛ واستعادة الخطاب العالمي نحو الشمولية، وتعزيز الشراكات بين بلدان الجنوب، وبين بلدان الجنوب والشمال، على أساس الاحترام المتبادل والفرص المشتركة والاستقلالية الاستراتيجية.
وأضاف: “سواء من خلال الاستثمارات في الطاقة النظيفة، أو الاتصال الرقمي، أو الأمن الغذائي، أو تمويل التنمية، فإننا نواصل التزامنا بتمكين مسارات الرخاء المشترك. وبصفتها دولة تقع على مفترق طرق القارات والثقافات، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة ترى دورها ليس فقط كجسر، بل أيضاً كمتعاون ومحفز للتعاون الذي يتجاوز الجغرافيا”.
دور دولة الإمارات في تعزيز التعاون
تُعدّ اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة لدولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً رائداً على التعاون بين بلدان الجنوب. ونتيجةً لهذه الاتفاقيات، ارتفع إجمالي التجارة الخارجية لدولة الإمارات بنسبة 49%، ليصل إلى 5.23 تريليون درهم (1.42 تريليون دولار) في عام 2024، مقارنةً بـ 3.5 تريليون درهم (949 مليار دولار) في عام 2021، وفقاً لمنظمة التجارة العالمية.
بناء الجسور بدلاً من الجدران
أشار نيكولاي ملادينوف، المدير العام للمنتدى الاقتصادي العالمي للجنوب، إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تسعى من خلال المنتدى الاقتصادي العالمي للجنوب إلى بناء جسور التواصل في وقتٍ يبني فيه الآخرون جدراناً. وأعرب عن أمله في أن يكون المنتدى جزءاً من عملية الانفتاح هذه، وبناء الجسور، وتمكين الدول وقادة الفكر من التوافق حول أفكارٍ لمستقبلنا.
الجنوب العالمي محرك للنمو الاقتصادي
وفقاً لتقرير حديث صادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية، يُصبح الجنوب العالمي قوةً دافعةً للنمو الاقتصادي. وباستثناء الصين، تُمثل هذه الكتلة المكونة من 133 دولة حوالي 18% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبإضافة الصين، ترتفع هذه النسبة إلى 40%، أي ما يُمثل 65% من سكان العالم. ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي المُجمع لهذه الدول بنسبة 4.2% سنوياً حتى عام 2029، أي أكثر من ضعف النسبة المُتوقعة للاقتصادات المتقدمة والبالغة 1.9%.
نمو التجارة بين بلدان الجنوب
تشهد التجارة داخل بلدان الجنوب العالمي نمواً متزايداً أيضاً، حيث من المتوقع أن تنمو التجارة فيما بين بلدان الجنوب بمعدل نمو سنوي مركب نسبته 3.8% حتى عام 2033، مقارنةً بنسبة 2.2% للتجارة بين بلدان الشمال. وبحلول عام 2033، قد تصل تجارة بلدان الجنوب العالمي إلى 14 تريليون دولار سنوياً. ومع ذلك، يرسم تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التوقعات العالمية لتمويل التنمية المستدامة 2025 صورةً قاتمة. فبينما بلغ التمويل الخارجي للدول النامية 5.24 تريليون دولار في عام 2022، إلا أنه لا يزال أقل من 9.24 تريليون دولار المطلوبة سنوياً لتحقيق خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030. وقد اتسعت فجوة التمويل بسبب تغير المناخ، والتوترات الجيوسياسية، والزيادات الأبطأ من اللازم في الموارد المتاحة.
فجوة التمويل المتزايدة
بين عامي 2015 و2022، ارتفعت احتياجات التمويل بنسبة 36٪، بينما زادت تدفقات الموارد الفعلية بنسبة 22٪ فقط، مما أدى إلى عجز قدره 60٪، وفقاً لتحذير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبدون إصلاح هيكلي، قد يصل هذا العجز إلى 6.4 تريليون دولار بحلول عام 2030.
المنتدى الاقتصادي العالمي للجنوب (GSEF 2025)
المنتدى الاقتصادي العالمي للجنوب (GSEF 2025)، الذي نظمه مركز الدراسات الجيواقتصادية للجنوب العالمي (COGGS) بالتعاون مع منظمة أيه جي دي أيه (AGDA)، ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (ECSSR)، والأكاديمية الصينية للدراسات الصينية والعالمية المعاصرة (ACCWS)، جمع أكثر من 100 مندوب، من بينهم عدد من كبار المسؤولين الحكوميين وأعضاء السلك الدبلوماسي في دولة الإمارات العربية المتحدة. يهدف المنتدى إلى صياغة حوار حول التحديات الجيواقتصادية، وتعزيز التكامل الإقليمي وتبني التكنولوجيا، وتطوير أطر عمل جماعية لإعادة تشكيل الحوكمة الاقتصادية العالمية. وقد ساهم مكتب أبحاث الصناعات والأساسيات الاقتصادية في تسهيل حضور الوفد الهندي في المنتدى.
نظام اقتصادي جديد
أكد محمد ثاقب، الخبير الاقتصادي ومنسق بمركز الدراسات الجيواقتصادية للجنوب العالمي، أن العالم على أعتاب نظام اقتصادي جديد، وأن الجنوب العالمي يبرز كقوة دافعة في تشكيل الأنظمة العالمية، ويكتسب صوتنا الجماعي قوة في عالم متعدد الأقطاب. وأضاف: “نحن ملتزمون ببناء أطر اقتصادية عادلة”.
اتجاهات الاستثمار
تناول المنتدى أيضاً اتجاهات الاستثمار. ووفقاً لتقرير الاستثمار العالمي 2024، انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول النامية بنسبة 7% لتصل إلى 867 مليار دولار أمريكي، ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى انخفاض بنسبة 8% في آسيا النامية. وعلى الرغم من الإعلان عن أكثر من 1000 مشروع استثماري جديد في الدول النامية، إلا أن معظمها تركز في جنوب شرق آسيا وغربها، بينما شهدت أفريقيا وأمريكا اللاتينية نشاطاً محدوداً.
منصة شاملة للحوار
وصرحت أيانانغشا مايترا، منسقة المنتدى، بأن المنتدى الاقتصادي العالمي للجنوب لم يكن مجرد جلسات لمشاركة الأفكار، بل هو بوتقة للحكمة المجربة، حيث واجهت التجارب العملية تحديات آنية. وأكدت أن المنتدى يزدهر بالشمولية، جامعاً أصواتاً متنوعة على طاولة واحدة لصياغة مستقبل يتحرك في اتجاهات متعددة.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، يتبين أن تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب العالمي يمثل ضرورة ملحة لمواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية المتزايدة. ومع تزايد فجوة التمويل وتغير موازين القوى الاقتصادية، يصبح العمل المشترك وتبادل الخبرات أمراً حتمياً لتحقيق التنمية المستدامة والرخاء المشترك. يبقى السؤال: كيف يمكن تحويل هذه الرؤى والتوصيات إلى خطط عمل ملموسة تساهم في بناء مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً للجميع؟






