إرضاء الآخرين: كيف يؤثر على النساء في فترة انقطاع الطمث وما بعدها
غالباً ما تُرى النساء ككائنات مُعتنية وقادرة على حل المشكلات، وعادةً ما يكون الآخرون معتمدين عليهن. ومع ذلك، وراء هذا الدور الداعم، تكافح العديد من النساء لتحقيق التوازن بين احتياجات الآخرين ورفاهيتهن الشخصية، حيث يشعر الكثير منهن برغبة عميقة في إسعاد الآخرين، حتى لو كان ذلك على حساب صحتهن النفسية وراحتهن.
في حين أن الشخصية المتوافقة محبوبة، إلا أن هذا السلوك قد يكون إشكاليًا، خاصةً لمن يسعين لإرضاء الناس خلال فترات انقطاع الطمث وما بعدها.
ما هو إرضاء الآخرين؟
إرضاء الآخرين هو نمط سلوكي يجعل فيه الشخص احتياجات ومشاعر الآخرين فوق احتياجاته ومشاعره. اللطف والاهتمام بالآخرين صفات إيجابية، لكن إرضاء الناس يتجاوز ذلك، وينطوي على خوف من إزعاج أو إحباط الآخرين، مما يؤدي إلى إهمال الذات والتضحية بها.
تشمل العلامات الشائعة لإرضاء الناس:
- قول “نعم” لكل طلب، حتى في أوقات الانشغال.
- البحث المستمر عن موافقة الآخرين والتحقق من رضاهم.
- الشعور بالذنب عند إعطاء الأولوية للاحتياجات الشخصية.
- تجنب الصراع بأي ثمن.
الارتباط بتجارب الطفولة
يمكن إرجاع العديد من سلوكيات إرضاء الآخرين إلى تجارب الطفولة، حيث يفترض أن يكون الآباء ومقدمو الرعاية والبيئة المنزلية مصدراً للأمان والاستقرار.
ينشأ بعض الأطفال في بيئات يكون فيها الحب والقبول مشروطين، ولا يُظهر لهم إلا عندما يتصرفون بشكل جيد أو يلبون التوقعات. في هذه الظروف، غالباً ما يطورون سلوكيات لإرضاء الآخرين كوسيلة للتكيف والبقاء، ويتعلمون أن الحفاظ على السلام وإسعاد الآخرين وتجنب الصراعات هي طرق للشعور بالأمان والقبول، وهو أمر بالغ الأهمية للطفل.
على سبيل المثال:
- الإهمال العاطفي: الأطفال الذين نشأوا مع آباء غير متاحين عاطفياً قد يكبرون معتقدين أنه يجب عليهم العمل بجد للحصول على الحب والاهتمام.
- النقد المفرط: الأطفال الذين ينشأون في بيئات شديدة الانتقاد قد يتبنون عادات إرضاء الناس لتجنب الحكم وكسب الموافقة.
في البيئات المسيئة أو غير المستقرة، قد يتعلم الأفراد الذين تعرضوا للإساءة أو عاشوا في منازل فوضوية أن يكونوا مطيعين كوسيلة لتجنب الأذى. فالعيش تحت تهديد مستمر يدفعهم إلى السعي لتجنب الصراع، حتى على حساب أصالتهم.
بالنسبة للبالغين، قد تستمر هذه الاستراتيجيات لفترة طويلة بعد زوال التهديد، مما يؤدي إلى أنماط متجذرة من إرضاء الآخرين تؤثر على العلاقات الشخصية والمهنية.
لماذا يصبح إرضاء الآخرين مشكلة أثناء انقطاع الطمث؟
تعتبر مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث تحولات حياتية قد تكون مزعجة، وتتميز بالتقلبات الهرمونية والتغيرات العاطفية وزيادة التوتر. تمثل هذه الفترة تحدياً إضافياً، إذ يتعين على النساء التوفيق بين مسؤوليات متعددة في حياتهن اليومية، بينما يتعاملن في الوقت نفسه مع التغيرات التي تؤثر على رفاهيتهن البدنية والعقلية.
بالنسبة لأولئك الذين لديهم تاريخ في إرضاء الآخرين، يمكن أن تكون هذه المرحلة صعبة بشكل خاص حيث يجدون أنفسهم متقلبين.
زيادة التوتر والإرهاق
تؤدي مستويات الهرمونات المتقلبة إلى تقلبات مزاجية وإرهاق جسدي. تشعر النساء بالفعل بثقل هذه التغيرات الجسدية، ولكن اللواتي يسعين إلى إرضاء الآخرين يعانين من ضغوط إضافية، حيث يجدن صعوبة في قول “لا” لمطالب الآخرين، حتى عندما يشعرن بالإرهاق. وهذا يؤدي إلى تفاقم العبء العقلي والجسدي المرتبط بانقطاع الطمث.
صعوبة تحديد أولويات الرعاية الذاتية
تعتبر العناية بالنفس ضرورية لإدارة الأعراض مثل الأرق والقلق والهبات الساخنة، ولكن الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الآخرين يواجهون صعوبة في وضع أنفسهم في المقدمة، حيث يجعل الاعتقاد الراسخ بضرورة الاعتناء بالآخرين تخصيص وقت للاسترخاء أو طلب الدعم يبدو أنانياً.
المحفزات العاطفية
تؤدي التغيرات الهرمونية إلى تغيرات في الحالة المزاجية وقد تزيد من الحساسية تجاه النقد أو الرفض. الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الآخرين، والذين يميلون بالفعل إلى الشعور بعدم الكفاءة أو القلق حيال خيبة أمل الآخرين، غالباً ما يجدون أنفسهم أكثر قلقاً وتوتراً عندما يشعرون أنهم لا يلبون التوقعات، مما يؤدي إلى زيادة الانفعال والإحباط والإرهاق.
فقدان الهوية والاستياء
خلال فترة انقطاع الطمث، تشعر العديد من النساء بالخسارة، سواء كانت فقدان الشباب أو ترك الأطفال للمنزل أو تغيير المهن أو تغير العلاقات. كما قد يحتاج الآباء المسنون إلى مزيد من الرعاية، وتفقد العديد منهن والديهن. بالنسبة لأولئك الذين يسعون لإرضاء الآخرين ويستمدون إحساسهم بالقيمة من كونهم مفيدين، يمكن أن تؤدي هذه التغيرات إلى أزمة هوية، حيث يشعرون بعدم التقدير أو الأهمية، رغم أنهم قضوا سنوات طويلة في وضع احتياجات الآخرين في المقام الأول. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي هذا الشعور إلى نشوء الحزن والاستياء، مما يساهم بشكل أكبر في الضيق العاطفي.
خطوات فعّالة للتغيير والتحرر من إرضاء الآخرين
إن التحرر من إرضاء الآخرين ممكن، لكنه يتطلب اتخاذ خطوات فعّالة لتغييره:
الاعتراف بالجذر وفهمه
إن الاعتراف بأن سلوكيات إرضاء الآخرين غالباً ما تتجذر في تجارب الطفولة يمثل خطوة أولى هامة نحو التغيير. إذ أن فهم هذه السلوكيات كآليات للبقاء كانت ضرورية في السابق، لكنها لم تعد كذلك، يمكن أن يساعد النساء في البدء بإعادة صياغة تفكيرهن وتبني سلوكيات أكثر صحة وفاعلية.
وضع حدود صحية
إن الحدود ليست أنانية، بل هي ضرورية لتحقيق الرفاهية. إن تعلم وضع حدود واضحة وصحية هو المفتاح. تستطيع النساء أن يتعلمن قول “لا” دون الشعور بالذنب، والتركيز على إعطاء الأولوية لاحتياجاتهن، وخاصة عند التعامل مع التحديات الإضافية التي تصاحب انقطاع الطمث.
إعطاء الأولوية للعناية الذاتية
إن العناية بالذات لا تقتصر على الاسترخاء فحسب، بل تتعلق بالحفاظ على الصحة البدنية والعقلية بشكل مقصود. قد يتطلب ذلك طلب المساعدة المهنية، مثل العلاج أو الاستشارة، للتعامل مع السلوكيات الراسخة. كما يمكن أن يتضمن دمج تقنيات الاسترخاء، مثل التأمل، وممارسة الرياضة، أو الانخراط في الهوايات التي تساعد في إدارة التوتر وتعزيز التوازن الهرموني.
ممارسة التعاطف مع الذات
غالباً ما يكون الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الآخرين هم أشد المنتقدين لأنفسهم. إن تعلم كيفية التعامل مع نفسك بنفس اللطف والتفهم الذي تعامِل به الآخرين يمكن أن يكون وسيلة قوية لمكافحة مشاعر الذنب أو عدم الكفاءة.
تواصل للحصول على الدعم
إن انقطاع الطمث هو فترة انتقالية طبيعية. والكلمة نفسها تدعو النساء إلى التوقف. إن التواصل مع الأصدقاء أو العائلة أو مجموعات الدعم يمكن أن يوفر التصديق العاطفي ويقلل من مشاعر العزلة أو الضغط لإرضاء الجميع.
من خلال فهم العلاقة بين التجارب الماضية والسلوكيات الحالية، يمكن للنساء البدء في كسر دائرة إرضاء الآخرين وإعطاء الأولوية لرفاهيتهن خلال هذه الفترة الحرجة من الحياة. ومن الممكن أن تمر المرأة بفترة انقطاع الطمث بقدر أكبر من السلام والتوازن، وتعزيز التعاطف مع الذات.
وأخيراً وليس آخراً
في ختام هذا التحليل، يتبين أن سلوك إرضاء الآخرين يشكل تحدياً كبيراً تواجهه العديد من النساء، خاصة خلال فترة انقطاع الطمث وما بعدها. من خلال فهم جذور هذا السلوك، ووضع حدود صحية، وإعطاء الأولوية للرعاية الذاتية، وممارسة التعاطف مع الذات، يمكن للمرأة أن تتحرر من هذه الدائرة وتعيش حياة أكثر توازناً وسلاماً. هل يمكن للمجتمع أن يلعب دوراً في دعم النساء خلال هذه المرحلة من خلال توفير المزيد من الوعي والموارد؟










