تاريخ الإمارات : ظهور الإسلام وانتشاره في العالم العربي
معلوماتنا عن السنوات التي سبقت ظهور الإسلام في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية شحيحة، لكن فهمنا لتطورات الأحداث التاريخية منذ بزوغ فجر الإسلام يتحول من الاعتماد الكلي على الاكتشافات الأثرية إلى المصادر المكتوبة. فقد قدم المؤرخون العرب خلال العصر الذهبي للإسلام صورة معقدة عن هذه المنطقة عشية ظهور الإسلام، غنية بقصص الملوك والإمارات، والصراعات والازدهار التجاري، مع بروز جلفار كمركز تجاري حيوي.
يستعرض كتاب “فتوح البلدان” للمؤرخ أحمد بن يحيى البلاذري، من القرن التاسع الميلادي، السنوات التي سبقت الإسلام، حيث كانت أجزاء كبيرة من سلطنة عُمان والساحل الشرقي للإمارات العربية المتحدة تحت سيطرة فرع من قبيلة الأزد يعرف بـ “بنو الجلندي”، الذين هاجروا من اليمن إلى جنوب شرق الجزيرة العربية بدءًا من القرن الثاني الميلادي، وانضموا إلى قبائل أخرى (يُشار إليهم بـ “نِزار”) في المناطق الداخلية، وهي ما يعرف اليوم بالإمارات العربية المتحدة. ويذكر المؤرخ أحمد اليعقوبي في “تاريخ اليعقوبي” فروعًا أخرى من قبيلة الأزد، كآل الحدان، الذين يُعتقد أنهم استوطنوا الساحل الشمالي للإمارات، بما في ذلك رأس الخيمة. ومن المرجح أن قبائل أخرى استقرت حول الوديان والقرى، وتعايشت مع السكان الأصليين أو انتقلت إلى أماكن أخرى.
الوجود الفارسي والتجارة في جنوب شرق الجزيرة العربية
خلال القرن السادس الميلادي، اقتصر الوجود الفارسي في جنوب شرق الجزيرة العربية على الشريط الساحلي، حيث توصل الملك الساساني خسرو الأول (531-579م) إلى اتفاق مع القبائل العربية بشأن النفوذ الإقليمي، نص على سيطرة القبائل على المناطق الداخلية وبعض المواقع الساحلية، مع اعتراف الملك الساساني بحق القبائل في الإشراف على الأسواق في دبا وصحار وجلفار. وبناءً على ذلك، بسط بنو الجلندي نفوذهم على أجزاء كبيرة من المنطقة، رغم تنافس القوى القبلية الأخرى على النفوذ في دبا والساحل الشمالي.
وتشير المصادر الإسلامية إلى أن سكان هذه المنطقة عملوا في التجارة، والصناعة (مثل المنسوجات والنحاس)، والزراعة، وصيد الأسماك، والرعي، والغوص بحثًا عن اللؤلؤ. ازدهرت أسواق جلفار ودبا وصحار ومسقط ببيع البخور والتوابل والسيوف واللؤلؤ والنحاس والحرير والمواد الغذائية والقمح. وقد تمكنوا من نقل البضائع عبر الطرق البرية والبحرية التي ربطت المنطقة بالعالم الخارجي، ما جعل موقع جنوب شرق الجزيرة العربية استراتيجيًا، وجذب تجارًا من مناطق بعيدة كالهند والحبشة (إثيوبيا حاليًا).
صراع آل الجلندي مع الفرس
في أوائل القرن السابع الميلادي، سيطر شقيقان من آل الجلندي على المشهد السياسي في المنطقة، انطلاقاً من قاعدتهم في صحار على ساحل الباطنة في سلطنة عُمان. تذكر المصادر التاريخية جيفار بن الجلندي وعبد بن الجلندي، الموصوفين بـ “ملوك عُمان”، في مؤلفات اليعقوبي وابن هشام. كان آل الجلندي، قبل وصول الإسلام، في صراع مع فرع آخر من الأزد، وهم آل عتيق، المتمركزون في دبا (الفجيرة حالياً).
واجه الشقيقان من آل الجلندي الإمبراطورية الساسانية للسيطرة على الساحل، بسبب استمرار الوجود الفارسي على الساحل الشرقي، ولكن لم يُعرف ما إذا كانت رأس الخيمة تحت سيطرتهم آنذاك، لكن الأحداث اللاحقة ترجح ذلك.
اعتناق الإسلام
هذه الأحداث السياسية تُعد الأولى من نوعها التي تم توثيقها منذ وصول الإسلام إلى المنطقة في عام 630 للميلاد، وحتى تلك الفترة، كانت المعتقدات الدينية لقبائل جنوب شرق شبه الجزيرة العربية تشمل في المقام الأول عبادة الأصنام، على الرغم من وجود الكنائس، مثل تلك التي تم اكتشافها في جزيرة صير بني ياس بإمارة أبوظبي، والتي تؤكد وجود المسيحية في الإمارات العربية المتحدة في ذلك الوقت. وبحسب الروايات الإسلامية فقد التقى عمرو بن العاص -رضي الله عنه- (الذي فتح مصر) بأحد مبعوثي رسول الله محمد -ﷺ- ، الأساقفة والرهبان المسيحيين، وذلك عندما أرسله إلى ملوك عُمان، وعرض عليهم رسالة الدّين الإسلامي الحنيف التي كان جوهرها هو إتمام مكارم الأخلاق، كما جاء في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
بعد هذا اللقاء، اعتنق العديد من الأساقفة والرهبان الدين الإسلامي. ويُقال إن نقاشاً مماثلاً جرى بين عمرو بن العاص وملوك الجلندي، حيث نقل إليهم رسالة النبي محمد -ﷺ-، داعياً أهل عُمان إلى الإسلام، فاستجابوا لذلك، وفقاً لابن سعد في كتابه “الطبقات الكبير”.
نهاية الإمبراطورية الساسانية
تفيد الروايات بأن عمرو بن العاص التقى بعبد بن الجلندي قبل جيفار، الذي كان في جبال الحجر وقت وصول المبعوث. ثم دعا ابن العاص الشقيقين إلى اجتماع يضم زعماء القبائل العُمانية كافة، الذين وافقوا بالإجماع على دخول الإسلام. أُرسل المزيد من المبعوثين إلى مناطق مختلفة في شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك دبا، فتقبلوا تعاليم الإسلام. حدث ذلك بعيداً عن الساسانيين الذين رفضوا الدعوة، واحتفظوا بالسيطرة على جزءٍ كبيرٍ من الساحل، ونتيجة لذلك أشعل اعتناق الأزد للعقيدة الإسلامية العداء القائم للساسانيين.
وضع الإسلام نهاية للإمبراطورية الساسانية، فبعد اعتناق الأزد للدّين الجديد، عمدوا إلى دعم القوات الإسلامية من المدينة المنورة وهاجموا الساسانيين إلى أن تمّ طردهم من شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك “كوش” برأس الخيمة، وانتقلوا بعدها إلى جلفار، ووفقاً لحوليات عُمان التي كتبها سرحان بن سعيد (ترجمة إنجليزية في أواخر القرن التاسع عشر لجزءٍ من كتاب كشف الغمة)، قتل الأزد قائدهم مسكن -الحاكم الساساني لعُمان-، واستولوا على الذهب والفضة، ومن رأفتهم بهم، أعطى الأزد الساسانيين فرصة مغادرة البلاد، وبالفعل تركوها مخلفين وراءهم سلسلة من المستوطنات المحصّنة على طول ساحل الباطنة.
حروب الردة
بعد هزيمة الساسانيين، بقي ابن العاص في عُمان حتى وفاة الرسول ﷺ عام 632 م، حيث تولى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- خلافة المسلمين، وأصبح أول الخلفاء الراشدين، بعد ذلك مباشرة اندلعت حروب الرِّدة التي نشأت لارتداد بعض القبائل في جزءٍ كبيرٍ من شبه الجزيرة العربية عن الإسلام، حيث اعتقدت عدد من القبائل أن علاقاتهم مع المدينة المنورة قد انتهت بموت النبي محمد -ﷺ- وأعلنوا تمردهم على الحكم الإسلامي في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، وتمركز هذا التّمرد على الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث قاتلت القوات الموالية لقائدٍ يدعى لُقيط بن مالك الأزدي ضد الجيوش المشتركة للمدينة المنورة والجلندي، وعلى الرغم من قول الطبري -عالم ومؤرخ القرن التاسع -: إن الأزدي حقق في البداية نجاحاً، إلاّ أن الصراع بلغ ذروته في معركة دبا، حيث حقق المسلمون نصراً ساحقاً.
ومنذ ذلك الحين، كان لميناء جلفار دور بارز في الشؤون السياسية والاجتماعية والتجارية، وفي عام 637 للميلاد تم استخدامه كنقطة انطلاق للفتح الإسلامي لبلاد الفُرس وإلحاق الهزيمة بالإمبراطورية الساسانية. وكان من بين الّذين انضمّوا إلى الجيش الإسلامي رجال من قبيلتي أزد وعبد القيس. علاوة على ذلك، شكّلت مدينة جلفار خلال القرون التالية أهمية استراتيجية كبيرة لكل من الخلفاء الأمويين والعباسيين، رغم أن










