مبادرة القرم بعدسة الشباب في الإمارات: عدسة فنية لتعزيز الوعي البيئي
تتجلى العلاقة بين الفن والبيئة في صور بهية، وتُبرز رؤى متجددة لمواجهة التحديات المناخية الراهنة. ففي سياق سعيها الدؤوب لتعزيز الوعي البيئي وصون الموارد الطبيعية، أعلنت وزارة التغير المناخي والبيئة في دولة الإمارات العربية المتحدة عن إطلاق مبادرة نوعية بعنوان “القرم بعدسة الشباب“. هذه المبادرة، التي جرى تنفيذها بالتعاون مع البرنامج العالمي للشباب وبالشراكة مع شركة نيكون – الشرق الأوسط، تمثل نموذجاً فريداً لدمج الإبداع الفني في العمل البيئي، مستهدفةً إشراك الأجيال الشابة في حماية كنوز الإمارات البيئية.
رؤية استراتيجية لدعم أهداف المناخ
تأتي مبادرة “القرم بعدسة الشباب” كخطوة استراتيجية متقدمة ضمن التزام دولة الإمارات الراسخ بأهداف “تحالف القرم من أجل المناخ”. هذا التحالف، الذي أطلقته الإمارات بالتعاون مع جمهورية إندونيسيا، ويضم اليوم في عضويته أكثر من 45 دولة، يهدف إلى نشر وزراعة أشجار القرم على نطاق عالمي. وتُعد أشجار القرم واحدة من الحلول القائمة على الطبيعة الأكثر فعالية في مواجهة التحديات المناخية، نظراً لدورها المحوري في تخزين الكربون وحماية السواحل ودعم التنوع البيولوجي.
إن هذه الجهود تأتي في سياق رؤية أوسع ترسخت في الإمارات منذ عقود، حيث أولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أهمية قصوى للبيئة وصونها. لقد كانت رؤيته سبّاقة في زمن كانت فيه قضايا التغير المناخي لم تحظ بالاهتمام العالمي الذي تحظى به اليوم، مما رسخ إرثاً بيئياً خالداً تبني عليه الأجيال الحالية والمستقبلية.
دمج الفنون في العمل البيئي
تهدف المبادرة بشكل أساسي إلى المزج بين الفنون الإبداعية والعمل البيئي من خلال تنظيم سلسلة من جولات التصوير الفوتوغرافي الاحترافية، المعروفة بـ”Photo-Walks”، في أبرز محميات القرم الطبيعية المنتشرة في أنحاء الدولة. هذه الجولات لا تقتصر على كونها فرصة لالتقاط الصور الجميلة، بل هي منصة لتمكين الشباب من استكشاف جماليات البيئة المحلية وتوظيف مهاراتهم الإبداعية في السرد البصري.
يُعد السرد البصري أداة قوية للتعريف بالقيمة البيئية لهذه المحميات، وتحويل الشباب إلى سفراء فاعلين للبيئة، ومساهمين مؤثرين في نقل رسالة تحالف القرم إلى العالم. فكل صورة يمكن أن تصبح رسالة ملهمة، وكل لقطة تروي قصة عن أهمية هذه النظم البيئية الحيوية.
أهمية القرم ودوره الحيوي
تنسجم هذه المبادرة مع جهود وزارة التغير المناخي والبيئة لرفع الوعي المجتمعي بأهمية نظم القرم البيئية. فأشجار القرم ليست مجرد أشجار، بل هي منظومات بيئية متكاملة تلعب أدواراً لا غنى عنها في:
- تخزين الكربون: تُعد غابات القرم من أكثر النظم البيئية قدرة على امتصاص وتخزين ثاني أكسيد الكربون، مما يساهم بفعالية في التخفيف من آثار التغير المناخي.
- حماية السواحل: تعمل غابات القرم كحواجز طبيعية تحمي السواحل من التعرية وتأثيرات العواصف وارتفاع منسوب مياه البحر.
- دعم التنوع البيولوجي: توفر بيئة حاضنة للعديد من الكائنات البحرية والطيور والأسماك، مما يعزز التنوع البيولوجي البحري والساحلي.
تمكين الشباب: سفراء البيئة المستقبليون
أكدت مديرة إدارة الاتصال الحكومي في وزارة التغير المناخي والبيئة، أن هذه المبادرة تندرج ضمن استراتيجية الوزارة لتعزيز التثقيف البيئي عبر أدوات فنية وإبداعية مبتكرة تصل إلى كافة فئات المجتمع، ولا سيما الشباب. وقالت: “نؤمن في الوزارة بأن الوعي هو حجر الزاوية في العمل البيئي، وأن الصورة أصدق وسيلة لنقل الرسالة وأسرعها تأثيراً. هدفنا من خلال مبادرة ‘القرم بعدسة الشباب’ هو أن نرى بيئتنا بعيون مبدعينا الشباب، وأن نحول كل صورة يلتقطونها إلى رسالة تلهم المجتمع لحب الطبيعة وحمايتها.”
إن دمج الموهبة الفنية بالمعرفة البيئية يمثل أحد أفضل السبل لترسيخ ثقافة الاستدامة وجعلها أسلوب حياة لدى الأجيال القادمة. فشباب اليوم هم سفراء الطبيعة لدولة الإمارات وغداً. الشراكة مع “نيكون الشرق الأوسط” تعكس الدور الحيوي للتعاون مع القطاع الخاص في دعم العمل البيئي، مع التطلع إلى إنتاج محتوى إبداعي يبرز الوجه البيئي لدولة الإمارات ويبني على الإرث الخالد الذي أرساه الوالد المؤسس في الحفاظ على الطبيعة.
برنامج متكامل للتطوير والتدريب
استهدفت الفعالية الشباب من كافة الجنسيات في الفئة العمرية ما بين 15 إلى 35 عاماً، وقدمت لهم برنامجاً متكاملاً يمزج بين المعرفة النظرية والمهارة العملية. بدأت التجربة بورشة توعية بيئية قدمها خبراء التنوع البيولوجي في وزارة التغير المناخي والبيئة، لتسليط الضوء على أهمية أشجار القرم ودورها في التوازن البيئي.
تلت ذلك جلسة تدريبية احترافية حول تصوير الحياة البرية باستخدام كاميرات نيكون، قدمها فريق متخصص من برنامج نيكون للشباب. وقد تُوِّجت هذه التجربة بجولة ميدانية للتطبيق العملي داخل المحميات الطبيعية. أتاحت هذه الجولات للمشاركين فرصة فريدة لإبراز جمال غابات القرم والتنوع البيولوجي الساحر عبر عدساتهم.
كانت الجولات الصباحية تنطلق خلال عطلات نهاية الأسبوع من شهر ديسمبر، وقد شملت محطات ميدانية بارزة في مختلف إمارات الدولة:
- منتزه الجبيل في أبوظبي: شهد هذا المنتزه في يوم السبت الموافق 13 ديسمبر، إقبالاً من المشاركين الذين استكشفوا جمالياته الطبيعية.
- محمية جبل علي في دبي: استقبلت المحمية المشاركين يوم الأحد الموافق 14 ديسمبر، لتعرض لهم تنوعها البيئي الفريد.
- محمية الزوراء في عجمان: كانت المحطة الثالثة يوم السبت الموافق 20 ديسمبر، حيث أظهر الشباب إبداعاتهم في توثيق طبيعة المحمية.
- مركز خور كلباء لأشجار القرم في الشارقة: اختتمت الجولات يوم الأحد الموافق 21 ديسمبر، في هذا المركز الحيوي الذي يمثل رمزاً للحفاظ على القرم.
كانت المقاعد محدودة، ما بين 15 إلى 20 مشاركاً فقط لكل جولة، لضمان جودة التجربة التدريبية المقدمة لكل فرد.
وأخيرا وليس آخرا: مستقبل مشرق بعدسة الشباب
تُجسّد مبادرة “القرم بعدسة الشباب” نهجاً استباقياً لدولة الإمارات في التعامل مع قضايا المناخ والبيئة، عبر الاستثمار في الطاقة الكامنة لدى الشباب. إنها لا تقتصر على تدريبهم على فن التصوير، بل تهدف إلى غرس حس المسؤولية البيئية لديهم، وتحويلهم إلى صناع رأي ومؤثرين إيجابيين في مجتمعاتهم. فهل ستنجح مثل هذه المبادرات في إلهام جيل كامل لإعادة اكتشاف علاقتنا بالطبيعة، وتغيير مسار التحديات البيئية التي تواجه كوكبنا؟ إن الإرث البيئي لدولة الإمارات، المدعوم برؤية الشباب وإبداعهم، يرسم بلا شك ملامح مستقبل أكثر استدامة.








