تطوير المهارات المهنية: منهج تعليمي متكامل للشركات في الإمارات
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الإمارات العربية المتحدة، تسعى المدارس جاهدة لتحديث مناهجها الدراسية وتقديم أساليب تعليمية مبتكرة، مثل دروس الذكاء الاصطناعي والجداول الزمنية المرنة، بهدف إعداد الطلاب لمواكبة متطلبات المستقبل. وفي المقابل، يلاحظ خبراء أن بيئة العمل قد تفتقر إلى هذا الوضوح والتنظيم في مجال التدريب والتطوير المهني، مما يستدعي إعادة النظر في كيفية بناء منهج عمل خاص بالشركات.
الشركات كحاضنات تعليمية
يؤكد دميتري زايتسيف، مؤسس شركة حضارة الهندباء، أن الشركات، سواء أدركت ذلك أم لا، هي بمثابة فصول دراسية. التدريب يبدأ منذ الأسبوع الأول للموظف، مع التركيز على مواد الامتثال الإلزامي وبرامج القيادة المتقدمة. ومع ذلك، يضيف زايتسيف أن الشركات تفتقر إلى الاستمرارية الواضحة الموجودة في المدارس، حيث ينهي الموظفون التدريب دون الشعور بأنهم يسيرون على طريق النمو المستمر.
دمج الذكاء الاصطناعي في التدريب المهني
يقترح زايتسيف أن الشركات يجب أن تحذو حذو المدارس في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن المواد الدراسية الأساسية. هذا لا يعني تحويل الجميع إلى علماء بيانات، بل يجب أن يتعلم كل موظف كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، ودمجها في سير العمل، واتخاذ قرارات أفضل بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي.
مرونة المسارات المهنية
بالإضافة إلى ذلك، يشير زايتسيف إلى أهمية مرونة الجداول الزمنية في المدارس كمصدر إلهام لتصميم المسارات المهنية. يجب على الشركات أن تتيح للموظفين فرصًا وظيفية تجريبية، مثل تبادل الأدوار والمشاريع قصيرة الأجل، لتمكينهم من اختبار نقاط قوتهم قبل الالتزام بمسار واحد.
إعادة تقييم الأداء
نحو تقييم مستمر
يدعو الخبراء إلى إعادة النظر في أساليب التقييم التقليدية، واستبدال التقييمات السنوية بنقاط تفتيش للنمو بشكل شهري أو ربع سنوي. ففي حين أن التقييم في المدارس جزء لا يتجزأ من دورة التعلم، فإنه في الشركات غالبًا ما يبدو أشبه بتشريح جثة. المحادثات المتكررة والخفيفة تحفز الموظفين وتساعدهم على التطور المستمر.
تجنب الإرهاق الوظيفي
تحذر الدكتورة رانيا صوالحة، أخصائية علم النفس في بيئة العمل بدبي، من أن الإرهاق المهني يمثل خطرًا متزايدًا، خاصةً بالنسبة للموظفين الذين يعملون لساعات طويلة.
دمج التعلم في العمل
وتضيف أن التدريب الإلزامي قد يبدو عبئًا إضافيًا، مما يفقد الموظفين شغفهم بالعمل. لذا، يجب دمج التعلم في العمل نفسه، بدلًا من تكديسه فوقه. التعلم الجزئي، الذي يتمثل في دورات تدريبية قصيرة لتنمية المهارات، يُعدّ أفضل بكثير من إرسال الموظفين إلى ورش عمل طويلة يخشونها. التدريب يجب أن يُنشّط الموظفين لا أن يُستنزفهم، وعندما يرى الموظفون أنه مرتبط بأهدافهم الشخصية ونموّهم المهني، يشعرون بأنه استثمارٌ فيهم، وليس مجرد مهمة إضافية.
تجارب الشركات الإماراتية
منهج دراسي مرن
تختبر بعض الشركات الإماراتية بالفعل مناهج أكثر تنظيمًا. يوضح أحمد المرزوقي، مدير الموارد البشرية في شركة لوجستية إقليمية، أن المنهج الدراسي لا يعني الجمود، بل هو إطار متدرج يغطي الجوانب الأساسية لجميع الموظفين، مثل الأدوات الرقمية والتواصل والامتثال. بالإضافة إلى ذلك، يختار كل قسم مواد اختيارية تتناسب مع أدواره، ويشارك الموظفون في مشاريع خارج نطاق وظائفهم المباشرة مرتين سنويًا.
نتائج ملموسة
ويؤكد المرزوقي أن هذه المنهجية أدت إلى تحسن معدلات الاحتفاظ بالموظفين وزيادة مستوى مشاركتهم، حيث شعر الموظفون أن نموهم مُخطط له، وليس مُتركًا للصدفة. وقد تم التغلب على تحدي إثقال ساعات التدريب لكاهل العمل اليومي باعتبار وقت التعلم جزءًا من وقت العمل، وليس وقتًا إضافيًا.
و أخيرا وليس آخرا , إن التحول نحو تبني منهج تعليمي متكامل في الشركات الإماراتية يمثل خطوة حاسمة نحو تعزيز القدرات المهنية للموظفين وتحقيق التنمية المستدامة. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيفية توسيع نطاق هذه المبادرات وتعميمها لتشمل جميع القطاعات، بما يضمن مواكبة الإمارات للتطورات العالمية وتحقيق رؤيتها الطموحة في بناء اقتصاد المعرفة.










