تنظيم تملك العقارات في الشارقة: تطور تشريعي يعزز الاستثمار والتنمية
لطالما كانت القوانين المنظمة لملكية العقارات ركيزة أساسية في استقرار الأسواق العقارية وجذب الاستثمارات، وتُعد إمارة الشارقة، بما تمتلكه من رؤية تنموية طموحة، في طليعة الإمارات التي تسعى لتحديث إطارها التشريعي بما يواكب هذه الطموحات. في هذا السياق، شهدت الإمارة تطورات قانونية مهمة أسهمت في إعادة تعريف حق تملك العقارات وتوسيع نطاق المستفيدين منه، مع المحافظة على خصوصية المجتمع ومتطلبات التنمية المستدامة. هذه التعديلات لم تقتصر على مجرد نصوص قانونية، بل مثلت قفزة نوعية في تعزيز المرونة الاستثمارية، مع مراعاة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية.
تُشكل هذه التعديلات نقطة تحول، لا سيما بعد صدور القانون رقم 2 لسنة 2022، الذي عدل بعض أحكام القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن التسجيل العقاري، إلى جانب القرارات التنفيذية الصادرة عن المجلس التنفيذي لحكومة الشارقة. وهي تعكس ديناميكية التشريع في الإمارة وقدرته على الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية، مما يعزز مكانة الشارقة كوجهة استثمارية وعقارية جاذبة.
القيود والاستثناءات على تملك العقارات للأفراد
في إطار تعزيز الاستقرار والتنظيم، نصت المادة (1) من القانون رقم 2 لسنة 2022، التي حلت محل المادة (4) من القانون رقم 5 لسنة 2010، على أن حق تملك العقارات في الإمارة يقتصر بشكل أساسي على مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة ومواطني دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. هذا التحديد يعكس سياسة واضحة تهدف إلى حفظ الأولويات الوطنية والإقليمية.
ومع ذلك، أُقرت استثناءات مهمة تفتح الباب أمام فئات أخرى من المستثمرين لتملك العقارات، ما يعكس توجهاً نحو المرونة الاقتصادية. هذه الاستثناءات تشتمل على:
- التمليك بموافقة الحاكم: حيث يتيح هذا البند صلاحية تقديرية تمنح الحاكم الحق في الموافقة على تملك العقارات لغير المواطنين والخليجيين.
- الانتقال بالإرث: يمكن لغير المواطنين والخليجيين تملك العقارات في الإمارة عبر الإرث بمقتضى إعلام شرعي، مما يحافظ على حقوق الورثة.
- التنازل لذوي القربى: يجوز للمالك التنازل عن العقار لأحد أقربائه من الدرجة الأولى وفقاً لما تحدده اللائحة التنفيذية للقانون، ما يعزز الروابط الأسرية.
- التمليك في مناطق ومشاريع التطوير العقاري: وهذا الاستثناء يُمثل حجر الزاوية في استقطاب الاستثمارات، حيث يسمح بالتملك في مناطق ومشاريع التطوير العقاري وفق ضوابط يحددها المجلس التنفيذي.
قرار المجلس التنفيذي رقم 30 لسنة 2022: توسيع آفاق التملك
في الأول من نوفمبر لعام 2022، صدر القرار رقم 30 لسنة 2022 عن المجلس التنفيذي لإمارة الشارقة، والذي جاء ليفصّل شروط تملك غير المواطنين للعقارات. نصت المادة (1) من هذا القرار على جواز تملك الشخص الطبيعي أو الاعتباري من غير مواطني دولة الإمارات أو دول مجلس التعاون الخليجي للعقارات بكافة أنواعها واستخداماتها ملكية مطلقة غير مقيدة بزمن، وذلك ضمن ضوابط محددة:
- يجب أن يكون التملك في مناطق ومشاريع التطوير العقاري المعتمدة في الإمارة، وفقاً للشروط والإجراءات التي تحددها اللجنة المختصة.
- ألا تتجاوز نسبة تملك غير المواطنين والخليجيين في منطقة أو مشروع التطوير العقاري 50% من إجمالي الوحدات العقارية في المشروع، لضمان التوازن السكاني والاستثماري.
كما حددت المادة (2) من القرار رسوماً معينة:
- يُستوفى رسم تمليك العقار لغير المواطنين والخليجيين بنسبة 2% من قيمة عقد البيع.
- في حال كان مشتري الوحدة العقارية منتفعاً بها بموجب عقد انتفاع مصدق لدى دائرة التسجيل العقاري، يُعفى من رسم البيع ويلتزم برسم التمليك فقط.
التزامات الأشخاص الاعتباريين وضرورة الشفافية
فرضت المادة (2) من القانون رقم 2 لسنة 2022، التي حلت محل المادة (7) من القانون رقم 5 لسنة 2010، عدة التزامات على الشخص الاعتباري الذي يملك عقاراً في إمارة الشارقة. هذه الالتزامات تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان الامتثال للقوانين المنظمة لملكية العقارات، وتجنب أي تجاوزات قد تؤثر على استقرار السوق.
تتضمن هذه الالتزامات ما يلي:
- الإبلاغ عن التغييرات: يجب على الشخص الاعتباري إبلاغ الدائرة المختصة بأي تغيير يطرأ على ملكيته، مثل النقص أو الزيادة في حصص الشركاء، أو نقل ملكيته، أو التغيير في شكله القانوني أو اسمه التجاري.
- تصحيح الأوضاع المخالفة: في حال إدخال شريك أو نقل ملكية إلى أشخاص لا يحق لهم تملك العقارات في الإمارة بمخالفة أحكام القانون، يتعين على الشخص الاعتباري تصحيح الوضع خلال سنتين من تاريخ إخطار الدائرة بالمخالفة. هذه المدة قابلة للتمديد بموافقة المجلس، وبناءً على عرض الدائرة. وفي حال عدم التصحيح، تتولى المحكمة المختصة بيع العقار لأشخاص يحق لهم التملك، ويعود ثمن البيع للشخص الاعتباري بعد استقطاع الرسوم والمصروفات.
تنظيم ملكية وانتفاع الشركات والمؤسسات بالعقارات
لم يغفل المشرع تنظيم ملكية الشركات والمؤسسات للعقارات، فأصدر المجلس التنفيذي لحكومة الشارقة القرار رقم (9) لسنة 2022 بشأن تنظيم ملكية وانتفاع الشركات والمؤسسات بالعقارات في إمارة الشارقة. هذا القرار يوضح الإطار القانوني لتعامل الكيانات الاعتبارية مع العقارات، مما يضفي مزيداً من الوضوح والثقة للمستثمرين.
يُطبق هذا القرار على جميع الشركات والمؤسسات التي تمتلك أو تنتفع بالعقارات في الإمارة. ومن أبرز ما جاء فيه:
- شركات المواطنين والخليجيين: يجوز للشركات والمؤسسات المملوكة بالكامل لمواطني الدولة أو دول مجلس التعاون الخليجي التملك والانتفاع بالعقارات في الإمارة، مع مراعاة الاستثناءات الواردة في القوانين السارية.
- شركات المناطق الحرة والأجنبية: يجوز لشركات المناطق الحرة والشركات المملوكة لأشخاص لا يحملون جنسية الدولة، وكذلك الشركات الأجنبية، التعامل بنظام الانتفاع بالعقارات في الإمارة وفق ضوابط وشروط محددة، ما يفتح آفاقاً واسعة للاستثمار الأجنبي المباشر.
التزامات الشركات والمؤسسات المالكة أو المنتفعة
لضمان تطبيق سليم لهذه الأحكام، تلتزم الشركات والمؤسسات المالكة أو المنتفعة بالعقارات، أو الراغبة في ذلك، بالآتي:
- التناسب مع النشاط: مراعاة التناسب بين تخصيص العقار ونشاط وغرض الشركة أو المؤسسة وفق الضوابط التي تحددها الدائرة.
- إخطار بالتصرفات: إخطار الدائرة بأي تصرف أو إجراء في ملكية وحصص الشركاء أو في الشكل القانوني أو الاسم التجاري، واستيفاء الإجراءات وسداد الرسوم خلال 30 يوماً، باستثناء شركات المساهمة العامة.
- مناطق الانتفاع: الانتفاع بالعقارات في المناطق التي تحددها الحكومة.
- تعهد شركات المناطق الحرة: تقديم خطاب تعهد من سلطة المنطقة الحرة بعدم إجراء أي تعديل على رخصة المنشأة في حال الانتفاع.
- فرع للشركات الأجنبية: وجود فرع مرخص للشركة الأجنبية في الدولة.
ولتنفيذ أحكام هذا القرار، يحق للدائرة المختصة التنسيق مع الجهات المعنية لتوفير البيانات والمعلومات، وتعديل البيانات في السجل العقاري، وإخطار الشركات والمؤسسات بتحديث بياناتها لتوفيق أوضاعها.
و أخيرا وليس آخرا
تُجسد هذه التعديلات القانونية في إمارة الشارقة رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز جاذبية السوق العقاري، من خلال توفير إطار تشريعي مرن وواضح يحمي حقوق جميع الأطراف. إنها تعكس التزام الإمارة بدعم النمو الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار، وتوفير بيئة أعمال تنافسية. فمن خلال تنظيم حق تملك العقارات للعديد من الفئات، ومع تحديد الالتزامات والضوابط بدقة، تضع الشارقة أسسًا قوية لمستقبل عقاري مزدهر ومستدام. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيف ستستمر هذه التعديلات في تشكيل المشهد العقاري، وهل ستدفع بموجة جديدة من الابتكار والاستثمار في الإمارة؟ إن التجربة الماضية في الشارقة، والتي أظهرت قدرة تشريعية على التكيف والتطور، تُنبئ بمستقبل واعد، حيث تبقى الإمارة محركاً رئيسياً للتنمية المستدامة في المنطقة، مستفيدة من هذه التشريعات الحديثة التي تصب في صالح تعزيز مكانتها كمركز حيوي للأعمال والاستثمار.










