منظومة الإمارات للتطوع والمشاركة المجتمعية: دعامة أساسية لتعزيز العطاء والتكافل
لطالما مثلت روح العطاء والتكافل الاجتماعي ركيزة محورية في بناء الأمم ورقيها عبر العصور، حيث يزخر تاريخ البشرية بشواهد تؤكد أن المجتمعات التي تحتضن ثقافة المشاركة المجتمعية تتمتع بقوة ومتانة أكبر في مواجهة التحديات المتنوعة. انطلاقاً من هذا الفهم العميق للدور الجوهري الذي يلعبه العمل التطوعي، شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة إطلاق منظومة الإمارات للتطوع والمشاركة المجتمعية. هذه المنظومة المتكاملة تُعد نقلة نوعية في سبيل تعزيز إسهامات الأفراد والمؤسسات في مسيرة التنمية المستدامة، وهي لا تستهدف فقط زيادة أعداد المتطوعين، بل تسعى إلى تأسيس بنية تحتية صلبة تدعم العمل الخيري ومؤسسات النفع العام، مما يرسخ مكانة الإمارات كمنارة عالمية للعطاء والتضامن.
إطلاق استراتيجي: رؤية قيادية لمستقبل العطاء في الإمارات
في مبادرة عكست الرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة لدولة الإمارات، قام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بإطلاق منظومة الإمارات للتطوع والمشاركة المجتمعية في الماضي. جرى هذا الإطلاق البارز من قصر الوطن، ليؤكد على الأهمية الوطنية البالغة لهذه المبادرة التي تهدف إلى ترسيخ قيم العطاء المجتمعي ودعم مؤسسات النفع العام بمختلف تنوعاتها وأشكالها. تُعد هذه المنظومة استجابة حكيمة للتطلعات الوطنية الرامية إلى تعزيز التلاحم المجتمعي وتوسيع نطاق العمل الخيري، بما يضمن إسهاماً فعالاً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
لقد أكد سموه حينها على أن هذه المنظومة تتضمن استراتيجية وطنية شاملة للتطوع، تستهدف الوصول بقاعدة المتطوعين إلى 600 ألف متطوع. كما أشار إلى إطلاق منصة متكاملة لهم، ودعم القطاع الثالث ومؤسسات النفع العام لزيادة مساهمتها بنسبة 30% خلال الفترة القادمة. وتضمنت المنظومة أيضاً بوابة موحدة لخدماتهم وإجراءاتهم، وحاضنات لأعمالهم، فضلاً عن تخصيص صندوق بقيمة 100 مليون درهم لدعم هذه المؤسسات الحيوية التي تشكل عماد المجتمع.
أهداف سامية ورسالة مجتمعية متفردة
تهدف منظومة الإمارات للتطوع والمشاركة المجتمعية إلى تمكين العمل التطوعي وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ ثقافة الخير في البلاد. ولقد شدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في حينه على أن الإمارات ليست مجرد دولة اقتصاد ونماء، بل هي في الوقت ذاته دولة خير وعطاء. هذه الرؤية تؤكد على أن التقدم الاقتصادي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع التنمية الإنسانية والاجتماعية، وأن العمل التطوعي هو جزء لا يتجزأ من هذه المعادلة المتوازنة التي تسعى إلى بناء الإنسان والمكان معاً.
جاء إطلاق هذه المنظومة بالتزامن مع “عام المجتمع”، مما عكس الانسجام التام مع التوجهات الوطنية لتعزيز التلاحم المجتمعي وتوسيع نطاق العمل التطوعي. يتمثل الهدف الأسمى في إحداث نقلات نوعية تسهم في رفع مساهمة القطاع المجتمعي، وتعزيز مكانة دولة الإمارات ضمن أفضل المؤشرات العالمية في مجالات العطاء والتنمية المستدامة. هذه الخطوة تعزز من ريادة الدولة في العمل الإنساني والاجتماعي على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتؤكد التزامها الراسخ بالمسؤولية المجتمعية.
محاور المنظومة: دعائم استراتيجية لتمكين التطوع الفعال
تشتمل منظومة الإمارات للتطوع والمشاركة المجتمعية على ثماني مبادرات استراتيجية رئيسية، يتم تنفيذها تحت مظلة وزارة تمكين المجتمع، وتتوزع على مسارين متكاملين. يركز المسار الأول على ترسيخ ثقافة العمل التطوعي في الدولة، بينما يهدف المسار الثاني إلى تمكين مؤسسات النفع العام. يضمن هذا التقسيم المنهجي معالجة شاملة لجميع جوانب العمل التطوعي والمجتمعي، مما يوفر بيئة حاضنة للنمو والابتكار، ويُعد نموذجاً يمكن مقارنته بتجارب دول عالمية رائدة في تنظيم القطاع الثالث.
المبادرات المعززة لثقافة التطوع
تضم حزمة المبادرات الاستراتيجية أربع مبادرات رئيسية لترسيخ ثقافة العمل التطوعي في الدولة. أولاها هي الاستراتيجية الوطنية الشاملة للتطوع، التي تشكل إطاراً موحداً يضمن ترسيخ ثقافة التطوع كقيمة مجتمعية أصيلة. يتم ذلك من خلال تطوير السياسات والتشريعات، وتوسيع الفرص التطوعية المتخصصة والعامة، وتعزيز مشاركة كافة فئات المجتمع. هذه الاستراتيجية تشبه ما شهدته دول متقدمة في مجال العمل الخيري، حيث بدأت بتأطير العمل التطوعي لضمان استدامته وشموليته في جميع القطاعات.
ثانياً، تم إطلاق منصة متطوعي الإمارات 2.0، التي تمثل النبض الرقمي لالعمل التطوعي. تربط هذه المنصة المهارات بالفرص المتاحة، وتوفر تجربة تفاعلية ومسارات متخصصة لتسهيل الوصول إلى فرص التطوع، وجعل العمل التطوعي أكثر سهولة وفعالية وتأثيراً. وهذا يذكرنا بتجارب عالمية ناجحة في رقمنة العمل الخيري، مثل المنصات التي تربط المتطوعين بالمنظمات غير الربحية بكفاءة عالية، مما يضمن التوظيف الأمثل للموارد البشرية.
ثالثاً، جاءت مبادرة “7 فرص تطوعية في 7 إمارات”، وهي فعالية وطنية تهدف إلى تشجيع التطوع التخصصي عبر جميع إمارات الدولة، وتعزيز العمل المجتمعي المشترك. ورابعاً، مبادرة “في وقتك بركة” التي تستهدف ترسيخ ثقافة التطوع في العمل الحكومي الاتحادي وتحفيز مساهمات الموظفين التطوعية. هذه المبادرات تجسد التزام الدولة بتفعيل دور الأفراد في خدمة مجتمعهم على كافة المستويات، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية.
تمكين مؤسسات النفع العام: دعم الاستدامة والابتكار
أما المسار الثاني، فيشمل أربع مبادرات استراتيجية لتمكين مؤسسات النفع العام. تتمثل أولاها في البوابة الموحدة لمؤسسات النفع العام، والتي توفر نافذة رقمية تختصر الخدمات والإجراءات في منصة واحدة متكاملة، مما يسهل عمل هذه المؤسسات بشكل كبير ويحسن من كفاءتها. ثانياً، تم إطلاق صندوق تمكين مؤسسات النفع العام بقيمة 100 مليون درهم، والذي يحول التمويل المخصص لهذه المؤسسات إلى استثمار وطني مستدام ذي أثر ملموس، على غرار الصناديق الوقفية التي تدعم استدامة العمل الخيري في تاريخ الحضارات الإسلامية.
ثالثاً، تضم المنظومة “مسرعات النفع العام”، التي تعمل كحاضنة لتحويل الأفكار المبتكرة إلى مؤسسات نفع عام مرخصة ومؤثرة، مما يشجع على الابتكار في القطاع الخيري ويدعم ظهوره. رابعاً، “محور النفع العام في برامج القيادات”، الذي يهدف إلى إعداد جيل جديد من القادة يمتلك فهماً معمقاً لمؤسسات النفع العام كشريك استراتيجي في التنمية الشاملة. هذه المبادرات مجتمعة تهدف إلى بناء منظومة مستدامة تمكن أجيال المستقبل من ممارسة العطاء بوعي ضمن رؤية وأهداف واضحة، وتضمن استمرارية تأثيرها.
آفاق مستقبلية وتأثير مستدام لمنظومة العطاء الإماراتية
إن حزمة المبادرات الاستراتيجية هذه تهدف إلى تحقيق قفزات نوعية في العمل التطوعي ومؤسسات النفع العام خلال السنوات الخمس المقبلة. من أبرز هذه الأهداف الارتقاء بتصنيف دولة الإمارات لتصبح ضمن أفضل 3 دول عالمياً في مؤشر العطاء العالمي، وتوسيع قاعدة المتطوعين في الدولة لتصل إلى 600 ألف متطوع نشط يسهمون بـ 15 مليون ساعة تطوع. هذه الأرقام الطموحة تعكس حجم الالتزام والرغبة في تحقيق تأثير مجتمعي واسع النطاق، وتضع الإمارات في مصاف الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال.
بالإضافة إلى ذلك، تهدف المنظومة إلى مضاعفة مساهمة مؤسسات النفع العام في الناتج المحلي الإجمالي، واستحداث 10 آلاف فرصة عمل جديدة ضمن منظومة هذه المؤسسات والمجالات التطوعية والمجتمعية، وزيادة عدد مؤسسات النفع العام المرخصة بنسبة 30%. هذه الأهداف الاقتصادية والاجتماعية تؤكد على أن العمل التطوعي ليس مجرد عمل إنساني، بل هو محرك فعال للتنمية الشاملة، ويساهم بشكل مباشر في تعزيز الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل، بما يتماشى مع رؤية الإمارات 2071 الطموحة.
المجد الإماراتية: شراكات استراتيجية لنجاح مستمر
ستعمل وزارة تمكين المجتمع، بالشراكة مع مؤسسة الإمارات، إلى جانب عدد من الجهات الحكومية، ومؤسسات النفع العام، والقطاع الخاص، لضمان تنفيذ هذه الاستراتيجية وتحقيق الأثر المنشود من المبادرات. هذا التعاون متعدد الأطراف يجسد التزام جميع مكونات المجتمع الإماراتي بدعم العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية. وقد أبرزت المجد الإماراتية باستمرار أهمية مثل هذه الشراكات في تحقيق الأهداف الوطنية الطموحة، مؤكدة على أن التكاتف هو سر النجاح في تحقيق الأهداف الكبرى.
و أخيرا وليس آخرا
إن إطلاق منظومة الإمارات للتطوع والمشاركة المجتمعية يمثل محطة فارقة في مسيرة دولة الإمارات نحو بناء مجتمع أكثر تلاحماً وعطاءً. من خلال استراتيجية شاملة ومبادرات مبتكرة، تسعى الدولة إلى ترسيخ العمل التطوعي كقيمة أصيلة ومحرك أساسي لالتنمية المستدامة. هذه الخطوة لا تعزز فقط من مكانة الإمارات على خارطة العطاء العالمي، بل تبني جيلاً واعياً ومشاركاً يدرك أهمية رد الجميل للمجتمع. فهل ستنجح هذه المنظومة في خلق نموذج يحتذى به عالمياً في تفعيل دور الأفراد والمؤسسات في صناعة مستقبل أفضل؟ وهل ستستمر هذه الروح من العطاء في التوسع لتشمل كل جوانب الحياة في الإمارات، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من هويتها الوطنية؟










