تعزيز الشراكة الاقتصادية: جولة راكز الترويجية في الهند ودورها المحوري
تُمثل الشراكة الاقتصادية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند نموذجًا فريدًا للتعاون الدولي، يتجاوز الأبعاد التجارية التقليدية ليلامس آفاقًا أوسع من التبادل المعرفي والاستثماري. في هذا السياق، اختتمت هيئة مناطق رأس الخيمة الاقتصادية (راكز) جولة ترويجية مكثفة في الهند، قادها الرئيس التنفيذي للمجموعة رامي جلاد، شملت مدنًا رئيسية مثل بوني وتشيناي وبنغالور ونيودلهي. لم تكن هذه الجولة مجرد سلسلة من الاجتماعات، بل كانت تجسيدًا حيًا للالتزام بتعزيز العلاقات الاقتصادية، ومحطة مفصلية في مسيرة التعاون الثنائي ضمن إطار اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA). إنها خطوة استراتيجية تُبرهن على الرؤية الثاقبة لدولة الإمارات في استقطاب الاستثمارات العالمية، وتوفير بيئة جاذبة للنمو والتوسع.
آفاق التعاون التجاري: بناء الجسور بين الإمارات والهند
جمعت فعاليات هذه الجولة أكثر من 200 شركة هندية، تنشط في قطاعات استراتيجية متنوعة، مما يؤكد اهتمام الجانب الهندي بالفرص الاستثمارية في الإمارات. وتأتي هذه الجهود في إطار تعزيز التعاون التجاري الذي رسخته اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين، والتي فُعلت منذ عدة سنوات بهدف زيادة التبادل التجاري غير النفطي إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030. إن مثل هذه الاتفاقيات لا تقتصر على تسهيل حركة السلع والخدمات فحسب، بل تمتد لتشمل تسهيل الاستثمارات وتبادل الخبرات التقنية.
محطات بارزة في الجولة الترويجية: شراكات استراتيجية ودعم للابتكار
تضمنت الجولة الترويجية محطات بارزة عكست عمق التعاون وطموح الطرفين، كان من أهمها المشاركة في النسخة السابعة من معرض الهند الصناعي، والتي وفرت منصة مثالية لعرض المزايا التنافسية لإمارة رأس الخيمة. كما شهدت الجولة حدثين رئيسيين:
- توقيع مذكرة تفاهم مع اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية: شكل هذا التوقيع نقطة تحول نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، والتأكيد على طموح الطرفين في تبادل المعرفة وتنظيم فعاليات مشتركة.
- اختتام مبادرة سلسلة الشركات الناشئة “الإماراتية-الهندية”: تُعد هذه المبادرة الرائدة ضمن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الأولى من نوعها، وتهدف إلى اكتشاف الشركات الهندية المبتكرة ودعم توسعها العالمي.
وجرى تنظيم هذه الجولة بالتعاون الوثيق مع اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية، وبدعم من غرف تجارية رائدة في تشيناي، بما في ذلك غرف تجارة تاميل وأندرا وهندوستان وجمعية كل الهند للصناعات، بهدف ربط راكز بكبار الصناعيين ورواد الأعمال الباحثين عن فرص للتوسع العالمي.
رأس الخيمة: بوابة استراتيجية للاستثمارات الهندية
تركزت النقاشات خلال الجولة على استعراض المزايا الصناعية التنافسية لإمارة رأس الخيمة، التي تقدم بيئة أعمال سهلة وفعالة من حيث التكلفة. كما تم تسليط الضوء على فرص إقامة مشاريع مشتركة، والتعاون التقني، وإمكانية دخول أسواق جديدة عبر بوابة دولة الإمارات. إن رأس الخيمة، بموقعها الاستراتيجي وبنيتها التحتية المتطورة، أصبحت وجهة مفضلة للمستثمرين الباحثين عن منصة للانطلاق نحو الأسواق الإقليمية والعالمية.
مذكرة التفاهم: تعزيز العلاقات الاقتصادية
في نيودلهي، شهدت الجولة توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية بين رامي جلاد ومناب ماجومدار، المستشار الأول في اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية. تهدف هذه المذكرة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتشجيع تبادل الزيارات للوفود، وتوفير منصات جديدة لمشاركة الشركات الهندية في المبادرات المدرجة تحت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. جاء التوقيع خلال جلسة نقاشية جمعت قادة من قطاعات التصنيع والهندسة والكيماويات ومواد البناء، لبحث فرص الاستثمار المتنوعة في رأس الخيمة.
دعم الابتكار: سلسلة الشركات الناشئة “الإماراتية-الهندية”
اختتمت الجولة بنجاح مبادرة سلسلة الشركات الناشئة “الإماراتية-الهندية”، التي تمثل ركيزة أساسية ضمن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. تهدف هذه المبادرة إلى تحديد ودعم الشركات الهندية الواعدة التي تتمتع بقدرات ابتكارية عالية، لمساعدتها على التوسع العالمي. وفي حفل الختام الذي أقيم في نيودلهي، تم تسليط الضوء على مجموعة من الشركات المتميزة.
من بين هذه الشركات، برزت شركة بايورفوم من حيدر أباد، المتخصصة في إنتاج حلول تغليف مستدامة توفر بدائل قابلة للتحلل للمركبات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. وبصفتها إحدى الشركات الفائزة، ستحصل “بايورفوم” على دعم مباشر من راكز لتوسيع نطاق عملياتها وتسريع نموها الدولي ضمن منظومة الأعمال في إمارة رأس الخيمة. هذا الدعم يعكس التزام راكز بدعم الابتكار والشركات الناشئة التي تُقدم حلولاً مستدامة.
رؤية مستقبلية: نمو مستدام وشراكة قوية
أكد رامي جلاد أن الهند تواصل ترسيخ مكانتها كأحد أكثر الاقتصادات حيوية على مستوى العالم. وأشار إلى أن اللقاءات التي عقدتها راكز في المدن الهندية تؤكد وجود اهتمام كبير من الشركات الهندية بالتوسع في دولة الإمارات، حيث تقدم رأس الخيمة منصة ديناميكية وفعالة من حيث التكلفة للنمو. هذه الجهود تعكس حرص “المجد الإماراتية” على تعزيز الشراكة مع اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية، وتدعم الالتزام المشترك بدعم الابتكار وتطوير القطاع الصناعي، وتعزيز التعاون طويل الأمد في إطار اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة.
وأخيرًا وليس آخرًا
لقد شكلت الجولة الترويجية لهيئة مناطق رأس الخيمة الاقتصادية في الهند، إلى جانب توقيع مذكرة التفاهم واختتام سلسلة الشركات الناشئة، خطوة استراتيجية ومهمة نحو تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين دولة الإمارات والهند. هذه المبادرات لا تساهم فقط في ترسيخ مكانة راكز كبوابة استراتيجية للشركات الهندية الراغبة في التوسع الإقليمي والعالمي، بل تعكس أيضًا رؤية أوسع لتعميق الروابط الاقتصادية والثقافية بين الدولتين. فهل ستنجح مثل هذه المبادرات في إرساء أسس لنموذج جديد من التعاون الاقتصادي القائم على الابتكار والاستدامة، بما يتجاوز مجرد التبادل التجاري إلى بناء شراكات معرفية وتقنية مستدامة تعود بالنفع على الأجيال القادمة؟






