الإمارات وريادتها في استدامة المحيطات: دعائم مستقبل أزرق للكوكب
تُشكل المحيطات، بأسرارها وعمقها، أكثر من مجرد مساحات مائية شاسعة؛ إنها نبض الحياة على كوكب الأرض، ورئته التي يتنفس بها، ومصدر لا ينضب للغذاء، ودرع مناخي يحمي البشرية من تقلبات الطبيعة. في خضم هذه الأهمية القصوى، تتجلى الحاجة المُلحة لتعاون دولي راسخ للحفاظ على هذه الموارد الحيوية. وتُبرهن دولة الإمارات العربية المتحدة، بتصميمٍ لا يلين، على التزامها الثابت بهذا الهدف السامي، من خلال استضافتها لفعاليات عالمية محورية. لم تكن استضافة الدولة للاجتماع الثالث والأربعين للّجنة رفيعة المستوى للاقتصاد المستدام للمحيطات، المعروفة بـ لجنة المحيطات، مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل كانت تأكيدًا قاطعًا لدورها القيادي المتنامي في صون الطبيعة واستدامة البحار، ورسالة واضحة للعالم أجمع حول الأهمية القصوى للتعاون الدولي لتحقيق مستقبل بيئي مزدهر.
أبوظبي: مركز للحوار العالمي حول المحيطات ومستقبلها
احتضنت العاصمة أبوظبي، للمرة الأولى منذ انضمامها إلى هذه اللجنة العالمية البارزة، فعاليات اجتماع لجنة المحيطات على مدار ثلاثة أيام. وقد شهد هذا التجمع الهام مشاركة ممثلين عن خمس عشرة دولة، اجتمعت على رؤية موحدة والتزامات قوية تجاه الإدارة المستدامة للمحيطات. كان الهدف الأسمى من هذا الملتقى تعزيز سبل التعاون الدولي لضمان صحة المحيطات العالمية ومرونتها في مواجهة التحديات البيئية المتزايدة. وشكّلت هذه الاستضافة نقلة نوعية تعكس تنامي نفوذ دولة الإمارات ومكانتها كلاعب أساسي في المبادرات البيئية العالمية، لا سيما بعد مساهماتها الفاعلة في مؤتمرات عالمية سابقة حول المناخ والتنوع البيولوجي، ما يؤكد دورها المحوري في صياغة مستقبل بيئي عالمي.
قيادة مشتركة ورؤية إماراتية طموحة
تولى رئاسة الاجتماع بشكل مشترك كل من المبعوث الخاص جورج بورستينغ من النرويج والسفيرة إيلانا سيد من بالاو، مما يعكس الطابع الدولي للجهود المبذولة وأهمية الشراكة العالمية. من جانب دولة الإمارات، اضطلعت سعادة رزان خليفة المبارك، ممثلة عن رئيس الدولة وشيربا للّجنة رفيعة المستوى للاقتصاد المستدام للمحيطات والمبعوث الخاص لوزير الخارجية لشؤون الطبيعة، بمهمة الاستضافة. أكدت سعادتها في كلمتها على أن هذه الاستضافة تأتي في سياق أوسع لجهود دولة الإمارات في تعزيز التعاون الدولي لحماية المحيطات والطبيعة، وهو ما يتماشى تمامًا مع رؤيتها الاستراتيجية طويلة الأمد نحو الاستدامة الشاملة.
الفريق الوطني: جهود محلية برؤية عالمية متكاملة
خلال وقائع الاجتماع، قدمت سعادة رزان المبارك عرضًا تفصيليًا لآخر المستجدات المتعلقة بأعمال الفريق الوطني لدولة الإمارات المعني بلجنة المحيطات. هذا الفريق، الذي أُطلق في وقت سابق من العام الماضي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبدأ عمله رسميًا على مستوى الحكومة ككل في شهر نوفمبر الماضي، يمثل نقطة محورية في ترجمة الالتزامات الدولية إلى إجراءات وطنية ملموسة. إنه يعكس التنسيق الحكومي الشامل لضمان تكامل السياسات والاستراتيجيات المعنية بالمحيطات على الصعيد المحلي، ما يعكس نهجًا متكاملًا يربط بين الأهداف العالمية والتنفيذ الوطني.
تراث المحيطات والالتزام المستقبلي: جذور تاريخية لرؤية مستدامة
رحبت سعادة رزان المبارك بأعضاء اللجنة بكلمات تُبرز الارتباط التاريخي والثقافي العميق لدولة الإمارات بالبحر، قائلة: “تفتخر دولة الإمارات بعضويتها في لجنة المحيطات، ويسرها أن ترحب بممثلي اللجنة في أبوظبي، حيث لطالما شكّل البحر جزءًا أصيلًا من تراثنا وهُويتنا الوطنية.” هذا الارتباط العميق لا يقتصر على الصيد أو الملاحة التقليدية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل وعيًا عميقًا بالمسؤولية تجاه البيئة البحرية، وهو ما يوجه التزام الدولة الراسخ بحماية المحيطات. وأضافت سعادتها أن دولة الإمارات تعمل على مواءمة جهودها الوطنية مع الرؤية الجماعية للّجنة لتحقيق الإدارة المستدامة للمحيطات بنسبة 100%، مُثمنةً الشراكة مع جميع الدول الأعضاء لضمان محيط صحي ومستدام للأجيال القادمة.
إشادة دولية بدور الإمارات الفاعل
من جانبه، أشاد المبعوث الخاص جورج بورستينغ بالدور الريادي لدولة الإمارات، معربًا عن امتنان بلاده على استضافتها للاجتماع وانخراطها القوي في أعمال لجنة المحيطات. وشدد بورستينغ على أن انعقاد هذا التجمع في أبوظبي، بعد فترة وجيزة من مؤتمر الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، يؤكد الدور المتنامي لدولة الإمارات في الجهود العالمية لحماية المحيطات. وأشار إلى أن التعاون الذي تم خلال الاجتماع يشكل زخمًا مهمًا للّجنة نحو تحقيق الهدف المشترك بإدارة المحيطات بشكل مستدام بنسبة 100%، وهو ما يعكس الثقة الدولية المتزايدة في قدرة الدولة على قيادة مثل هذه المبادرات الحيوية والتنسيق الفعال.
آفاق ما بعد المؤتمرات العالمية: ربط المحيطات بالتحديات الكبرى
تطرق المشاركون في الاجتماع إلى التطورات العالمية اللاحقة لمؤتمر الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وكذلك قمة المناخ COP30 التي كانت في طور التحضير، مؤكدين على الدور المتزايد للمحيطات في مواجهة تحديات تغير المناخ، وضمان الأمن الغذائي العالمي، وتعزيز التنمية المستدامة. هذه النقاشات تعمق فهمنا بأن المحيطات ليست مجرد متلقية للتأثيرات البيئية السلبية، بل هي جزء لا يتجزأ من الحلول الممكنة للتحديات الكوكبية المعقدة. كما تناولت الجلسات سبل تعزيز التعاون العلمي وتبادل المعرفة، ودعم جهود الدول في تنفيذ السياسات والخطط المتعلقة بالمحيطات على المستوى المحلي، وهو ما يبرز أهمية الترابط الحيوي بين البحث العلمي وصناعة القرار.
استراتيجيات العمل المستقبلي نحو محيطات مرنة
ركزت المداولات على ضرورة تطوير استراتيجيات متكاملة تشمل كافة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لإدارة المحيطات. وقد تم التأكيد على أن الاستدامة لا تعني فقط الحماية، بل تشمل أيضًا الاستخدام الرشيد للموارد البحرية بطريقة لا تهدد الأجيال القادمة. إن الابتكار في التقنيات البحرية الخضراء، وتشجيع الاستثمار في الاقتصاد الأزرق المستدام، وتفعيل دور المجتمعات المحلية في صون البيئة البحرية، كانت من بين أبرز المحاور التي نوقشت، مما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون متعدد الأطراف ويضع أسسًا متينة لمستقبل بحري مزدهر.
و أخيرًا وليس آخراً
اختُتم الاجتماع بالتأكيد على التزام لجنة المحيطات بمواصلة العمل المنسق وتعزيز التعاون متعدد الأطراف، وترسيخ القيادة المستدامة في حماية المحيطات. وقد أشاد المشاركون بالدور الرائد لدولة الإمارات ومساهماتها المستمرة في الجهود العالمية الرامية إلى الحفاظ على صحة المحيطات، وهو ما يعزز مكانتها كشريك استراتيجي لا غنى عنه في هذا المجال الحيوي. تُظهر المجد الإماراتية باستمرار كيف يمكن للدول أن تلعب دورًا محوريًا في القضايا العالمية. فهل تستطيع البشرية، من خلال هذه الشراكات الفاعلة والالتزامات المشتركة، أن تحقق التوازن المنشود بين استغلال موارد المحيطات والحفاظ على حيويتها للأجيال القادمة، أم أن التحديات البيئية المتفاقمة ستفوق قدرتنا على الصون والتكيف؟ إن الإجابة تكمن في استمرارية مثل هذه الجهود المخلصة والتزامنا الجماعي نحو كوكب أزرق صحي ومستدام.









