اكتشافات أثرية في صحراء النفود: كنوز عمرها آلاف السنين
في قلب صحراء النفود بشمال المملكة العربية السعودية، وتحديداً في ربيع عام 2023، بينما كان العامل صالح إدريس منهمكاً في عمله الروتيني بجانب خندق اختبار في موقع أثري ناءٍ، قاده فضوله إلى اكتشاف غير مسبوق غيّر مسار فهمنا لتاريخ المنطقة.
لوحة فنية تحكي قصصاً من الماضي السحيق
تفاصيل الاكتشاف
عندما رفع إدريس نظره نحو الجرف الرملي، تجلّت أمامه لوحة منقوشة باهتة، لكنها آسرة، تصوّر 19 جملاً بحجمها الطبيعي، إضافة إلى ثلاثة حمير. هذه النقوش، التي وُجدت على سفح جبل يُعرف باسم جبل مصمى، يعود تاريخها إلى ما بين 11,400 و12,800 عام، لتصبح بذلك أقدم مثال واسع النطاق لفن الحيوانات الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط، ومن بين الأقدم على مستوى العالم.
أهمية الموقع
ماريا غوانين، عالمة الآثار في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الجيولوجية في ألمانيا، والتي قادت الفريق الميداني، أشارت إلى أن هذا الاكتشاف كان نتيجة حظ كبير، فالنقوش تظهر بوضوح لمدة قصيرة لا تتجاوز 90 دقيقة في الصباح، عندما تشرق الشمس وتنعكس على الصخور بزاوية معينة.
تحليل أثري يكشف عن حياة الإنسان القديم
دراسة معمقة
الدراسة التي نُشرت في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز، والتي قادتها غوانين، تسد فجوة هامة في السجل الأثري لهذه المنطقة. وتوضح الدراسة أن مصادر المياه العذبة، مثل البرك والبحيرات الموسمية، لعبت دوراً محورياً في استقرار الإنسان البدائي في الصحراء بعد العصر الجليدي.
اكتشافات مكملة
التحليلات التي أُجريت على رواسب جبل مصمى، بالإضافة إلى اكتشاف أدوات فنية وأدوات شبيهة بالإزميل تعود إلى نفس الحقبة في موقعين لم يسبق التنقيب فيهما، وهما جبل عرنان وجبل مليحة، تدعم هذا الادعاء. وقد عبّر ماينرات أندريه، الكيميائي الحيوي في معهد ماكس بلانك للكيمياء، عن إعجابه بالعثور على الأدوات التي استخدمها فنانو العصر الحجري الحديث.
آراء الخبراء
غيوم شارلو، عالم الآثار في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس، يرى أن هذا الاكتشاف غيّر فهمنا لفن ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العربية، وأن هذه الرسوم ربما كانت معاصرة لفن الكهوف في أوروبا الغربية.
نظرة على تاريخ شبه الجزيرة العربية
تاريخ المنطقة
على الرغم من أن المملكة العربية السعودية تشتهر بهياكلها الحجرية الضخمة التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، إلا أن المعرفة بتاريخ المنطقة في فترات أقدم لا تزال محدودة. هيو توماس، عالم الآثار في جامعة سيدني، يرى أن هذه الدراسة تقدم أدلة على أن الإنسان لم يكن موجوداً في شمال الجزيرة العربية قبل 12 ألف عام فحسب، بل كان أيضاً يبدع فناً صخرياً معقداً ويصنع أدوات تشير إلى تواصله مع منطقة المشرق.
الحياة البرية في النقوش
النقوش تمنحنا لمحة عن ثقافات منسية كانت تتعايش مع الجمال والحمير البرية، وتكشف عن مشهد حيوي يمثل مائدة طعام بالنسبة للفنانين القدماء، حيث تشمل الوعول والخيل والغزلان والثيران البدائية.
الإبل في النقوش
تظهر النقوش الإبل في موسم التزاوج، الذي يمتد من نوفمبر إلى مارس، ويظهر ذلك من خلال انتفاخ أعناقها وبطونها ومعاطفها الكثيفة. وتزامن موسم تكاثر الإبل مع موسم الأمطار أو الأشهر الباردة، حيث إن توافر الغذاء والماء في هذه الفترة يعزز فرص التكاثر وبقاء الصغار.
أدوات حجرية
أسفرت الحفريات أيضاً عن 532 أداة حجرية، تُظهر تشابهاً مع أدوات تعود لثقافات قديمة أخرى في الشرق الأوسط.
مقارنة مع مواقع أثرية أخرى
موقع سهوط
يقع جبل مصمى على بعد نحو 185 ميلاً من موقع سهوط، حيث بدأت دراسة سلسلة منحوتات تضم 21 جملاً وخيلاً بالحجم الطبيعي محفورة في النتوءات الرملية عام 2018. وتشير الأبحاث الجديدة إلى أن تلك كانت مجرد عمليات ترميم لاحقة، وأن العمل الأصلي أقدم من ذلك بكثير.
أهمية النقوش
على عكس موقع سهوط، يُعتقد أن مجموعة نقوش الجمال في الدراسة الجديدة كانت تؤدي وظيفة مختلفة: تحديد مصادر المياه ومسارات السفر. وقد تمثل أيضاً حقوقاً إقليمية وذاكرة متوارثة عبر الأجيال.
طريقة العرض
تظهر الألواح في المواقع الثلاثة المدرجة في الدراسة على صخور بارزة أو وجوه منحدرات مرتفعة ومهيمنة، ما يبرز الجهد الهائل والأهمية الرمزية للفن المنقوش.
تحديات الفنانين القدماء
كانت اللوحة التي رآها إدريس تتطلب من الفنانين القدماء العمل في وضع حرج على حواف ضيقة دون استخدام سقالات، ما يبرز الجهد الهائل والأهمية الرمزية للفن المنقوش.
الفخر بالإنجاز
ترى غوانين أن مستوى الأدرينالين لدى النقاشين كان مرتفعاً جداً، وأن هناك نوعاً من الفخر المرتبط بعرض العمل في موقع صعب للغاية.
وأخيراً وليس آخراً، يظل هذا الاكتشاف الأثري في صحراء النفود إضافة قيمة إلى فهمنا لتاريخ شبه الجزيرة العربية وثقافات الإنسان القديم. هل ستكشف لنا الاكتشافات المستقبلية المزيد عن أسرار هذه المنطقة؟










