نمو الأصول المصرفية في الإمارات: نظرة تحليلية على ديناميكيات الاقتصاد
لطالما كانت القطاعات المصرفية والمالية عصب الاقتصادات الحديثة، ومؤشرًا حيويًا على استقرارها ونموها. في دولة الإمارات العربية المتحدة، يشكل القطاع المصرفي ركيزة أساسية تدعم التنمية الشاملة، ويعكس أداؤه المتانة الاقتصادية للدولة. لقد شهد هذا القطاع تحولات كبيرة وتطورات متسارعة، مدفوعة برؤية استراتيجية طموحة تهدف إلى تعزيز مكانة الإمارات كمركز مالي عالمي. إن التوسع المستمر في الأصول المصرفية والائتمان والودائع لا يمثل مجرد أرقام إحصائية، بل هو انعكاس لبيئة استثمارية جاذبة وثقة متنامية في الاقتصاد الوطني، مما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية والاستفادة من الفرص المتاحة.
التوسع الملحوظ في الأصول المصرفية
في سياق يعكس حيوية الاقتصاد الإماراتي، شهدت الأصول المصرفية في الدولة نموًا لافتًا، حيث تجاوز إجماليها 5.199 تريليون درهم بنهاية سبتمبر 2025. هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية، بل هو دلالة واضحة على الثقة المتزايدة في القطاع المصرفي الإماراتي وقدرته على استقطاب الودائع وتوسيع نطاق الإقراض. فقد جاء هذا النمو بنسبة 2.2% مقارنة بأغسطس 2025، حيث كانت الأصول تبلغ 5.087 تريليون درهم، مما يشير إلى زخم إيجابي مستمر.
نمو الأصول منذ بداية العام
لم يكن هذا النمو وليد لحظة، بل هو استمرار لاتجاه صعودي قوي بدأ مع مطلع العام 2025. فقد سجلت الأصول المصرفية زيادة ملحوظة بنسبة 14% منذ نهاية ديسمبر 2024، مرتفعة من 4.559 تريليون درهم. وهذا يعني أن الاقتصاد الإماراتي قد شهد ضخًا هائلاً للسيولة وتعزيزًا للقدرات المصرفية بما يعادل 640.8 مليار درهم خلال تسعة أشهر فقط، ما يؤكد على فعالية السياسات النقدية والمالية المتبعة.
ديناميكيات الائتمان والودائع
لا يمكن فهم حركة الأصول المصرفية دون الغوص في تفاصيل الائتمان والودائع، فهما المحركان الرئيسيان لهذه الأصول. لقد عكس تقرير التطورات النقدية والمصرفية لشهر سبتمبر 2025، الصادر عن المصرف المركزي، صورة واضحة لهذه الديناميكيات.
ارتفاع إجمالي الائتمان
شهد إجمالي الائتمان نموًا بنسبة 2.5%، ليصل إلى 2.478 تريليون درهم في نهاية سبتمبر 2025، بعد أن كان 2.417 تريليون درهم في نهاية أغسطس 2025. هذا التوسع يعود بشكل أساسي إلى زيادة الائتمان المحلي بقيمة 43.9 مليار درهم، مدعومًا بنمو الائتمان الأجنبي بقيمة 17.6 مليار درهم. ويُبرز هذا التوزيع قدرة القطاع المصرفي على تلبية احتياجات التمويل على الصعيدين الداخلي والخارجي.
مكونات الائتمان المحلي
كان نمو الائتمان المحلي نتيجة لتوزيعات إيجابية عبر مختلف القطاعات:
- القطاع الحكومي: شهد نموًا بنسبة 0.4%.
- القطاع العام “الكيانات المرتبطة بالحكومة”: حقق زيادة بنسبة 7.2%، ما يعكس النشاط المتزايد في المشاريع الحكومية وشبه الحكومية.
- القطاع الخاص: نما بنسبة 1.5%، مؤكدًا على تعافي ونمو الأنشطة الاقتصادية للشركات والأفراد.
- المؤسسات المالية غير المصرفية: سجلت نموًا كبيرًا بنسبة 9.1%، مما يشير إلى اتساع نطاق الخدمات المالية.
ارتفاع إجمالي الودائع المصرفية
توازى ارتفاع الائتمان مع نمو في إجمالي الودائع المصرفية بنسبة 1.8%، لتصل إلى 3.186 تريليون درهم في نهاية سبتمبر 2025، مقارنة بـ 3.128 تريليون درهم في نهاية أغسطس 2025. هذا النمو كان مدعومًا بزيادة ودائع المقيمين بنسبة 0.7% لتتجاوز 2.891 تريليون درهم، وودائع غير المقيمين بنسبة 14.5% لتصل إلى 294.6 مليار درهم. يدل ذلك على جاذبية النظام المصرفي الإماراتي كملاذ آمن للودائع.
تفاصيل ودائع المقيمين
تباين أداء ودائع المقيمين خلال الفترة المذكورة:
- ودائع القطاع الحكومي: انخفضت بنسبة 0.5%.
- ودائع الكيانات المرتبطة بالحكومة: تراجعت بنسبة 0.1%.
- ودائع القطاع الخاص: ارتفعت بنسبة 0.7%، وهو مؤشر إيجابي على ثقة الأفراد والشركات.
- ودائع المؤسسات المالية غير المصرفية: سجلت نموًا ملحوظًا بنسبة 13.8%.
السيولة النقدية والميزانية العمومية للمصرف المركزي
لا تقتصر الصورة على الأصول المصرفية والودائع والائتمان فقط، بل تمتد لتشمل مؤشرات السيولة والقاعدة النقدية التي يديرها المصرف المركزي.
انخفاض القاعدة النقدية
شهدت القاعدة النقدية انخفاضًا بنسبة 2.5%، لتصل إلى 832.5 مليار درهم في نهاية سبتمبر 2025، بعد أن كانت 854.1 مليار درهم في نهاية أغسطس 2025. جاء هذا التراجع نتيجة انخفاض الحساب الاحتياطي للبنوك بنسبة 8.9%، على الرغم من الارتفاع في العملات المصدرة والحسابات الجارية وودائع الليلة الواحدة والأوراق النقدية وشهادات الإيداع الإسلامية.
تطورات عرض النقد
- عرض النقد “ن1”: ارتفع بنسبة 0.4% ليصل إلى 1.032 تريليون درهم في نهاية سبتمبر 2025، مدفوعًا بزيادة النقد المتداول خارج البنوك والودائع النقدية.
- عرض النقد “ن2”: ارتفع بنسبة 1% ليصل إلى 2.589 تريليون درهم، بفضل زيادة الودائع شبه النقدية.
- عرض النقد “ن3”: نما بنسبة 1.4% ليصل إلى 3.123 تريليون درهم، نتيجة نمو عرض النقد “ن2” وزيادة الودائع الحكومية.
أصول وميزانية المصرف المركزي
ارتفعت أصول المصرف المركزي الأجنبية إلى 977 مليار درهم نهاية سبتمبر 2025، مقارنة بـ972.7 مليار درهم نهاية أغسطس 2025. وقد توزعت هذه الأصول بين الأرصدة المصرفية والودائع لدى البنوك في الخارج، والأوراق المالية الأجنبية، والأصول الأجنبية الأخرى. أما الميزانية العمومية للمصرف المركزي، فقد تجاوزت 1.011 تريليون درهم، وتوزعت أصولها بين النقد والأرصدة المصرفية، والودائع، والاستثمارات، والأصول الأخرى، ما يعكس قوة ومركزية دور المصرف المركزي في إدارة السيولة والاستقرار المالي.
وأخيرًا وليس آخرًا
إن البيانات الصادرة عن المصرف المركزي حول الأصول المصرفية والائتمان والودائع في الإمارات تقدم لمحة شاملة عن قوة ومتانة الاقتصاد الوطني. إن الأرقام تتجاوز مجرد الإحصائيات لتعكس ثقة المستثمرين والمودعين في البيئة الاقتصادية الإماراتية، وفعالية السياسات المالية والنقدية التي ينتهجها المصرف المركزي. هذا النمو المستمر، على الرغم من التحديات الاقتصادية العالمية، يؤكد على مرونة القطاع المصرفي الإماراتي وقدرته على التكيف والازدهار. ولكن يبقى التساؤل: إلى أي مدى ستستمر هذه الوتيرة من النمو في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، وما هي الاستراتيجيات المستقبلية التي ستعتمدها الإمارات للحفاظ على هذا الزخم وتطويره؟







