قصة نجاح ملهمة: يحيى يامن يتحدى الصعاب بإصرار وإيمان
يحيى يامن، شاب مصري، يسطر قصة فريدة في مواجهة التحديات الصحية، ملهمًا الآخرين بإصراره وعزيمته التي لا تلين.
يحيى يامن: رمز للإرادة القوية
نُشر في المجد الإماراتية في 20 فبراير 2025
للوهلة الأولى، يظهر يحيى يامن، الشاب المصري البالغ من العمر 15 عامًا، كمراهق عادي، مفعم بالحيوية والفكاهة وحب الحياة. ولكن خلف ابتسامته الساحرة، تكمن حكاية استثنائية تجسد الصمود والإيمان والروح التي لا تعرف اليأس.
ولد يحيى في مصر مصابًا باستسقاء الرأس، وهي حالة تؤدي إلى تراكم السوائل في الدماغ. خلال فترة الحمل، لاحظت والدته، الدكتورة ياسمين ماهر، أخصائية الأشعة، وجود مشكلة أثناء الفحص بالموجات فوق الصوتية. وعلى الرغم من طمأنة الأطباء، خضع يحيى لأول عملية جراحية في الدماغ بعد ولادته بأسابيع قليلة. وبحلول عيد ميلاده الثاني، كان قد خضع لخمس عمليات جراحية كبرى، بالإضافة إلى سلسلة متواصلة من المضادات الحيوية التي أثرت سلبًا على عضلاته وحركته.
قرارات مصيرية من أجل مستقبل يحيى
اتخذت الأسرة قرارات مهنية هامة سعيًا لتوفير أفضل دعم ليحيى. في عام 2011، انتقل والده، يامن إبراهيم، المهندس المدني المتخصص، إلى الإمارات العربية المتحدة بحثًا عن فرص جديدة وبداية واعدة. تبعته الأسرة لاحقًا، حيث اضطرت ياسمين إلى تعليق دراستها للحصول على الدكتوراه لتكريس وقتها بالكامل لرعاية يحيى وتوحيد الأسرة في الإمارات. تتذكر ياسمين قائلة: “عندما انتقلنا، كان يحيى يبلغ من العمر عامين ونصف فقط، وكان بالكاد يستطيع المشي”. وعلى الرغم من أن قدراته المعرفية ظلت سليمة، إلا أن حالته الجسدية تطلبت سنوات من العلاج الطبيعي والدعم المستمر لمساعدته على استعادة قوته.
نقطة تحول في رحلة العلاج
بينما كان يحيى يحاول التأقلم مع وضعه الجديد، واجهته انتكاسة كبيرة أخرى. في يناير 2020، وأثناء سفره بالطائرة من مصر إلى الإمارات العربية المتحدة، تعرض لنوبة صرع مفاجئة كادت تودي بحياته.
اضطرت الطائرة للعودة على الفور، ونُقل يحيى على وجه السرعة إلى العناية المركزة، لتبدأ معركته مع الصرع. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت حياته محكومة ببرنامج علاجي صارم، حيث يتناول الأدوية المضادة للصرع كل 12 ساعة دون انقطاع.
تحديات التنمر والإصرار على النجاح
على الرغم من كل هذه التحديات الصحية، رفض يحيى أن يستسلم أو أن تُعرّف حياته بمرضه. ومع ذلك، كان عليه أن يواجه قسوة العالم. لقد كانت تجربة التنمر مؤلمة، ولكنه تمكن من خلال جلسات الدعم النفسي من الأسرة والمدرسة والمتخصصين، من إيجاد طرق للتعامل مع التحديات العاطفية والتغلب عليها. تقول ياسمين: “يطرح يحيى أسئلة صعبة مثل: لماذا أنا؟ لذلك نحرص على حصوله على دعم متخصص لمساعدته على التعامل مع مشاعره”.
يدرس يحيى حاليًا في الصف التاسع في مدرسة مابلوود الدولية بأبوظبي، حيث يتبع المنهج الكندي. وتعتبر ياسمين هذه المدرسة من أفضل المدارس الشاملة في الدولة.
Treasure Trove: مشروع عائلي ملهم
في خضم التحديات التي واجهتها ياسمين في رعاية يحيى والتوفيق بينها وبين حياتها المهنية، بحثت عن منفذ إبداعي يساعدها على الاسترخاء والتعبير عن نفسها. وهكذا ولدت Treasure Trove. بدأ المشروع كهواية بسيطة لصناعة المجوهرات المصنوعة من الأحجار الكريمة، وسرعان ما تحول إلى عمل عائلي مزدهر. أصبح يحيى القلب النابض لهذا المشروع، حيث شجعته ياسمين على تولي المسؤولية، من إدارة الخدمات اللوجستية إلى تحديد أماكن بيع المنتجات المصنوعة يدويًا. سألته: “لماذا لا تدير العمليات؟” وبهذا السؤال البسيط، بدأت رحلته في عالم ريادة الأعمال. كانت إحدى أولى خطواته التجارية تصميم بطاقة عمل خاصة به، معلنًا بثقة: “أحتاج إلى تقديم نفسي بشكل لائق”. ساهم شقيقه الأكبر بتسمية المشروع “Treasure Trove Gemstones”، بينما تولت عمته، المهندسة المعمارية ذات الحس الفني الرفيع، مسؤولية التسويق. وقبل أن يدركوا ذلك، كانت الأسرة قد أسست مؤسسة متكاملة، حيث يلعب كل فرد دورًا حيويًا. ازدادت ثقة يحيى بنفسه، وقدم بطاقة عمله بفخر لمدير مدرسته، وشارك في معرض الأعمال بالمدرسة، حيث لم يقم ببيع أكبر عدد من المنتجات فحسب، بل فاز أيضًا بجائزة أفضل أداء في المبيعات. تقول ياسمين وهي تبتسم: “إنه يحتفظ بجميع شهاداته في المنزل، ليثبت لنفسه أنه قادر على النجاح، وأنه يستطيع دائمًا تقديم أداء أفضل”.
لم تقتصر Treasure Trove على الجانب التجاري فحسب، بل كانت أيضًا وسيلة لبناء الثقة وتعزيز الاستقلالية والتواصل مع المجتمع. في أحد الفعاليات الأخيرة، قدم يحيى نفسه لزميلة له في سن المراهقة قائلاً: “أنا الرئيس التنفيذي”. فصُدمت وسألته: “كم عمرك؟” فأجاب: “عمري 15 عامًا”. فقالت: “أنا أيضًا في الخامسة عشرة من عمري، وما زلت في المدرسة!” كانت هذه اللحظات بمثابة دافع قوي يعزز إيمانه بقدراته الخاصة. وبالإضافة إلى المعارض والبازارات التجارية، أصبحت Treasure Trove درسًا قيمًا في الإدارة المالية.
بعد مرور عام على انطلاق المشروع، اجتمعت الأسرة لتحليل المبيعات والمصروفات والأرباح. قرر يحيى، الذي كان يفكر دائمًا في المستقبل، توفير أرباحه، متخيلًا مستقبلًا يتوسع فيه Treasure Trove من مجرد أكشاك مؤقتة في الأسواق إلى متجر تجزئة دائم. وأعلن، عازمًا على الارتقاء بالعمل إلى المستوى التالي: “أريد حجز كشك في مركز تسوق”. لم يكن التوفيق بين إدارة مشروع تجاري متنامٍ ووظيفة بدوام كامل أمرًا سهلاً بالنسبة لياسمين. كل ليلة، بعد انتهاء العمل وقضاء الوقت مع الأسرة، كانت تصنع الأساور أثناء الاسترخاء أمام التلفزيون، وتقول ضاحكة: “كلما زاد الضغط الذي أعاني منه، كلما وجدت المزيد من المجوهرات في منزلنا”.
ومع زيادة المخزون، أصبح البيع عبر الإنترنت ضرورة، وهي المهمة التي تتولاها شقيقتها الآن. ولكن الفعاليات الشخصية ظلت هي الوسيلة الأفضل للتواصل مع العملاء، حيث يتولى يحيى زمام المبادرة. في العديد من الأسواق، يتفاعل يحيى بحماس مع العملاء، ويعرض إبداعاته المصنوعة يدويًا بفخر. تلاحظ ياسمين: “إنه لا يحب التعرض لأشعة الشمس والضغط لفترة طويلة، لذلك يأخذ فترات راحة بين الحين والآخر، ولكنه يعود دائمًا، مستعدًا للمساعدة والتعبئة والتفاعل مع المجتمع”. Treasure Trove هو أكثر من مجرد عمل تجاري، إنه رمز للمثابرة ووحدة الأسرة وتمكين الذات. بالنسبة ليحيى، فهو يمثل إثباتًا لنفسه وللعالم بأنه قادر على تحقيق العظمة على الرغم من كل الصعاب.
الصيام: تحدي آخر يثبت قوة الإرادة
بالنسبة ليحيى، فإن الصيام خلال شهر رمضان يمثل تحديًا آخر يثبت قوته وإرادته. على الرغم من تردد عائلته في البداية بسبب جدول أدويته الصارم، إلا أنه كان مصممًا على المشاركة. واليوم، في سن الخامسة عشرة، يصوم مع عائلته، ويقوم بتعديل مواعيد أدويته لتتوافق مع وجبتي السحور والإفطار. تعترف ياسمين: “ليس الأمر سهلاً، فهو يحب الطعام، ولكنه تعلم الانضباط”. إنه يدرك أن الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل يتعلق أيضًا بضبط النفس والصبر والإيمان. بالنسبة لعائلة يامن، فإن شهر رمضان هو أكثر من مجرد وقت للصيام، إنه موسم للتجمع والتواصل. رمضان هو الوقت الوحيد في العام الذي نجتمع فيه جميعًا على مائدة واحدة، بغض النظر عن مدى انشغالنا. وبالنسبة ليحيى، إنها فرصة أخرى لإثبات أنه لا يمكن لأي شيء أن يوقفه.
وأخيراً وليس آخراً: قصة يحيى يامن هي شهادة حية على قوة الإرادة والإيمان في مواجهة التحديات. فهل يمكن لهذه القصة أن تكون مصدر إلهام للشباب الآخرين لتحقيق أحلامهم وتجاوز الصعاب؟










