الشركات العائلية في دبي: استدامة وريادة نحو المستقبل الاقتصادي
تظل الشركات العائلية في دبي ركيزة أساسية في صميم النسيج الاقتصادي للإمارة، فهي ليست مجرد كيانات تجارية، بل هي حافظة للإرث، ومحرك للابتكار، وجسر يربط الماضي بالمستقبل. في عالم يتسارع فيه التغير الاقتصادي والتقني، تبرز أهمية دعم هذه الشركات لضمان استمرارية نجاحها وتطورها، لا سيما مع تحديات انتقال القيادة بين الأجيال. هذا التحدي، الذي يواجهه عديد من الاقتصادات العالمية، يُعالج في دبي برؤية استشرافية تهدف إلى تعزيز مرونة هذه الشركات وقدرتها على التكيف والنمو، مما يضمن بقاءها قوى دافعة للازدهار الاقتصادي الشامل.
رؤية قيادية لتعزيز الاقتصاد المستدام
برؤية ثاقبة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يواصل اقتصاد دبي ترسيخ مكانته كنموذج عالمي للريادة والتميز. هذه الرؤية تركز على تحقيق الاستدامة والاستثمار في فرص المستقبل وتوجهات الاقتصاد الجديد، مع التأكيد على تنوع ومرونة القطاعات الاقتصادية. وفي هذا السياق، أكد سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، أن هدف دبي هو تحقيق أقصى الإمكانيات في جميع القطاعات، معتبراً الشركات العائلية ركيزة بالغة الأهمية ومحركاً أساسياً للتنمية الشاملة.
إرث متجدد وتمكين للقيادات
تتمتع الشركات العائلية في دبي بإرث غني من الخبرة والمعرفة المتراكمة عبر عقود طويلة. إن العمل على تمكين قادتها الجدد يمثل استثماراً حاسماً لضمان انتقال هذه الخبرات القيمة إلى الأجيال القادمة وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات العصر. هذا التمكين لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل يهدف إلى تعزيز قدرة هذه الشركات على الابتكار والنمو في بيئة الأعمال دائمة التغير، مما يضمن لها موقعاً ريادياً في المشهد الاقتصادي المستقبلي.
“برنامج دبي لإدارة الشركات العائلية”: استثمار في الأجيال القادمة
شهدت دبي حدثاً مهماً في إطار دعم الشركات العائلية، تمثل في تخريج الدورة الثانية من برنامج دبي لإدارة الشركات العائلية. هذا البرنامج، الذي أطلقه سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، في أكتوبر 2023، ينظمه مركز دبي للشركات العائلية بالتعاون مع مركز محمد بن راشد لإعداد القادة. يهدف البرنامج إلى ضمان استمرارية هذه الشركات وتخطيط التعاقب في ملكيتها وإدارتها، من خلال تطوير مهارات الإدارة الفعالة والارتقاء بممارسات الحوكمة.
ملتقى محمد بن راشد للقادة: منصة للتبادل المعرفي
جاء تخريج هذه الدورة ضمن فعاليات ملتقى محمد بن راشد للقادة، وهو الملتقى السنوي الأبرز في مجالي الإدارة والقيادة. استقطب الملتقى، الذي نظمه مركز محمد بن راشد لإعداد القادة، أكثر من 1000 شخصية قيادية من القطاعين الحكومي والخاص في دبي. كان الهدف الأساسي للملتقى هو مناقشة التحول الإداري والقيادي المستقبلي، وترسيخ أفضل الممارسات التي تتماشى مع رؤية دبي لتكون أفضل مدينة في العالم.
أهمية الشركات العائلية في المشهد الاقتصادي
تكتسب الشركات العائلية أهمية استراتيجية خاصة في التوجهات التنموية لاقتصاد دبي ودولة الإمارات عموماً. فهي تمثل نحو 90% من إجمالي عدد الشركات الخاصة في الدولة، وتتوزع استثماراتها على مجالات اقتصادية واسعة ومتنوعة. كما تساهم هذه الشركات بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات، وتوظف أكثر من 70% من القوى العاملة في القطاع الخاص، مما يؤكد دورها الحيوي في خلق فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل.
برنامج تدريبي نوعي لقيادات الصف الثاني
تضمنت الدورة الثانية من برنامج دبي لإدارة الشركات العائلية برنامجاً تدريبياً مكثفاً استهدف قيادات الصف الثاني في هذه الشركات. أشرف على المساقات التدريبية نخبة من أساتذة المعهد الدولي للتنمية الإدارية، وشملت جلسات افتراضية وأخرى للتوجيه الإرشادي الشخصي. ركز البرنامج على تزويد الجيل الجديد بالمهارات الأساسية لتعزيز كفاءاتهم الإدارية وتطوير إمكاناتهم القيادية، بما يضمن نجاح الشركات على المدى الطويل ونموها المستدام.
الأولويات الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية
استهدفت مساقات البرنامج تعريف المنتسبين بالتوجهات والأولويات الاقتصادية في دبي، خصوصاً أجندة دبي الاقتصادية D33 التي تسعى لمضاعفة حجم اقتصاد الإمارة. كما ركز البرنامج على تعزيز الشراكات الحكومية والخاصة، مستفيداً من قصص النجاح السابقة، وإشراك المنتسبين في مشاريع اقتصادية حيوية عبر هذه الشراكات. وتم بناء جسور تواصل قوية بين الشركات العائلية والمؤسسات الحكومية، بهدف تعزيز الشراكات الاقتصادية والمجتمعية التي تدفع عجلة التنمية.
تنمية المهارات القيادية وتطبيق المفاهيم
عمل البرنامج على تنمية المهارات والخبرات القيادية للصف الثاني من قادة الشركات العائلية، من خلال مناهج عالمية للتدريب المتقدم. هذه المناهج تدعم جاهزيتهم لإدارة الشركات بفعالية واقتدار، بالاعتماد على أفضل الممارسات والأطر الإدارية العالمية. كما أتاح البرنامج للمشاركين فرصة الاستفادة من الخبرات الأكاديمية الرائدة عالمياً والتفاعل مع قادة بارزين للشركات العائلية من خلال دراسة حالات مباشرة وزيارات ميدانية.
مشاريع تطويرية وتعزيز الثقة
شكل البرنامج أيضاً فرصة للمشاركين للعمل على مشاريع تطويرية لشركاتهم العائلية، من خلال تطبيق الأطر والمفاهيم المكتسبة. كما مكنهم من التواصل مع نظرائهم من الشركات العائلية حول العالم، والمشاركة في جلسات توجيه وإرشاد شخصية لتحقيق أهداف التطوير الذاتي. تعرف المشاركون على كيفية بناء وتعزيز الثقة والمصداقية في مجتمع الأعمال وبين المساهمين من العائلة، وأمام مجلس وفريق الإدارة، مما يعزز جاهزيتهم للاستجابة للمتطلبات المستجدة على الصعيدين الشخصي والعائلي والإداري.
و أخيرا وليس آخرا
لقد استعرضنا كيف أن دعم الشركات العائلية في دبي، من خلال مبادرات نوعية مثل برنامج دبي لإدارة الشركات العائلية، يمثل استراتيجية محورية لتعزيز صلابة الاقتصاد المحلي وقدرته على النمو المستدام. هذه الشركات، بتاريخها العريق ودورها الحيوي في الناتج المحلي وتوظيف الأيدي العاملة، تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تتطلب قيادات شابة وممكنة قادرة على التكيف مع تحديات المستقبل وابتكار حلول مبتكرة. فهل ستنجح هذه المبادرات في إعداد جيل من القادة القادرين على صياغة مستقبل اقتصادي أكثر إشراقاً لدبي، محافظين على الإرث ودافعين بعجلة التقدم؟ إن الاستثمار في هذه الكفاءات الواعدة هو السبيل نحو ضمان استمرار ريادة دبي كمركز عالمي للأعمال والابتكار.






