زراعة الرئة الروبوتية: إنجاز طبي إماراتي يغير حياة المرضى
في خطوة طبية رائدة، خضع مواطنان من أبوظبي في العقد السابع من العمر لعمليتي زراعة رئتين بمساعدة الروبوت، بعد سنوات من الاعتماد على الأكسجين في المنزل. هذه الجراحة، الأولى من نوعها على مستوى الخليج ومن بين قلة مماثلة حول العالم، تمثل إنجازاً طبياً بارزاً ونقطة تحول محتملة في جراحة زراعة الأعضاء.
تفاصيل الجراحة الروبوتية الرائدة
كان المريضان يعانيان من تليف رئوي مجهول السبب وارتفاع ضغط الدم الرئوي الثانوي، وهما من الأمراض الرئوية الخطيرة التي تهدد الحياة. هذه الحالات المرضية أجبرتهما على ملازمة المنزل لأكثر من عامين. واليوم، وبعد الجراحة، استعاد كلاهما القدرة على ممارسة حياتهما الطبيعية، بل إن أحدهما شارك في فعالية رياضية خاصة بزراعة الأعضاء، في مشهد يعكس قوة الأمل والتعافي.
شهادات من قلب الحدث
يقول الدكتور عثمان أحمد، رئيس قسم جراحة الصدر في مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي: “هؤلاء المرضى لم يكونوا قادرين حتى على المشي إلى الحمام. والآن، يخرجون مع عائلاتهم ويبدون في صحة جيدة. إنه تحول كامل”.
التقنية الروبوتية: دقة جراحية وأثر أقل
عادةً ما تتطلب عمليات زراعة الرئة التقليدية شقوقًا كبيرة في الصدر أو القص، وقد تستلزم قطع العظام والعضلات، مما يزيد من فترة التعافي وألم ما بعد الجراحة. في المقابل، استخدمت التقنية الروبوتية ثلاث فتحات صغيرة بحجم سنتيمتر واحد وشقًا أصغر بطول 5 سم لإزالة الرئتين واستبدالهما.
روبوت دافنشي: تكنولوجيا متطورة في خدمة الجراحة
يتيح نظام الروبوت، وتحديداً روبوت دافنشي، للجراحين إجراء عمليات إعادة الاتصال الحيوية للقلب والمجاري الهوائية بدقة بصرية فائقة وتقليل الصدمات الجسدية.
يضيف الدكتور أحمد: “لم نقم بكسر أي عظام أو قطع عضلات رئيسية. هذا وحده سهل التعافي بشكل ملحوظ”. وأشار إلى أنه أمضى أكثر من عقد من الزمن في إتقان التقنيات الروبوتية في جراحة الصدر.
على الرغم من أن العملية استغرقت نحو ثماني ساعات، وهي أطول قليلاً من الجراحة التقليدية، إلا أن قلة المضاعفات والتعافي السريع للمريض جعل المدة الإضافية تستحق العناء.
التنسيق والتعاون: مفتاح النجاح
أكد الدكتور أحمد أن نجاح هذه العمليات لا يعتمد فقط على الروبوت، بل أيضاً على التنسيق الدقيق بين فريق جراحي متكامل يضم 30 عضواً.
فريق متكامل لعملية معقدة
يوضح الدكتور أحمد: “خلال الساعات الثماني، يشارك نحو 30 شخصًا، من فنيي التروية الذين يديرون جهاز القلب والرئة، إلى أطباء التخدير والممرضين وأخصائيي الرعاية الحرجة. إنها واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا في الطب”.
تم دعم كلا المريضين بنظام ECMO الوريدي الشرياني، وهو نظام دعم الحياة الذي يحل مؤقتًا محل وظائف القلب والرئة أثناء الجراحة، وهو إجراء بالغ الأهمية نظراً لخطورة حالتهم.
الإمارات في طليعة الابتكار الطبي
وفقًا للدكتور أحمد، فإن برنامج زراعة الأعضاء بالروبوت في كليفلاند كلينك أبوظبي كان قيد الإعداد لسنوات، بناءً على خبرة المستشفى في عمليات زراعة الكلى بالروبوت وبرنامج زراعة الرئة الذي أعيد إطلاقه في عام 2022. ومنذ ذلك الحين، أجرى البرنامج أكثر من 60 عملية زراعة رئة، بما في ذلك العديد من المرضى الدوليين.
الريادة العالمية في زراعة الأعضاء
على الصعيد العالمي، لا تزال عمليات زراعة الرئة الروبوتية نادرة، حيث لم تجرها سوى ثلاثة أو أربعة مراكز طبية حتى الآن. وأكد الدكتور أحمد أن دولة الإمارات العربية المتحدة تحتل مكانة رائدة في مجال الابتكار في زراعة الأعضاء.
المخاطرة والمكافأة: توازن دقيق
النهج الروبوتي لا يناسب جميع المرضى، ويتطلب اختيارًا دقيقًا للحالات، ولا يمكن إجراؤه إلا في مراكز تتمتع بالقدرة التكنولوجية والخبرة الجراحية اللازمة. ويضيف الدكتور أحمد: “إنها عملية عالية المخاطر، لكن عوائدها من حيث نتائج المرضى هائلة”.
دعم وطني متكامل
أشاد الدكتور أحمد بالشبكة الوطنية المتكاملة لزراعة الأعضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، مشيراً إلى أن المريضين خضعا للجراحة في غضون شهرين فقط من تسجيلهما، وهي فترة انتظار قصيرة مقارنة بالمتوسطات العالمية. وأرجع هذا النجاح إلى التعاون الإقليمي وتبسيط اللوجستيات، مما أتاح تخصيص الأعضاء بشكل أسرع وأكثر توافقاً.
آفاق مستقبلية: توسيع نطاق التقنية الروبوتية
تعتزم مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي توسيع نطاق استخدام تكنولوجيا الروبوتات لتشمل مجالات أكثر تعقيداً، بما في ذلك جراحات زراعة الأعضاء والسرطان.
نحو جراحات طفيفة التوغل أكثر تعقيداً
يوضح الدكتور أحمد: “لقد أجرينا بالفعل عمليات زراعة قلب ورئة، ورئة وكبد، وكلى وقلب معاً. نهدف الآن إلى استخدام أساليب جراحية طفيفة التوغل في الحالات الأكثر تعقيداً”.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور أحمد على الأثر الإيجابي لهذه الإجراءات على حياة المرضى، قائلاً: “إن رؤيتهم يعودون إلى الحركة والتنفس والحياة هو سبب قيامنا بما نقوم به”.
و أخيرا وليس آخرا , تظل جراحة زراعة الرئة الروبوتية علامة فارقة في مسيرة التطور الطبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتعكس التزام الدولة بتبني أحدث التقنيات لخدمة صحة الإنسان. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذه التقنية على الانتشار وتغيير مستقبل جراحة زراعة الأعضاء على مستوى العالم.










