مهرجان العين للكتاب 2025: منارة ثقافية تُضيء آفاق المعرفة والإبداع
تُمثّل الفعاليات الثقافية ركيزة أساسية في بناء الأمم وتشكيل وعي الأجيال، فهي ليست مجرد تجمعات عابرة، بل هي منصات حيوية لتبادل الأفكار، وتعزيز الهوية، وصقل المواهب. في هذا السياق، يبرز مهرجان العين للكتاب 2025 كأحد أبرز الملتقيات الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مُقدمًا رؤية طموحة لمستقبل المعرفة والإبداع. يأتي هذا المهرجان، الذي يمتد حتى نهاية نوفمبر 2025 تحت شعار “العين أوسع لك من الدار”، ليؤكد مجددًا على الدور المحوري لمدينة العين في المشهد الثقافي، وليجسد التزام القيادة بتعزيز الحراك الفكري والأدبي. لا يقتصر المهرجان على كونه معرضًا للكتاب فحسب، بل هو نسيج متكامل من الفعاليات التي تتداخل فيها الآداب والفنون والعلوم، مُشكلًا بذلك تجربة ثقافية فريدة تستقطب شرائح المجتمع كافة، وتُعلي من شأن اللغة العربية والهوية الوطنية.
افتتاح المهرجان: رعاية قيادية ودعم مستمر
شهد مهرجان العين للكتاب 2025 افتتاحًا رسميًا رفيع المستوى، حيث أُقيم تحت رعاية كريمة من سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة العين. وقد افتتح معالي الشيخ محمد بن حمدان بن زايد آل نهيان فعاليات الدورة السادسة عشرة للمهرجان، الذي يُنظمه مركز أبوظبي للغة العربية، التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. تُبرهن هذه الرعاية السامية على الأهمية التي تُوليها قيادة دولة الإمارات للثقافة كركيزة للتنمية الشاملة، وداعم قوي لتعزيز الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي. إن مثل هذه المبادرات القيادية تُشكل دافعًا رئيسيًا لاستدامة الفعاليات الثقافية، وتُسهم في ترسيخ مكانة الدولة كمركز إشعاع ثقافي وحضاري.
جولة في أروقة الثقافة: استكشاف الرؤى والتحديات
خلال جولته الافتتاحية، اطَّلع معالي الشيخ محمد بن حمدان بن زايد آل نهيان على البرامج والفعاليات الثقافية المتنوعة التي يحتضنها المهرجان، مُستكشفًا أحدث إصدارات دور النشر المحلية والعربية. وقد رافقه في هذه الجولة عدد من كبار المسؤولين، منهم معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، وسعادة سعود عبد العزيز الحوسني، وكيل دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، وسعادة الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية. استمع معاليه إلى عروض تفصيلية حول المبادرات الجديدة الهادفة إلى تعزيز دور المهرجان في تنمية الحراك الثقافي ودعم صناعة الكتاب. كما التقى نخبة من الناشرين والكتاب، متبادلًا معهم الرؤى حول التحديات والفرص التي تواجه القطاع في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، والتي تفتح آفاقًا جديدة لتوسيع انتشار المحتوى العربي وتعزيز مكانته في الأسواق العالمية.
المهرجان كمحرك للاقتصاد الإبداعي والهوية الوطنية
أكد معالي محمد خليفة المبارك على أن رعاية سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان للمهرجان تُجسّد التزام القيادة الرشيدة بترسيخ الثقافة كركيزة أساسية للتنمية وتعزيز الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي. وأشار معاليه إلى أن المهرجان يُعد محركًا رئيسيًا للاقتصاد الإبداعي والسياحة الثقافية في منطقة العين، وهو ما يتماشى مع أهداف حملة “عام المجتمع 2025”. تُعزز هذه الفعاليات مكانة أبوظبي كعاصمة ثقافية تحتضن الإبداع وتشجع على الابتكار، لضمان استدامة الثقافة جزءًا حيًا ومشتركًا في حياتنا اليومية. من جانبه، أوضح سعادة الدكتور علي بن تميم أن مهرجان العين للكتاب يُعزز حضور اللغة العربية ضمن نسيج الهوية الوطنية، ويمكّن الأجيال الجديدة من أداء دورها في الحوار الحضاري العالمي، مُسلحين بمعرفة راسخة بلغتهم وقيمهم وتقاليد إرثهم العريقة.
استلهام التراث ودعم صناعة النشر
يواصل مهرجان العين للكتاب في دورته الحالية تكريس حضوره كنموذج بارز في كيفية استلهام التراث الإماراتي الأصيل، واستقطاب مختلف فئات المجتمع، وتوثيق علاقتهم بالقراءة والكتاب في بيئة غنية بالفنون والموسيقى وأجواء تفاعلية تشجع على الإبداع والابتكار. يُحتفى المهرجان بالكتاب والكاتب الإماراتي، ويحتضن البيئة الإبداعية والإرث الثقافي الممتد لمنطقة العين، مما يُكرس حضورها النوعي كمنطقة ثقافية تراثية وسياحية بامتياز. يأتي هذا الدعم في سياق الازدهار المتنامي الذي تشهده صناعة النشر في دولة الإمارات، بفضل الدعم المستمر من القيادة الحكيمة وحرص المؤسسات الثقافية على توفير بيئة حاضنة للناشرين والمؤلفين. يسهم المهرجان في تعزيز الحراك الثقافي من خلال تمكين دور النشر الإماراتية، وإبراز إنتاجها الأدبي والمعرفي، وتوفير منصة للتفاعل بينها وبين القراء والمبدعين من داخل الدولة وخارجها، لدعم مسيرة الكتاب الإماراتي في الوصول إلى القارئ العربي والعالمي.
فعاليات متنوعة وبرامج شاملة
يُقدم مهرجان العين للكتاب 2025 أجندة حافلة تمتد على مدار أسبوع، تستهدف جميع فئات المجتمع من خلال أكثر من 200 فعالية ثقافية وفنية وتعليمية. تُشارك في هذه الفعاليات شخصيات بارزة من رموز الثقافة والشعر والفن، بالتعاون مع مؤسسات تعليمية مرموقة في الدولة، إلى جانب أكثر من 220 ناشرًا وعارضًا. تتنوع الفعاليات بين 28 جلسة ثقافية، و54 عرضًا مسرحيًا، وأكثر من 100 ورشة عمل في مجالات الأدب والفن والعلم، بما في ذلك 90 ورشة مخصصة لركن الأطفال وثلاث ورش لأصحاب الهمم، مؤكدة على شمولية المهرجان ودوره في بناء مجتمع يلتقي فيه الإبداع بمختلف أشكاله.
ليالي الشعر والبرنامج الثقافي والمطبخ الإماراتي
- ليالي الشعر: الكلمة المغناة: في قصر المويجعي، يُسلط برنامج “ليالي الشعر: الكلمة المغناة” في دورته الرابعة الضوء على الموروث الشعري الشعبي لمنطقة العين. تُقام ثماني أمسيات يشارك فيها أكثر من 30 شاعرًا، يستلهمون روح الأصالة والعطاء في قصائد تعبر عن القيم الإماراتية العميقة، تماشيًا مع إعلان العام 2025 “عام المجتمع”.
- البرنامج الثقافي: بالتعاون مع مؤسسات حكومية ومجالس مجتمعية في العين، يقدم البرنامج الثقافي جلسات حوارية تناقش قضايا المجتمع والموروث الوطني، وتمكين الشباب، وتعزيز التواصل بين الأجيال، عبر لقاءات تجمع كبار المواطنين بخبراتهم الثرية مع الشباب المبدع، في مساحة مفتوحة لتبادل الرؤى وترسيخ قيم المسؤولية والعطاء.
- من عشانا: وللمرة الأولى، يُطلق المهرجان برنامج “من عشانا” في العين سكوير – استاد هزاع بن زايد. يضيف هذا البرنامج بعدًا جديدًا للتجربة الثقافية من خلال عروض طهي حية تبرز ثراء المطبخ الإماراتي وتنوعه، عبر مشاركة مواهب محلية تقدم يوميًا فوالة المساء ووجبة العشاء في أجواء تفاعلية تعزز روح الابتكار والتواصل مع المجتمع.
التعليم والمستقبل: ركن جيل ألفا ومبادرة “على درب العلم”
في الموقع الرئيس للمهرجان، يحتضن البرنامج التعليمي أنشطة علمية ومسرحية ومسابقات ترفيهية وجلسات قراءة مخصصة للأطفال والعائلات. بينما يُقدم ركن جيل ألفا ورشًا تجمع بين الفن والعلم والتكنولوجيا والأدب للأطفال واليافعين، بهدف بناء جيل واعٍ ومبتكر. بالإضافة إلى ذلك، يشهد المهرجان إطلاق مبادرة “على درب العلم” في عدد من المدارس والجامعات لنشر رسالة المهرجان في دعم التعليم والثقافة بين الأجيال الجديدة، وتأكيدًا على دور المعرفة في تشكيل المستقبل. شهدت انطلاقة المهرجان كذلك حفل تكريم الفائزين بجائزة “كنز الجيل”، احتفاءً بإسهاماتهم في إثراء المشهد الشعري والأدبي في دولة الإمارات، وترسيخ القيم الجمالية في الأدب المعاصر.
و أخيرا وليس آخرا: العين، جسر بين الماضي والمستقبل
يُشكل مهرجان العين للكتاب 2025 نافذة متجددة تطل منها منطقة العين على الثقافة العربية والعالمية، ومنبرًا يعبر عن تلاقي الفكر والفن والمجتمع. يواصل المهرجان مسيرته في جعل اللغة العربية جسرًا بين الماضي والمستقبل، مؤكدًا مكانة إمارة أبوظبي في صدارة المشهد الثقافي الإقليمي والعالمي. إنه ليس مجرد حدث سنوي، بل هو استثمار في الوعي، وتأكيد على أن الثقافة هي القوة الدافعة الحقيقية لأي نهضة. فهل ستستمر هذه المهرجانات في نسج خيوط المعرفة والإبداع لتشكل لوحة فنية حضارية متكاملة تعكس طموح الإمارات نحو مستقبل مشرق؟









