برنامج القيادات التنفيذية: نهج الإمارات في تمكين الحكومات العالمية
شهد المشهد الدولي تحولات متسارعة فرضت على الحكومات ضرورة التكيف والابتكار المستمر لمواجهة التحديات المتزايدة وقيادة عجلة التنمية المستدامة. في هذا السياق، تبرز تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج رائد في تحديث العمل الحكومي، ليس فقط على الصعيد المحلي، بل عبر مشاركة خبراتها وتجاربها الناجحة مع الدول الصديقة حول العالم. وقد تجسد هذا النهج مؤخرًا في إطلاق برنامج القيادات التنفيذية لحكومة مونتينيغرو، الذي يمثل محطة مهمة ضمن التعاون الثنائي في مجالات التحديث الحكومي، ويعكس رؤية استراتيجية تسعى إلى بناء قدرات قيادية عالمية قادرة على إحداث تحول إيجابي.
سياقات التعاون والشراكة المعرفية
تُعد هذه المبادرة جزءًا لا يتجزأ من رؤية أوسع لدولة الإمارات، التي لطالما آمنت بأن تبادل المعرفة والخبرات هو حجر الزاوية في بناء مستقبل أفضل للجميع. لطالما كانت الإمارات سباقة في تقديم حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الحوكمة، بدءًا من التحول الرقمي ووصولاً إلى التنمية المستدامة، وهي تسعى لنقل هذه الخبرات إلى شركائها الدوليين. إطلاق هذا البرنامج، الذي يستهدف تطوير الكفاءات القيادية لـ 23 مسؤولاً حكومياً من مونتينيغرو، لا يمثل مجرد تدريب، بل هو استثمار في القدرات البشرية التي تمثل المحرك الأساسي لأي تقدم مجتمعي.
أهداف البرنامج وركائزه الأساسية
يُصمم برنامج القيادات التنفيذية ليكون منصة متطورة لتبادل الخبرات الحكومية وتنمية المهارات الاستراتيجية. يهدف بشكل أساسي إلى تعزيز كفاءة القيادات الحكومية وتمكينها في مجالات حيوية مثل تبني الابتكار، وتعزيز التعاون الفعال، ودعم جهود التنمية المستدامة. هذا التركيز على الابتكار والاستدامة يعكس التوجهات العالمية الحديثة في الحوكمة الرشيدة، ويضمن أن المشاركين سيكونون مجهزين بالمعرفة والأدوات والمنظور العالمي اللازم لمواجهة التحديات المعاصرة وقيادة التحول في مجالات عملهم المختلفة.
آليات التنفيذ والشراكات الفعالة
لضمان أقصى قدر من الفائدة، يُنفذ البرنامج بالشراكة مع جامعة حمدان بن محمد الذكية، وبالتعاون مع مجموعة من المؤسسات الرائدة في دولة الإمارات. يشمل ذلك تنظيم زيارات معرفية مكثفة واجتماعات ولقاءات مع 19 خبيرًا إماراتيًا، يتمتعون بخبرات عملية ومعرفية عميقة. هذا النهج يضمن دمج الجانب النظري مع التطبيق العملي، ويسمح للمشاركين بالاطلاع مباشرة على أفضل الممارسات.
يغطي البرنامج ستة محاور رئيسية، صُممت لتلبية الاحتياجات الملحة لحكومات المستقبل:
- الإدارة المالية: لتعزيز كفاءة الإنفاق وتحقيق الاستدامة المالية.
- السياحة: بالتعاون مع كلية دبي للسياحة، لتبادل الخبرات في تطوير القطاع السياحي الحيوي.
- الأمن العام: بالشراكة مع الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، لتعزيز الاستقرار والأمان.
- الأمن السيبراني: بالتعاون مع مجلس الأمن السيبراني في حكومة الإمارات، لمواجهة التهديدات الرقمية المتنامية.
- الرقمنة والذكاء الاصطناعي: لمواكبة التطورات التكنولوجية وتسخيرها في خدمة المواطنين.
- مهارات القيادة: لتطوير القدرات الشخصية والمهنية للمسؤولين.
تضم قائمة المنتسبين للبرنامج نخبة من المسؤولين الحكوميين، من نواب رؤساء دواوين وسفراء ومستشارين ومديري عموم ومديرين وقيادات تنفيذية. يجمع البرنامج بين التعلم الافتراضي، والزيارات الميدانية، والمشاريع التطبيقية، واللقاءات القيادية، بما يضمن تقديم محتوى تخصصي شامل وعميق وعملي يلبي طموحات المشاركين ويعود بالنفع على حكوماتهم.
رؤية مستقبلية لتمكين القيادات
أكدت القيادات في الإمارات أن بناء القدرات وتأهيل القيادات الحكومية على أسس التعلم المستمر والمستدام يمثل محورًا مهمًا لبناء حكومات المستقبل. هذه الرؤية تعكس إيمانًا راسخًا بأن الاستثمار في رأس المال البشري هو السبيل الوحيد لمواكبة التطورات المتسارعة والاستعداد وبناء الجاهزية للتحديات المستقبلية. ويُعد برنامج القيادات التنفيذية محطة رئيسية لجهود التعاون والشراكة الثنائية الهادفة لتعزيز الاستفادة من المعارف والخبرات وأفضل التجارب التي طورتها حكومة دولة الإمارات في مختلف مجالات العمل.
الشراكة الاستراتيجية وبرنامج التبادل المعرفي
كانت حكومتا دولة الإمارات ومونتينيغرو قد أطلقتا شراكة استراتيجية ضمن برنامج التبادل المعرفي الحكومي، وذلك خلال أعمال القمة العالمية للحكومات التي عُقدت في فبراير 2024. وقد ركزت هذه الشراكة على تبادل الخبرات في مجال التطوير والتحديث الحكومي، بهدف المساهمة في تطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز القدرات المؤسسية ومنظومة الأداء، ووضع إطار مؤسسي لتعزيز وتنمية التعاون والاستفادة من النماذج التطويرية وتبادل التجارب والممارسات الناجحة.
يُذكر أن حكومة الإمارات كانت قد أطلقت برنامج التبادل المعرفي الحكومي في عام 2018، بهدف نقل أفضل الممارسات والخبرات الحكومية إلى الدول الشقيقة والصديقة، وتعزيز التعاون في مجالات التحديث والتطوير الحكومي. ومنذ إطلاقه، نجح البرنامج في إطلاق شراكات مع عشرات الدول حول العالم، لبناء القدرات المؤسسية وتطوير الأداء الحكومي من خلال تبادل المعرفة في مجالات التخطيط الاستراتيجي، والتميز الحكومي، وريادة الخدمات الحكومية، إضافة إلى تنفيذ مبادرات استراتيجية وبناء القدرات المؤسسية.
و أخيرا وليس آخرا:
تُبرهن مبادرة إطلاق برنامج القيادات التنفيذية لحكومة مونتينيغرو، ضمن إطار التعاون الإماراتي الدولي، على أن القيادة الرشيدة لا تقتصر على حدود جغرافية، بل تتعداها لتصبح محركًا عالميًا للتقدم والازدهار. هذه البرامج لا تقدم مجرد تدريب، بل تُسهم في صياغة عقلية قيادية جديدة تستشرف المستقبل وتتعامل مع تعقيداته بفاعلية. فهل ستكون هذه الشراكات المعرفية مفتاحًا لعصر جديد من التعاون الدولي الذي يعيد تشكيل مفاهيم الحوكمة والخدمة العامة حول العالم؟ إنها تساؤلات تفتح آفاقًا واسعة للتأمل في مستقبل يعتمد على المعرفة والتعاون كأدوات أساسية لتحقيق التنمية الشاملة.








