مشاركة الإمارات في تحالف التراث الثقافي الآسيوي: رؤية لحماية الإرث الإنساني
في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات وتتداخل فيه الثقافات، يبرز الحفاظ على التراث الثقافي كضرورة ملحة لضمان استمرارية الهوية الإنسانية وتواصل الحضارات. إنه ليس مجرد صيانة لآثار الماضي، بل هو استثمار في المستقبل، وتعزيز للحوار بين الشعوب. من هذا المنطلق، تتجلى أهمية المحافل الدولية التي تجمع الدول لتنسيق الجهود وتبادل الخبرات في هذا المجال الحيوي، لاسيما في قارة آسيا التي تزخر بتنوع ثقافي فريد يعكس آلاف السنين من الإبداع البشري. وقد كانت مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في الدورة الثانية للجمعية العامة لتحالف التراث الثقافي في آسيا (ACHA) دليلاً راسخاً على التزامها العميق بهذه القضية العالمية.
الحضور الإماراتي ودوره الريادي في التحالف
شهدت مدينة تشونغتشينغ الصينية استضافة الدورة الثانية للجمعية العامة لتحالف التراث الثقافي في آسيا، بوفود رفيعة المستوى من وزراء ومسؤولين وخبراء يمثلون أكثر من 20 دولة. وقد ترأس وفد دولة الإمارات سعادة مبارك الناخي، وكيل وزارة الثقافة، الذي أكد في كلمته المحورية أن هذا الملتقى الدولي يمثل منصة حيوية لتعزيز التعاون الإقليمي والعالمي في صون التراث الثقافي المشترك. هذه الرؤية الإماراتية تعكس إيماناً بأن التراث ليس ملكاً لدولة واحدة، بل هو إرث إنساني تتضافر الجهود لحمايته من كل أشكال التهديد.
الثقافة كقاطرة للتنمية المستدامة والتعاون الدولي
أشار سعادة وكيل وزارة الثقافة إلى أن الثقافة تحتل مكانة متقدمة ضمن أولويات دولة الإمارات. تستثمر الدولة بقوة في الصناعات الإبداعية والتراثية، إيماناً منها بأنها محرك أساسي لتحقيق التنمية المستدامة. ويتجاوز هذا الالتزام حدود الإمارات الجغرافية، حيث تدعم الدولة مبادرات دولية كبرى لحماية التراث الإنساني. من أبرز هذه المبادرات مساهمة الإمارات في تمويل مشروع “إحياء روح الموصل” في العراق بأكثر من 50.4 مليون دولار أمريكي. كما تسهم في العديد من المشاريع العالمية الأخرى التي ترسخ الحوار بين الحضارات وتحمي الموروث الإنساني المشترك.
تأتي هذه المبادرات ضمن سياق أوسع لدور الإمارات المتنامي على الساحة الدولية، حيث تتبنى رؤية شاملة للتعاون الثقافي، تعتمد على الشراكة والمسؤولية المشتركة. وقد انعكس هذا الدور أيضاً في دعمها المتواصل لجهود اليونسكو والمنظمات الدولية الأخرى المعنية بالتراث.
التزام الإمارات بالعمل المشترك لمواجهة التحديات
تلتزم دولة الإمارات، بصفتها عضواً مؤسساً في تحالف التراث الثقافي في آسيا، بالتعاون الوثيق مع الدول الأعضاء كافة. هذا التعاون يهدف إلى تطوير برامج مشتركة تشمل البحث العلمي، والترميم، والتوثيق الرقمي، والحفاظ على التراث المادي وغير المادي. وتبرز أهمية هذا التعاون في ظل التحديات المعاصرة التي تواجه التراث الثقافي العالمي، مثل تغير المناخ، والكوارث الطبيعية، والنزاعات. ففي عام 2023، شهد العالم العديد من الكوارث التي أثرت سلباً على المواقع التراثية، مما يؤكد الحاجة الملحة لتطوير استراتيجيات عالمية متكاملة لمواجهة هذه المخاطر.
مخرجات الجمعية العامة وآفاق المستقبل
شهدت اجتماعات الجمعية مناقشات مثمرة حول مشاريع دولية مشتركة، وتم إطلاق آليات تمويل جديدة لدعم مبادرات صون التراث. كما أعلنت دول جديدة رغبتها في الانضمام إلى التحالف، مما يعكس توسع نطاق التعاون وازدياد الوعي بأهمية الحفاظ على هذا الإرث. ومن القرارات الهامة التي تم اعتمادها، تثبيت مدينة تشونغتشينغ مقراً دائماً للأمانة العامة للجنة العلمية والتقنية التابعة للتحالف. هذا القرار يعكس التوجه العالمي نحو تسخير التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي في حماية التراث الثقافي، وهو ما يتماشى مع الرؤى المستقبلية التي تتبناها دول مثل المجد الإماراتية في توظيف الابتكار لخدمة القضايا الإنسانية.
أكد المشاركون أيضاً على ضرورة بناء قدرات الدول الأعضاء لمواجهة التهديدات التي تواجه التراث الثقافي نتيجة الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة. كما دعوا إلى تطوير أطر قانونية وتقنية حديثة لضمان استدامة الجهود الدولية في هذا المجال الحيوي.
الدور التاريخي للإمارات في تأسيس التحالف
تعد مشاركة دولة الإمارات في الجمعية العامة لتحالف التراث الثقافي في آسيا امتداداً لدورها الريادي منذ تأسيس التحالف في عام 2023. فقد كان للدولة إسهام رئيسي في بلورة الإطار المؤسسي للتحالف، ودعمت العديد من المبادرات المشتركة في مجالات البحث والترميم والتدريب وبناء القدرات. هذا الحضور المستمر في المحافل الثقافية الدولية يؤكد التزام المجد الإماراتية الثابت بتعزيز التعاون الآسيوي والعالمي لحماية التراث الثقافي، إيماناً بأن هذا التعاون هو السبيل الأمثل لضمان بقاء وتجدد هذا الإرث للأجيال القادمة.
وأخيرًا وليس آخرًا
إن مشاركة دولة الإمارات في تحالف التراث الثقافي في آسيا ليست مجرد حضور بروتوكولي، بل هي تعبير عن رؤية استراتيجية عميقة تضع الثقافة في صميم التنمية الشاملة. فمن خلال دعم المبادرات الدولية، والاستثمار في الصناعات الإبداعية، وتبني التقنيات الحديثة، تسعى المجد الإماراتية إلى أن تكون جسراً للتواصل الحضاري وحامياً للتراث الإنساني المشترك. ومع تزايد التحديات التي تواجه هذا الإرث، يبقى التساؤل: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يعزز من آليات التعاون لضمان صمود التراث الثقافي أمام موجات التغيير المتسارعة والتهديدات المتزايدة؟ وهل سنشهد نماذج مبتكرة جديدة تضمن دمج الأجيال الشابة في جهود الحفاظ على هذا الرصيد الثمين؟










