مبادرة تقدير: نموذج إماراتي رائد لتبسيط الخدمات وتكريم أهل العطاء
لطالما سعت الحكومات العصرية جاهدةً لتحقيق أقصى درجات الفعالية واليسر في تقديم خدماتها لمواطنيها. إن تبسيط الإجراءات الحكومية لم يعد رفاهية إدارية، بل أصبح حجر الزاوية في تعزيز جودة الحياة ودفع عجلة التنمية المستدامة. في هذا السياق، تتجلى الرؤى الاستشرافية لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي أسفرت عن مبادرات نوعية تهدف إلى الارتقاء بالخدمات الحكومية نحو آفاق غير مسبوقة. ومن بين هذه المبادرات الرائدة، تبرز باقة تقدير، التي أُطلقت ضمن جهود مكثفة لـ “تصفير البيروقراطية”، لتشكل نموذجًا يحتذى به في التفاعل الإيجابي مع الفئات المجتمعية الأكثر استحقاقًا للدعم والرعاية. تعكس هذه الخطوة، التي جاءت كثمرة تعاون بين الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ ووزارة تنمية المجتمع، التزامًا راسخًا بتقديم حلول مبتكرة تكسر الحواجز الروتينية، وتضع راحة المواطن وكرامته في صدارة الأولويات الحكومية.
مبادرة تقدير في صميم برنامج تصفير البيروقراطية
لم تكن باقة تقدير مجرد خدمة إضافية، بل كانت تجسيدًا عمليًا لمفهوم تصفير البيروقراطية الذي تتبناه الحكومة الإماراتية. يهدف هذا المفهوم إلى إلغاء أي خطوات إجرائية لا تضيف قيمة حقيقية للخدمة، وصولًا إلى تحقيق تجربة صفرية في تعامل المتعامل مع الجهات الحكومية. وقد مثلت الدورة الثانية من هذا البرنامج، التي انطلقت قبل عام 2025، فرصة سانحة لإطلاق مبادرات نوعية تخدم شريحة حيوية من المجتمع. هذه الفلسفة ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لنهج تاريخي في دولة الإمارات يركز على الابتكار الحكومي وتبني أفضل الممارسات العالمية، لضمان استمرارية التميز في الأداء والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة.
جوهر المبادرة: تبسيط غير مسبوق وتوجهات حكومية رائدة
تتمثل أهمية باقة تقدير في جوهرها المتمثل بتبسيط الإجراءات الحكومية بشكل غير مسبوق، خاصة للمواطنين المستفيدين من برنامج الدعم الاجتماعي. فبدلاً من الروتين التقليدي الذي يتطلب تقديم طلبات ومتابعتها، أقدمت المبادرة على خطوة نوعية تتمثل في:
- التجديد التلقائي للوثائق: لم يعد المواطنون بحاجة لتقديم طلبات لتجديد جوازات السفر أو بطاقات الهوية، حيث يتم التجديد تلقائيًا. هذا النهج يتماشى مع التوجهات العالمية نحو الحكومات الاستباقية التي تستبق احتياجات مواطنيها.
- التوصيل المباشر للمتعامل: تُسلم الوثائق المجددة، سواء كانت جواز سفر أو بطاقة هوية، مباشرة إلى المتعامل في محل إقامته، مما يوفر عليه عناء التنقل والانتظار. هذه الخدمة تعكس حرصًا على راحة المواطن وتوفير وقته وجهده.
- اختصار الخطوات إلى الصفر: تم تقليص خطوات الخدمة من ثلاث خطوات معتادة إلى صفر خطوة، وهو ما يعكس قمة الكفاءة واليسر في تقديم الخدمات. هذا الإنجاز يُعد علامة فارقة في مسيرة التحول الرقمي الحكومي.
هذا التبسيط يمثل نقلة نوعية في التعامل مع الخدمات الحكومية، ويذكرنا بجهود عالمية مماثلة في دول سبّاقة في التحول الرقمي، حيث تهدف كلها إلى تحقيق الحكومة الاستباقية التي تتوقع احتياجات مواطنيها وتلبيها قبل حتى أن تُطلب. إن هذا التوجه يرسخ مبادئ الحكومة الذكية التي تستفيد من التكنولوجيا لتسهيل حياة الأفراد.
تقدير: رسالة وفاء واعتراف بأهل العطاء
إن اختيار الفئة المستهدفة، وهم المواطنون المستفيدون من برنامج الدعم الاجتماعي، يحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد تسهيل الإجراءات. فبحسب ما أكدته الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ، فإن مبادرة باقة تقدير هي رسالة وفاء لأهل العطاء. هذه العبارة تلخص بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا للمبادرة، حيث تُعتبر التسهيلات المقدمة بمثابة تكريم وتقدير لأبناء الوطن الذين يستحقون كل الدعم والرعاية.
تعكس هذه المبادرة فلسفة حكومية راسخة تؤمن بأن رفاهية المواطن وسعادته هما المحرك الأساسي لأي تقدم وازدهار. إن مثل هذه المبادرات لا تقتصر على تقديم خدمة، بل تعزز الشعور بالانتماء والمواطنة الفاعلة، وتؤكد على أن الحكومة شريك حقيقي في رحلة حياة مواطنيها. هذا النهج يتشابه مع برامج دعم اجتماعي في عدة دول متقدمة، حيث تسعى الحكومات إلى دمج الفئات المستحقة للدعم بشكل كامل في منظومة الخدمات المجتمعية دون تمييز أو تعقيد.
و أخيرًا وليس آخرًا
تُعد باقة تقدير محطة هامة في مسيرة الإمارات نحو التميز الحكومي، وتجسيدًا حيًا للرؤية الطموحة التي تسعى لجعل الخدمات الحكومية أكثر ذكاءً ويسرًا وإنسانية. لقد نجحت المبادرة في تقديم نموذج عملي لكيفية دمج التكنولوجيا والسياسات الاستباقية لخدمة فئات مجتمعية معينة، محققةً بذلك نقلة نوعية في مفهوم التعامل الحكومي. فمن خلال تجديد الوثائق تلقائيًا وتوصيلها للمنازل واختصار الإجراءات إلى صفر خطوة، لم يتم فقط تبسيط الحياة على المواطنين، بل تم أيضًا تعزيز شعورهم بالكرامة والتقدير. ولكن، هل يمكن لهذه النماذج المبتكرة أن تشكل منطلقًا لمرحلة جديدة من الحكومات الاستباقية التي لا تكتفي بتلبية الاحتياجات، بل تستبقها وتصمم حلولًا شاملة تحدث فارقًا جوهريًا في حياة الأفراد والمجتمعات على حد سواء؟ سؤال يفتح آفاقًا واسعة للتأمل في مستقبل الحوكمة الذكية والمستدامة.










