تحديات الحرارة الشديدة وتأثيرها على بيئة العمل في الإمارات
في قلب دبي، ومع ارتفاع الشمس في منتصف النهار، لا يقتصر الإحساس على مجرد حرارة، بل يتعداه إلى شعور بالإرهاق الشديد. يلفّ الهواء الجسم كثقل البلاستيك، محمّلاً بالرطوبة والرمال، مما يجعل أبسط المهام تتطلب جهداً مضاعفاً وتركيزاً عالياً. النظارات الشمسية تكتسي بضباب خفيف، وقوارير المياه تفقد برودتها سريعاً. الشواطئ تشهد تراجعاً في عدد الزوار، والممرات الخشبية تخلو من المارة، وقلة قليلة تجرؤ على الاقتراب من الماء. حتى نسيم الخليج يأتي حاراً، وكأنه يمر فوق موقد. ورغم ذلك، تبقى رافعات البناء شامخة في سماء المدينة، صامتة في معظم الأوقات، بينما يحل الهدوء محل ضجيج الآلات المعتاد. وفي الطرق، تسير مركبات خدمات التوصيل، وملابس سائقيها ملتصقة بأجسادهم من شدة العرق، والإسفلت يتبخر تحت أشعة الشمس الحارقة.
ما كان يُعتبر مجرد فصل صيف أصبح الآن اختباراً حقيقياً للقدرة على التحمل، ليس فقط للعاملين في الأماكن المفتوحة، بل أيضاً للشركات التي تعتمد عليهم في استمرار عملياتها.
قرار حظر العمل وقت الظهيرة
تطبق دولة الإمارات العربية المتحدة قرار حظر العمل في الأماكن المفتوحة خلال فترة الظهيرة، وذلك من 15 يونيو إلى 15 سبتمبر، وهو ما يُعرف بـ “استراحة الظهيرة”. وتفرض وزارة الموارد البشرية والتوطين غرامات على الشركات المخالفة قد تصل إلى 5000 درهم إماراتي عن كل عامل، بحد أقصى 50000 درهم. وتشير دراسة مشتركة بين شراكة العلامات الحيوية وهيومن رايتس ووتش إلى أن معظم دول الخليج، بما فيها الإمارات العربية المتحدة، تشهد درجات حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية لما يتراوح بين 100 و150 يوماً في السنة، مما يؤكد أن الحر الشديد أصبح ظاهرة مستمرة، وليس مجرد حدث موسمي.
تحديات الشركات في ظل ارتفاع درجات الحرارة
في هذا العام، ومع توقعات بوصول درجات الحرارة إلى أكثر من 50 درجة مئوية في بعض مناطق الإمارات العربية المتحدة، لا تلتزم الشركات العاملة في قطاعات البناء والتوصيل والخدمات اللوجستية بالأوامر فحسب، بل تعيد أيضاً تقييم طرق عملها بشكل جذري.
الخسائر العالمية الناتجة عن الإجهاد الحراري
على الصعيد العالمي، يفقد العاملون في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمل في الهواء الطلق، كالزراعة والبناء، أكثر من أسبوعين من العمل سنوياً بسبب الإجهاد الحراري، وفقاً لمؤسسة كلايمت إنترأكتيف. ونظراً لأن تأثير السياسات المناخية الجديدة قد يستغرق عقوداً، فإن حتى الإجراءات الصارمة المتخذة حالياً في الإمارات العربية المتحدة لن تقلل بشكل كبير من خسائر العمالة في الأماكن المفتوحة قبل أربعينيات القرن الحالي.
التأثير الاقتصادي للإجهاد الحراري
الوضع الاقتصادي لا يقل قتامة. يتوقع تقرير صادر عن شركة برايس ووترهاوس كوبرز أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمنطقة بنسبة 41.8% بحلول عام 2035. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن التهديدات المناخية، بما في ذلك الحر الشديد وندرة المياه والفيضانات، ستؤدي إلى خفض النمو بمقدار 13.9 نقطة مئوية، ليصل إلى 27.9%. إن تكلفة التقاعس ليست مجرد رقم مجرد، بل هي عبء حقيقي على الإنتاجية والأرباح وثقة المستثمرين.
مخاطر تجاهل التحذيرات
من الصعب تجاهل علامات التحذير. تشير ورقة عمل حديثة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الإجهاد الحراري يُعد من بين أكثر تحديات العمل إلحاحاً المرتبطة بتغير المناخ. وتقدر الورقة أن كل عشرة أيام إضافية تتجاوز فيها درجة الحرارة 35 درجة مئوية في السنة يمكن أن تخفض إنتاجية العمل على مستوى الشركات بنحو 0.3%، بينما يمكن لموجة حر واحدة لمدة خمسة أيام أن تخفضها بنسبة 0.2%.
الخسائر التراكمية في منطقة الخليج
قد تبدو هذه النسب ضئيلة، لكنها تتفاقم بسرعة. في الخليج، حيث تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية بانتظام لأكثر من 100 يوم في السنة، يمكن أن تصل الخسائر التراكمية إلى 3% سنوياً للقطاعات المعرضة. وإذا كان نصف اقتصاد الإمارات العربية المتحدة، الذي يبلغ حوالي 500 مليار دولار، مرتبطاً بصناعات تعتمد بشكل كبير على الأنشطة الخارجية، مثل البناء والخدمات اللوجستية والتوصيل، فإن ذلك يعني خسارة إنتاجية تقدر بنحو 7.5 مليار دولار سنوياً بسبب الحر الشديد وحده. وفي بلد لم تعد فيه مثل هذه الظروف استثناءً، بل أصبحت قاعدة موسمية، فإن هذه الخسائر ليست نظرية، بل تُشكل عبئاً متزايداً على الإنتاج الحقيقي. وبالنسبة للصناعات التي تعتمد بشكل كبير على العمل في الهواء الطلق، فإن هذه ليست مجرد مشكلة مناخية، بل هي مشكلة اقتصادية.
جهود الشركات للتغلب على الحرارة
أكدت نجيبة الجابري، الرئيسة التنفيذية لشؤون البيئة والمجتمع والحوكمة والاستدامة في شركة الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)، أن الأمراض المرتبطة بالحرارة تشكل خطراً على أي شخص يعمل في الهواء الطلق خلال فصل الصيف في الإمارات العربية المتحدة، وقد تكون قاتلة إذا لم يتم علاجها، مشددة على إمكانية الوقاية منها تماماً.
نموذج شركة الإمارات العالمية للألمنيوم
في شركة الإمارات العالمية للألمنيوم، حيث لا يمكن إيقاف عمليات الصهر وتوليد درجات حرارة عالية على مدار العام، تُدمج بروتوكولات الصيف في العمليات اليومية، مما يجعل الشركة نموذجاً يُحتذى به في مواجهة درجات الحرارة المرتفعة في القطاع الصناعي بالمنطقة. وأوضحت الجابري أن العمليات الصناعية تولد حرارة إضافية ولا يمكن إيقافها، لذا يركزون جهودهم على الوقاية.
برنامج “تغلب على الحر”
يشمل برنامج “تغلب على الحر” الخاص بالشركة، اختبارات ترطيب قبل نوبات العمل وأثناءها، واستراحات تبريد مجدولة، وإمكانية الاستحمام بماء بارد، ومناطق راحة مخصصة في منشآتها. وفي هذا العام، أدخلت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم وحدات تبريد لكامل الجسم في مواقع ومراكز طبية مختارة لتوفير راحة سريعة. ومنذ عام ٢٠٢١، لم تُسجل الشركة أي حالة مرضية مرتبطة بالحر.
استراتيجيات شركة كريم لمواجهة الحرارة
في قطاع التوصيل، تتعامل شركات مثل كريم مع الحرارة كمشكلة بنية تحتية، حيث وسعت استجابتها الموسمية بتوفير محطات راحة متنقلة مكيفة تعمل بالطاقة الشمسية في عدة مدن، وذلك في إطار شراكة مع الصندوق الوطني للمسؤولية الاجتماعية للشركات (MAJRA)، الذي يخدم الآن أكثر من 60 ألف عامل توصيل.
توفير المعدات اللازمة لسائقي التوصيل
قامت كريم أيضاً بتركيب موزعات مياه باردة في مناطق التوصيل الرئيسية، وتوفر لسائقي التوصيل حقيبة مجهزة بمناشف تبريد، وزجاجات مياه قابلة لإعادة الاستخدام، وواقي شمس، ومكملات ترطيب. كما تُمكّن كريم سائقي التوصيل من خلال جدولة مرنة لتجنب ذروة الحرارة، وتوفر فحوصات طبية مجانية، وتستخدم التكنولوجيا لتحسين مسارات التوصيل والتنبؤ بأنماط الخطر.
أهمية التكنولوجيا والقيادة الحكيمة
أكدت الجابري أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتجنب خطر الأمراض المرتبطة بالحرارة، وأن القيادة الحكيمة التي تعطي الأولوية للسلامة، وبرامج التوعية الفعالة، وثقافة السلامة أولاً، كلها عوامل أساسية.
تجربة شركة الإمارات العالمية للألمنيوم مع الأساور الذكية
تقوم شركة الإمارات العالمية للألمنيوم بتجربة سوار كينزن القابل للارتداء، والذي يوفر نظاماً صناعياً مصمماً لمراقبة المؤشرات الفسيولوجية في الوقت الفعلي، مثل درجة حرارة الجسم الأساسية، ومعدل ضربات القلب، ومستويات الترطيب، على مئات الموظفين.
تحديات استخدام التكنولوجيا المتقدمة
على الرغم من أن أجهزة مراقبة Kenzen الصناعية تقدم حلاً واعداً، إلا أنها لا تزال محدودة النطاق بسبب تكلفتها العالية ومتطلباتها التدريبية واللوجستية.
إعادة تصميم البيئة للحد من المخاطر
يطرح الباحثون سؤالاً أكبر: ماذا لو أُعيد تصميم البيئة نفسها للحد من المخاطر؟ يدرس الدكتور وائل شتا، الأستاذ المساعد في الجامعة البريطانية في دبي، كيفية تأثير البيئة العمرانية في دبي على التعرض للحرارة، وخاصةً للعمال المهاجرين الذين يعيشون في مساكن عالية الكثافة.
دور التصميم والغطاء النباتي
يبحث شتا في كيفية مساهمة تدخلات التصميم، مثل الممرات المظللة، والمناطق الخضراء العازلة، واستخدام أنواع نباتية محلية، في الحد من الإجهاد الحراري في المناطق الصناعية الكثيفة.
أهمية ملاجئ الراحة
يرى شتا أن العدد المتزايد من ملاجئ الراحة في منتصف النهار في جميع أنحاء دبي هو أحد أبرز الدلائل على جدية المدينة في التعامل مع الإجهاد الحراري، مشيراً إلى الحاجة إلى بيانات أفضل لفهم ما ينجح وأين تبقى الفجوات.
سد الفجوة بين البحث والتطبيق
يرى شتا أن التنظيم والبحث لم يواكبوا بعدُ الواقعَ المُعاش، وأن سد الفجوة بين البحث الأكاديمي وتطبيقات الصناعة أمرٌ أساسيٌّ لتحويل الدراسات التجريبية والابتكارات المفاهيمية إلى مشاريعَ واقعيةٍ مؤثرة.
وأخيرا وليس آخرا
إن مواجهة تحديات الحرارة الشديدة في منطقة الخليج تتطلب تكاملاً شاملاً بين السياسات والتكنولوجيا والبحث وتعاون جميع الجهات المعنية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في العمل تحت وطأة الحرارة، بل في مواكبة هذه الحرارة والتكيف معها بفعالية لضمان سلامة العمال واستدامة الاقتصاد. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تحقيق هذا التكامل الأمثل لضمان مستقبل أكثر استدامة ومرونة في مواجهة تغير المناخ.










