قصص ملهمة: رحلة أب في دبي يحول تجربة ابنته المصابة بمتلازمة داون إلى أدب مؤثر
صفدر نذير وابنته ليلى، في مشهد يعكس فخر الأب بابنته خلال حفل إطلاق كتابه.
يستعرض صفدر نذير، المدير التنفيذي في مجال التكنولوجيا، قيم الشجاعة والشمولية والجمال الكامن في اللحظات اليومية العابرة.
تاريخ النشر: 20 يونيو 2025، الساعة 5:06 صباحًا
لم يتوقع صفدر نذير أن لحظات الهدوء التي يقضيها في الكتابة بمنزله ستتحول إلى عمل يبقى أثره. ففي عام 2023، قام هذا المدير التنفيذي في مجال التكنولوجيا، والأب لخمس بنات، بنشر “مغامرات ليلى”، وهو كتاب أطفال يلامس القلوب، مستوحى من ابنته الصغرى. ليلى، ذات الثماني سنوات، ولدت بمتلازمة داون، ولكن روحها المرحة وعزيمتها القوية وحضورها الآسر أثرت في كل صفحة من صفحات الكتاب وفي حياة العائلة بأكملها.
يقول نذير، البالغ من العمر 53 عامًا، والذي يعتبر دبي وطنه منذ عام 2003: “كتبته خصيصًا لها ولأمثالها من الأطفال. ليلى هي هدية، وأردت أن يراها العالم بنفس النظرة.”
“مغامرات ليلى” ليس مجرد كتاب عن الإعاقة، بل هو احتفاء بالفضول والشجاعة ولحظات من حياة ليلى. القصة الأولى، “ليلى على الشاطئ”، مستوحاة من أحد الأماكن المفضلة لديها وتجاربها الفريدة، بدءًا من تجهيز حقيبتها وصولًا إلى إيجاد مكان مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة. أما الجزء الثاني القادم، “ليلى والحفلة”، فيروي موقفًا مؤثرًا عندما فقدت ليلى بالونها الهيليوم وقالت ببراءة: “لماذا لا يستطيع أبي إعادته، وهو القادر على فعل كل شيء؟”
يضيف نذير: “تلك اللحظات لا تُنسى، فهي تحمل في طياتها الفكاهة والعمق، وتعبر عن شخصية ليلى بكل ما فيها.”
ورغم شهرته كنائب رئيس أول للقطاع العام في شركة تقنية عالمية، إلا أن القليلين يعرفون دوره الآخر كمؤلف يلتقط الذكريات الرقيقة. تنسج الكتب ببراعة مواضيع الشمول والمرونة والتنوع، ليس كقضايا رئيسية، بل من خلال الاحتفاء بليلى كبطلة لقصتها.
صفدر نذير مع زوجته كارلا وبناته.
هدف أبوي
بالنسبة لنذير، يوم الأب ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو فرصة للتأمل. بدأت رحلته كأب منذ عقود في مانشستر، إنجلترا، حيث ولدت وترعرعت ابنتاه الكبريان. انتقل إلى دبي مع زوجته كارلا، المعلمة، في عام 2003، وأسس حياة تقوم على الحب والقيم والروحانية. رزق الزوجان بخمس بنات: ريحانة (25 عامًا)، وسمية (23 عامًا)، وأميرة (18 عامًا)، وصفية (16 عامًا)، وليلى الصغرى.
كان نذير وكارلا في منتصف الأربعينات عندما علما بأنهما ينتظران ليلى. يتذكر نذير دهشته عندما أخبرته كارلا بحملها مرة أخرى قائلًا بابتسامة: “اعتقدنا أننا انتهينا من الإنجاب، ولكن ليلى كان مقدرًا لها أن تأتي. أؤمن بأن كل روح مقدر لها أن تولد ستصل، مهما كانت خططنا.”
وكحال العديد من الآباء الأكبر سنًا، عُرضت عليهما فحوصات متقدمة للكشف عن أي تشوهات خلقية. أشار أحد الفحوصات إلى احتمال إصابة ابنتهما بمتلازمة داون، وتم اقتراح خيار إنهاء الحمل.
لكن رد نذير كان فوريًا وحاسمًا: “لم يكن ذلك خيارًا مطروحًا أبدًا.”
وهكذا، وصلت ليلى لتغير مسار حياتهما وتضيف إلى روحهما معنى جديدًا.
منذ أيامها الأولى، بدأت ليلى في تجاوز التوقعات. على الرغم من المخاوف الأولية بشأن وجود ثقب في القلب وتأخر النمو المحتمل وتحديات أخرى، إلا أنها تغلبت على معظمها بشجاعة وتفاؤل.
يوضح نذير: “قد لا تكون أسرع عداءة في المدرسة، لكنها تتمتع بروح قوية وتحب النشاط البدني. لقد غيرت كل واحد منا. وجودها أثر في كل شيء، حتى في المسار الوظيفي لابنتي الكبرى.”
ليلى، التي تأخرت في الكلام، نطقت أول كلمة لها في سن الرابعة. ريحانة، متأثرة بمعالجات النطق واللغة اللاتي تعاملن مع أختها، سلكت نفس المسار وتعمل الآن في خدمات الصحة الوطنية في مانشستر. أما سمية، فتتابع شغفها في طب الأسنان بعد حصولها على شهادة في العلوم الطبية الحيوية. وأميرة، التي تأثرت بليلى أيضًا، تدرس لتصبح معالجة وظيفية. لقد ربيناهم على مبدأ واحد: خدمة المجتمع، ومن هنا يأتي الامتنان والرضا.
تتجلى فكرة الإرث في أسلوب نذير في تربية بناته. من تعليمهن كيفية تجميع الأثاث وإجراء إصلاحات بسيطة في السيارة إلى تخصيص وقت خاص لكل واحدة منهن، فقد غرس الثقة والاستقلالية في كل ابنة.
تقول كارلا: “إنه النموذج الذكوري الوحيد في حياتهن، وهو حريص على أن يكون الأفضل قدر الإمكان.”
يقوم منزلهم على طقوس صغيرة تحمل معاني كبيرة. ذات مرة، واجه معضلة تحديد الابنة التي يجب أن يحييها أولاً عند عودته من العمل. فحل المشكلة بترتيبهن من الأصغر إلى الأكبر حتى لا تكون هناك شكاوى. يضحك نذير ويقول: “هذا هو الترتيب الذي نتبعه في كل شيء، من الأصغر إلى الأكبر.”
قلب المنزل
على الرغم من التحديات التي تصاحب تربية طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، يبدو صفدر هادئًا وواثقًا. “لم أشعر بالقلق الشديد أبدًا، ولا أركز على الإنجازات أو الجداول الزمنية. أؤمن بأن كل طفل يأتي ومعه قدره الخاص. مهمتي هي أن أقوم بدوري وأربيهم بالحب والاحترام والتوجيه.”
ليلى ليست فقط الابنة الصغرى، بل هي نبض العائلة. ضحكتها تملأ المنزل، ومرونتها تغير وجهات النظر. من بين الأنشطة المفضلة لديهم كأب وابنة، الركض معًا في الحي الذي يسكنون فيه، من عمود إنارة إلى آخر.
“علمتها أن تتنفس بانتظام وأن تستمر. وفي يوم الرياضة، كان ذلك بمثابة حافز لها عندما كنا نهتف: عمود إنارة واحد فقط.”
لم تكن إدارة شؤون خمس بنات في مراحل مختلفة من حياتهن أمرًا سهلاً، ولكنه كان تجربة غنية. من أداء المهام اليومية والرحلات البرية إلى تناول وجبات فردية، يحرص صفدر على تخصيص وقت ممتع لكل واحدة منهن.
وحتى الآن، ومع وجود ثلاث بنات يعشن في الخارج، تظل العائلة مترابطة. يعودون إلى المنزل باستمرار، ويخصصون دائمًا وقتًا لليلى. في منزلهم، لا يتم التعامل مع ليلى كشخص مختلف، بل هي جزء لا يتجزأ من كل شيء، ويتم تشجيعها على المحاولة والاحتفاء بها كما هي.
إرث رقمي
بالإضافة إلى كتبه، يقوم نذير بهدوء بإنشاء أرشيف رقمي لحياة ليلى، يضم مقاطع فيديو قصيرة وتأملات وإنجازات، ليس بهدف الحصول على الإعجابات أو المشاهدات.
“بل لكي تنظر هي إلى الماضي وترى إلى أي مدى وصلت، ولتؤمن بأنها قادرة على فعل أي شيء.”
وهي تفعل ذلك بالفعل، في وقتها الخاص وبطريقتها الخاصة، بتشجيع من أب يراها من منظور الحب وليس من منظور القيود.
يختتم نذير حديثه قائلًا: “أنا أعشق جميع بناتي، لكن ليلى مختلفة، لقد غيرتني، علمتني الصبر والتقدير ومتعة الاستمتاع بأبسط اللحظات.”
وأخيرا وليس آخرا:
في هذا المقال، استعرضنا قصة صفدر نذير، الأب الذي ألهمته ابنته ليلى المصابة بمتلازمة داون لكتابة قصص تلامس القلوب، وكيف حول تجربتها إلى أدب يحتفي بالشمول والمرونة. هذه الحكاية تثير تساؤلات حول دور الأهل في دعم وتمكين أبنائهم، وكيف يمكن للحب غير المشروط أن يصنع المعجزات. هل يمكن لقصص مماثلة أن تلهم المزيد من الآباء لتوثيق تجاربهم ومشاركة رؤاهم مع العالم؟










