كنوز الإمارات: استعراض للتراث العريق والعادات الأصيلة
تتلاقى في دولة الإمارات ملامح الأصالة والمعاصرة، حيث يمتد إرثها الحضاري لآلاف السنين. تسعى الدولة جاهدة للحفاظ على هذا التراث الغني والمتنوع ونقله إلى الأجيال القادمة، ويقود هذه المساعي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، بالتعاون مع أعضاء المجلس الأعلى، لإحياء وتطوير هذا التراث العريق. تهدف هذه الجهود إلى غرس قيم الأصالة في نفوس الشباب، لتمكينهم من الربط بين الماضي والحاضر من خلال مبادرات منظمة تهدف إلى تعريفهم بإرث بلادهم.
ورغم التطور الهائل الذي شهدته الإمارات، وتحولها من قرى صيد متواضعة على ساحل الخليج العربي ومجتمعات صحراوية تعتمد على الرعي، إلى دولة عصرية متقدمة، إلا أنها لا تزال متمسكة بتراثها وتاريخها. يفتخر الشعب الإماراتي بهذا الإرث، ويسعى لحماية الجيل الصاعد من فقدان هويته العربية والإسلامية في ظل بيئة متنوعة تضم أكثر من 200 جنسية.
في ظل التغيرات العالمية التي تهدد التراث الإماراتي، تتبنى الدولة خططاً ومشاريع استراتيجية لحماية هذا الإرث. وقد ظهرت عدة هيئات ومؤسسات تهدف إلى حماية التراث، مثل نادي تراث الإمارات، وجمعية الإمارات للغوص، ومركز الوثائق والأبحاث، وجمعية إحياء التراث الشعبي، بالإضافة إلى المتاحف وقرى التراث التي تعرض نماذج متنوعة من تاريخ الإمارات.
العادات والتقاليد الإماراتية: جوهر التراث
يتجسد التراث الإماراتي في العادات والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال، والتي تستند بشكل أساسي إلى الأخلاق الإسلامية والعادات العربية الأصيلة.
الأعياد: مظاهر الفرح والتآخي
في الأعياد، يؤدي شعب الإمارات صلاة العيد في أماكن مفتوحة، ثم يعودون إلى منازلهم لتبادل التهاني مع الأهل والجيران. وإذا كانت العائلات تقيم في مناطق بعيدة، فإن الزيارات تبدأ بعد الظهيرة. يعم الفرح البلاد، ويتعاطف الناس مع بعضهم البعض، حيث يهتم الغني بالفقير، ويحنو الكبير على الصغير، ويتبادلون الهدايا والأطعمة. كما أن العيد فرصة لإنهاء الخلافات وتصفية القلوب.
يفرح الأطفال بالعيد ويستعدون له بشراء الملابس الجديدة. في صباح العيد، يذهبون مع أهاليهم لأداء الصلاة، ثم يعودون ليلعبوا ويجمعوا العيديات، ويشترون الحلويات والألعاب، ويستمتعون باللعب في الأراجيح. تتجمع العائلات والجيران طوال أيام العيد للعب جماعياً، ومن الألعاب التي يمارسها الأطفال ركوب الخيل واللعب بالسيوف. وعند الغداء، يجتمع الأهل في منزل الأكبر سناً لتناول الطعام بشكل منفصل بين الرجال والنساء.
تستعد النساء للعيد بتنظيف البيوت والاجتماع لتفصيل ملابسهن الشعبية، مثل الكندورة المخورة، والصروال، والشيلة. كما يعتنين بجمالهن وتزيين أيديهن بالحناء. أما الرجال، فيجهزون ملابس العيد قبل وقت طويل، وإذا لم يكن لديهم لباس جديد، يقومون بصبغ الملابس القديمة باستخدام نبات الورس المخلوط بالزعفران والهيل والجوز.
مراسم الزواج: استمرار العادات الأصيلة
تعتبر مراسم الزواج في الإمارات من العادات والتقاليد المتوارثة، وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات الطفيفة، إلا أن النمط العام يبقى ثابتاً. تبدأ المراسم عندما يختار الشاب شريكة حياته وفقاً لتعاليم الدين الإسلامي، مع الحرص على اختيار ذات الدين والخلق الحسن، والسمعة الطيبة، والأصل الكريم، والمكانة الاجتماعية المناسبة.
في الماضي، كان الإماراتيون يفضلون الزواج من الأقارب لتعزيز الترابط الأسري. وإذا احتاجوا إلى مساعدة، يلجأون إلى الخاطبة التي تزور بيت الفتاة وتراقبها دون علمها أو علم أهلها، ثم تنقل المعلومات إلى أهل العريس بأمانة. وإذا وافق الطرفان، يتفق الأهل على المهر، ويقوم العريس بتأثيث بيت الزوجية ودفع تكاليف العرس كاملة.
المناسبات الدينيّة: تعزيز التكافل الاجتماعي
تُعد المناسبات الدينية في الإمارات مظهراً اجتماعياً مؤثراً وإيجابياً، حيث تزيد من تماسك المجتمع وتعاون أفراده.
ليلة منتصف شعبان: حق الليلة
في ليلة منتصف شعبان، تجتمع العائلات لقراءة سورة يس والدعاء، وتقديم الهدايا للأطفال فيما يعرف بـ”حق الليلة”. يتصدق الناس بالأرز والتمر والمكسرات والطحين والدراهم، ويحصل الأطفال على الحلوى أو المكسرات المسماة “النخي”، ويضعونها في كيس من القماش يسمى “الخريطة”، ويتنقلون به بين البيوت لجمع الحلوى وهم يغنون: “أعطونا الله يعطيكم أعطونا مال الله، بيت مكة يوديكم سلّم لكم عبدالله”.
شهر رمضان المبارك: التكافل والتراحم
بحلول شهر رمضان المبارك، تتغير حياة الناس، فقبل أذان المغرب، يتم توزيع الأطعمة والحلويات أمام البيوت بمشاركة الجميع، ليأكل منها المحتاجون وعابرو السبيل وأهل الحي دون دعوة. وترسل العائلات المقيمة حول المساجد الماء والطعام إلى المصلين، ويتبادل الجيران وجبات الإفطار، وتزدهر المساجد بالمصلين في صلاة التراويح، وتنظم بعض البيوت جلسات ذكر. وتعتبر “الهريس” الأكلة المفضلة في رمضان، وتصنع من حب البر الذي يشتريه التجار في نصف شعبان ليُنقى ويُطحَن ويُطهَى في أفران خاصة.
ختم حفظ القرآن الكريم: تكريم الحفظة
كان الاحتفال بإتمام حفظ القرآن الكريم من العادات السائدة في دولة الإمارات. يتم الاحتفال بمن ختم حفظ القرآن الكريم وتكريمه، فتتفق عائلة الحافظ على تحديد يوم ليُطَاف به في الحي؛ بهدف إشهار حفظه لكتاب الله، ويرتدي الأطفال أجمل ثيابهم، وتتزين الفتيات بالحلي، ويصبغن أيديهن بالحناء، ويردد الأطفال “التحميدة” وهي عبارة عن أناشيد دينية، ويستمر الطواف لمدة تزيد عن ثلاثة أيام.
عودة حُجاج بيت الله: استقبال و احتفاء
تمثل عودة الحجاج مظهراً من المظاهر الاجتماعية السائدة التي تدل على تماسك المجتمع وتكافلهم، ويتمثل الاحتفال بعودة الغائب برفع قطعة من القماش فوق بيته يُطلق عليها “البيرق”، أو “البنديرة”، أو “النشرة”.
الحرف والصناعات القديمة: مهارة وإبداع
اعتمد شعب الإمارات في الماضي على استخدام المواد الأولية الموجودة في بيئته لبناء الآلات البسيطة وصناعة الأشياء بطريقة يدوية وحرفية عالية. من أهم الصناعات اليدوية صناعة السفن باستخدام أدوات بسيطة مثل المطرقة والمنشار والدواة والمجدع. ومن الحرف التي سادت:
- حِرف البيئة الجبلية، مثل الزراعة، والرعي، وصناعة الفخار.
- حِرف البيئة الصحراوية، مثل الحياكة، والغزل، وتربية الإبل والأغنام.
ومن الأمثلة على الحرف والصناعات المنتشرة صناعة الخوص، وحرفة المعقصة، وصناعة السدو، وحرفة التلّي، وحرفة الجلافة، وصناعة الأواني النحاسية، وصناعة الحديد، والنقش على الجبس، ودباغة الجلود، وصناعة الأحذية، وصناعة العطور، والمواد الغذائية.
الملابس الشعبيّة: أصالة و احتشام
تتميز الأزياء الشعبية الإماراتية بطابعها الإسلامي العربي الأصيل، فهي طويلة وفضفاضة وساترة للجسم سواء للرجال أم للنساء، كما أن لها خصائص محددة، مثل طريقة ارتدائها وألوانها وزخرفاتها. تتميز ملابس النساء بتنوعها تبعاً للمناسبة، أما ملابس الرجال فتتميز ببساطتها وغلبة اللون الأبيض والتصميم الموحد. يتكون زي النساء من الشيلة، والثوب، والعباءة، والبرقع، والسروال، أما زي الرجال فيتكون من العقال، والغترة، والشال، والسفرة، والعصاة، والقحيفة.
تعتبر “السويعية” من الألبسة المنتشرة، وهي عبارة عن عباءة سوداء كبيرة الحجم تهدف إلى الاحتشام والستر عند خروج المرأة من بيتها، وتلبسها المتزوجة بعد زواجها مباشرة.
الألعاب الشعبيّة: تسلية و ترفيه
من الألعاب الشعبية التي كانت سائدة في المجتمع الإماراتي:
- الغُميضة: يتم فيها عصب عيون أحد الأطفال ليجري وراء أصحابه ويمسك بهم، وهي لعبة مشتركة بين الجنسين.
- المريحان: يتم فيها تخصيص مكان عام مليء بالأشجار لربط حبال متينة في جذوعها لتصبح كالأرجوحة يلعب بها الأطفال.
- المسطاع: تتكون هذه اللعبة من قطعة خشبية صغيرة وعصا، وعلى كل طفل يحين دوره ضرب القطعة الخشبية بالعصا إلى أبعد مكان يقدر عليه، ثم تُقاس المسافات لتحديد الفائز.
- الكرابيّ: هي لعبة يتم فيها القفز على رجل واحدة، ويتم ربط علب فارغة بحبال تحت الأرجل لتمشي البنات بها وكأنهن يرتدين الكعب العالي.
تسعى حكومة دولة الإمارات للحفاظ على مظاهر التراث المتنوعة، خاصة الأمثال الشعبية والفنون والألغاز الشعبية والطب الشعبي.
المسميات الشعبية: جزء من التراث اللغوي
يتداول أفراد المجتمع الإماراتي بعض المسميات التي تدل على ألفاظ محددة، وتُعد هذه المسمّيات جزءاً لا يتجزّأ من عادات وتقاليد المجتمع وتراثه، ومنها:
- الريوق: هو طعام الإفطار، ولفظ ريوق مشتق من الريق أو السائل الموجود في الفم، وسُمي بذلك لحلاوته وقلته، حيث يكون الطعام الإفطار في بداية الصباح.
- الشرهة: يُقصد بها الجاهة أو العطية التي يقدمها الحاكم أو الأشخاص الأغنياء لصديق أو قريب سنوياً، وتتمثل في مبلغ من المال يتحدد اعتماداً على وضع الشخص الذي يمنح، والشخص الممنوح.
- الفوالة: يُقصد بهذا اللفظ الفأل الحسن، كما يُقصد بها الطعام المقدّم للزوّار من الرجال والنساء، ويدلّ اللفظ على الكرم، وحسن الضيافة.
- الرفجة: يقصد بها الحلف على شيء أو اليمين، وهي كلمة كثيرة التداول في مجالس البادية وتدل على احترام وتقدير الجلساء في المجلس، ويلتزم الحالف بتنفيذ يمينه حيث لا يقول هذه الكلمة إلا الرجال.
- التكية: هي الوسادة الكبيرة التي يتّكئ عليها الشخص في المجلس.
و أخيرا وليس آخرا : يبقى التراث الإماراتي شاهداً حياً على عراقة الماضي وأصالة الحاضر، فإلى أي مدى يمكن لهذه الجهود أن تضمن استمرارية هذا الإرث في ظل التحديات المعاصرة؟









