ختام الشهر الوطني لدبي: إرث القيادة وعمق الانتماء
تُعدّ الفعاليات الوطنية في دولة الإمارات العربية المتحدة ركيزة أساسية لتعزيز الهوية وتأصيل القيم، وهي ليست مجرد احتفالات عابرة بل محطات متعمقة لتجديد الولاء والانتماء. في سياق هذا المشهد الثقافي والوطني الزاخر، اختتمت دبي مؤخرًا فعاليات الشهر الوطني، الذي استمر ثلاثين يومًا، وبلغ ذروته بمشاعر الفخر والاعتزاز بالإرث الغني للآباء المؤسسين. هذا الحدث، الذي انطلق بتوجيهات كريمة من سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي ورئيس مجلس دبي للإعلام، في الثالث من نوفمبر للعام الماضي وللعام الثاني على التوالي، عكس التزام الإمارة الدائم بتعميق الروابط الوطنية بين أفراد مجتمعها.
لقد جاء تنظيم هذا الشهر الوطني بجهود حثيثة من “براند دبي”، الذراع الإبداعي للمكتب الإعلامي لحكومة دبي، بالتعاون مع ما يزيد على 250 جهة حكومية وشبه حكومية وخاصة. وقد تخللته العديد من المظاهر الاحتفالية بالمناسبات الوطنية الغالية، بدءًا بـيوم العلم ووصولًا إلى الاحتفال بـعيد الاتحاد الـ54. إن هذا التنسيق الواسع يعكس الروح التعاونية التي تميز دبي، ويؤكد على أن الوحدة ليست شعارًا فحسب، بل منهج عملٍ يثمر فعاليات تلامس القلوب وتترك أثرًا عميقًا.
“زايد وراشد”: مظلة العطاء ونهج المستقبل
كانت حملة “زايد وراشد” بمثابة المظلة الشاملة التي احتضنت كافة الفعاليات والمبادرات على مدار الشهر الوطني. لقد مثّلت هذه الحملة استحضارًا عميقًا للإرث الوطني العظيم للمغفور لهما بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراهما. وهي لم تكن مجرد ذكرى، بل عرفانًا بالجميل لما قدماه للوطن من عطاء سخي وما أرسياه من أسس متينة، قامت عليها صروح اتحاد دولة الإمارات.
لقد شكلت رؤيتهما الثاقبة وقيمهما الأصيلة القاعدة الراسخة التي انطلقت منها الدولة في مسيرة تنمية وتطوير شاملة وغير مسبوقة، دفعت بالإمارات لتكون نموذجًا عالميًا يحتذى به. إن إبراز هذه الشخصيات القيادية الفذة في كل مناسبة وطنية هو تذكير دائم للأجيال الحالية والقادمة بقيمة التضحية والعمل الجاد من أجل رفعة الوطن وازدهاره.
رؤية قيادية وتكامل مجتمعي
مع إسدال الستار على فعاليات الشهر الوطني، أعربت سعادة منى غانم المرّي، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام ومدير عام المكتب الإعلامي لحكومة دبي، عن خالص شكرها وتقديرها لجميع الشركاء الاستراتيجيين. وقد أكدت سعادتها على الدور المحوري الذي اضطلع به هؤلاء الشركاء في إنجاح أهداف شهر كامل من الفعاليات التي سعت إلى ترسيخ القيم الرفيعة. هذه القيم هي السياج الذي يحمي مستقبل الوطن، من ولاء متجذر وانتماء عميق وارتباط وثيق بالهوية الوطنية.
شددت سعادة منى المرّي على أن تكامل العمل المؤسسي يُعدّ أحد أهم مقومات نجاح الفعاليات الكبرى في دبي. فالدور الذي لعبه مجلس دبي للإعلام في تنسيق هذه التجربة الملهمة حظي باعتزاز كبير، حيث تبارت الجهود لإبراز مدى الاعتزاز بالهوية الإماراتية وعمق الانتماء للوطن. إن الحرص على الاحتفاء بمناسبات مهمة تشكل نقاطًا مضيئة في رحلة التنمية، التي انطلقت في العام 1971 نحو مستقبل يملؤه الطموح والإصرار على النجاح، هو نهج ثابت لا تتراجع عنه دبي.
لقد كان حجم المشاركة المجتمعية والتفاعل واسع النطاق من مختلف فئات المجتمع، من مواطنين ومقيمين وحتى من خارج الدولة، بمثابة الجائزة التي تُوّجت بها جهود دامت شهرًا كاملًا. وهذا يعود بفضل تكامل الأدوار واستلهام القيم النبيلة التي انطلقت منها مسيرة الإمارات، لتصل اليوم إلى مكانة مرموقة أهّلتها لتكون جديرة بالمشاركة في صُنع مستقبل العالم.
واختتمت سعادة منى المرّي حديثها بالتأكيد على أن تكامل فعاليات الشهر الوطني يعكس رؤية القيادة الرشيدة، وحرصها على استنهاض طاقات المجتمع وتمكين الشباب ليكونوا شركاء فاعلين في صياغة مستقبل الإمارات المشرق. ويبقى تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ القيم الإماراتية الأصيلة أحد أهم المحاور الأساسية في العمل، ودافعًا لمزيد من المبادرات التي تعكس الوجه الحضاري لدولة الإمارات.
منصات إبداعية ملهمة: الأثر والتفاعل
من جانبها، أكدت شيماء السويدي، مدير “براند دبي”، أن التعاون الكبير من قبل الجهات الحكومية وشبه الحكومية في دبي كان من أهم أسباب نجاح مبادرة الشهر الوطني، وهو ما يؤكد نهج دبي الثابت في العمل بروح الفريق الواحد. وأعربت عن اعتزازها بهذه المبادرة التي تسهم في تحويل المناسبات الوطنية إلى منصات تُلهِم المجتمع وتعزز قيمه وتعمّق ارتباطه بهويته.
لقد نجح الشهر الوطني في جمع كل فئات المجتمع حول رسالة واحدة مفادها أن الجميع شريك في مسيرة الإمارات نحو المستقبل. وتُمثل المناسبات الوطنية فرصة فريدة لاستحضار إرث جيل أجزل العطاء وتفانى في خدمة الوطن، ليكون ذلك حافزًا لمواصلة المسيرة بثقة وثبات نحو المستقبل عبر مبادرات تفاعلية تعزز روح المشاركة وتحتفي بقيم رفيعة ترسّخت في وجدان أبناء الإمارات.
إن النتائج التي تحققت هذا العام تعكس إبداع المجتمع الإماراتي وقدرته الفائقة على ترجمة القيم الوطنية إلى إنجاز ملموس. وقد أظهرت إحصاءات الرصد الإعلامي أن نطاق انتشار الحملة يُقدَّر بنحو 2.9 مليار تفاعل، فيما تجاوز عدد مشاهدات مقاطع الفيديو المتعلقة بالحملة 75 مليون مشاهدة، ووصل عدد الأخبار المتداولة على مختلف المنصات الإعلامية الرقمية حول الحملة إلى أكثر من 160 ألف منشور على منصات التواصل الاجتماعي. هذه الأرقام تؤكد على قوة رسالة الحملة وقدرتها على الوصول إلى جمهور واسع.
حكاية الاتحاد: استثمار في الإبداع والإنسان
في إطار متصل، قالت سارة مرداس، عضو اللجنة التنظيمية لفعاليات الشهر الوطني في دبي، إن “براند دبي” تؤمن بأن الاستثمار في الإبداع هو استثمار في الإنسان وفي مستقبل الوطن. وأعربت عن فخرها بنجاح الحملة في تحويل المظاهر الاحتفالية إلى سرد حي يعبر عن الهوية الإماراتية ويروي حكاية الاتحاد وازدهار الوطن.
وأضافت أن “براند دبي” سعيدة بما لمسته من تعاون لافت من كافة الجهات ومن جانب المجتمع، والذي كان السبب الأهم في إنجاح أهداف الحملة بتفاعله الإيجابي الكبير والواسع النطاق. وأوضحت أن الحملة كانت مناسبة مهمة أيضًا لدعم المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال الأعضاء في مبادرة “بكل فخر من دبي”، حيث وصل عدد تلك المشاريع التي تم التعاون معها خلال الحملة إلى أكثر من 150 مشروعًا، في مواقع حيوية مختلفة في دبي، إضافة إلى مشاريع منزلية في الإمارة. وهذا يبرهن على أن الفعاليات الوطنية يمكن أن تكون منصة لدعم الاقتصاد المحلي وريادة الأعمال.
يوم العلم: رمز الفخر والوحدة
بدأت فعاليات الشهر الوطني باحتفالات يوم العلم، التي انطلقت في دبي في 30 نوفمبر الماضي، وهو التاريخ الذي حدده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، لهذه المناسبة من كل عام. وقد قام سموه برفع علم الدولة في هذا اليوم أمام مبنى البوابة في مركز دبي المالي العالمي، في مشهد مهيب يعكس رمزية هذا اليوم.
مبنى البوابة: لوحة فنية تجسد الإرث
بالتعاون بين “براند دبي” ومركز دبي المالي العالمي، وفي إطار فعاليات الشهر الوطني، تم تزيين واجهة مبنى البوابة، الذي يشكل المعلم الرئيسي لمركز دبي المالي العالمي. وقد تم ذلك بعمل إبداعي ضخم بارتفاع 50 مترًا يحمل صورة المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ زايد والشيخ راشد، طيّب الله ثراهما. وقد مزج التصميم المبدع للعمل رموز الماضي ورؤية المستقبل بعناصر تجسد إنجازات الإمارات في مجالات الفضاء والابتكار، بالتعاون مع الفنان الإماراتي أحمد بافضل، الذي صمّم العمل بروح وطنية وإبداعية تترجم مشاعر الانتماء والاعتزاز بالهوية الإماراتية. هذا التجسيد الفني لم يمثل تكريمًا للآباء المؤسسين فحسب، بل ربط إرثهم برؤية الإمارات الطموحة للمستقبل.
حديقة الأعلام: مشهد يسر الناظرين
مع كونها من المعالم الرئيسية لاحتفالات الشهر الوطني، استقطبت حديقة الأعلام، التي نفذتها “براند دبي” في منطقة الشاطئ في أم سقيم 2، آلاف الزوار من المواطنين والمقيمين والسواح. لقد حرص هؤلاء على التقاط الصور التذكارية في الحديقة التي ضمت هذا العام 11 ألف علم، رسمت مجتمعة صورة الشيخ زايد والشيخ راشد رحمهما الله تعالى، بطول 60 مترًا وعرض 90 مترًا. هذا العمل الفني الضخم، الذي يجسد الوحدة والولاء، أصبح أيقونة بصرية ترمز إلى تلاحم المجتمع حول قيادته.
مترو دبي: رحلة وطنية على القضبان
إمعانًا في التعبير عن مشاعر الانتماء الوطني، وبمبادرة تعاون فريدة في إطارها “براند دبي” وهيئة الطرق والمواصلات في دبي، تم تزيين عربات مترو دبي على طول الخط الأحمر لمترو دبي، من محطة سنتر بوينت وحتى محطة إكسبو دبي. وقد حملت العربات صور القائدين المؤسسين، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراهما، وأبيات من قصيدة “الشعب والقايد” من أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله. هذه المبادرة حوّلت تجربة التنقل اليومية إلى رحلة وطنية غنية بالمعاني.
أوركسترا فردوس: أنغام تلامس الروح الوطنية
تزامنًا مع احتفالات عيد الاتحاد الـ54، أحيَت أوركسترا فردوس النسائية في الثاني من ديسمبر الماضي، حفلًا موسيقيًا بهيجًا في بيت الفن بمدينة إكسبو دبي. جاء هذا الحفل بالتعاون بين “براند دبي” ومدينة إكسبو دبي، حيث شَدَت الأوركسترا بأغنية “زايد وراشد” التي تم اختيار مقاطعها من قصيدة “الشعب والقايد”. وقد تم اختيار أوركسترا فردوس لما ترمز له بتنوع الخلفيات الثقافية للعازفات، ما يعكس الطبيعة العالمية لدبي، حيث شاركت 25 عازفة من حول العالم في تقديم هذه الأمسية الموسيقية ذات الطابع الوطني، لتُظهر كيف يمكن للموسيقى أن تكون لغة جامعة للولاء.
البرواز: تحفة فنية وطنية
نفّذت “براند دبي” بالتعاون مع بلدية دبي، عملًا إبداعيًا في الدوار المقابل لمبنى البرواز، أحد أهم معالم دبي الحديثة، والواقع عند تقاطع شارع الشيخ زايد وبالقرب من حديقة زعبيل. كان هذا العمل عبارة عن صورة تجمع المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ زايد والشيخ راشد، طيّب الله ثراهما، على مجسم أرضي ضخم قطره 82 مترًا. تمثل هذه الإضافة الإبداعية معاني وطنية مهمة ضمن رؤية شاملة تحتفي بتاريخ الإمارات وتستشرف مستقبلها المزدهر، محوّلة المساحات العامة إلى لوحات فنية تروي قصة الوطن.
مسيرة الاتحاد: تجسيد حي للولاء
شكّلت مسيرة الاتحاد التي نظّمها “براند دبي” بالتعاون مع لجنة تأمين الفعاليات في دبي، وهيئة تنمية المجتمع في دبي، الحدث الختامي لحملة الشهر الوطني. استقطبت المسيرة، التي نُظمت في الثاني من ديسمبر الماضي تزامناً مع احتفالات العيد الوطني، ما يزيد على 500 مركبة في تعبير رمزي عن مدى الولاء لمسيرة الإمارات التي بدأها الآباء المؤسسون. وقد عكست المسيرة الحرص الأكيد على مواصلة هذه المسيرة برؤية وتوجيهات قيادتنا الرشيدة.
تم اختيار نقطة انطلاق المسيرة من أمام دار الاتحاد لما لها من مكانة تاريخية عظيمة، حيث شهدت توقيع وثيقة تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورُفع فيها علم الإمارات للمرة الأولى. وقد بلغت المسيرة برج العرب، الذي يُعدّ رمزًا للتقدم الذي وصلت من خلاله دولة الإمارات إلى العالمية.
وأخيرًا وليس آخرا: مستقبل يُبنى على إرث
لقد جسّدت فعاليات الشهر الوطني في دبي، التي اختتمت مؤخرًا، نموذجًا فريدًا في كيفية تحويل المناسبات الوطنية إلى محركات قوية لتعزيز الهوية والولاء. من خلال دمج الأبعاد التاريخية والتحليلية والاجتماعية، لم تكن هذه الفعاليات مجرد احتفالات عابرة، بل منصات تفاعلية عميقة ربطت الأجيال بإرث الآباء المؤسسين ودفعتهم نحو مستقبل مشرق. الدور المحوري لـ”براند دبي” والتعاون الواسع النطاق مع مختلف الجهات، يعكس الروح التكاملية التي تميز دبي والإمارات عمومًا.
فهل تستمر هذه المبادرات في التطور، لتشمل أبعادًا أوسع في غرس القيم الوطنية، وتصبح جزءًا لا يتجزأ من النسيج الثقافي والتعليمي للدولة، لتضمن استمرارية هذا الإرث العظيم وتوسيع نطاق تأثيره على الصعيدين المحلي والعالمي؟ إن دبي، بكل تأكيد، ماضية في تعزيز هذه المسيرة، لتظل منارة للإبداع والوطنية.










