التصلب المتعدد: وعي وجهود مجتمعية في الإمارات
لم تكن سلمى سعيد على دراية بمرض التصلب المتعدد حتى ظهرت عليها الأعراض الأولى في عيد ميلادها العشرين في 30 أبريل من عام 2021. صداع مستمر وضعف في الرؤية كانا البداية، دون أن تعلم أنها إشارة لحالة عصبية سترافقها مدى الحياة. تتذكر سلمى، الشابة الإماراتية البالغة من العمر 23 عامًا والمقيمة في أبوظبي: “في البداية، شُخصت حالتي خطأً على أنها التهاب في الجيوب الأنفية، وظللت أراجع أطباء العيون والأنف والأذن والحنجرة. ولكن مع تدهور حالتي وفقداني الرؤية في عيني اليمنى، قررت استشارة طبيب أعصاب، وبعد فحوصات شاملة، تأكدت إصابتي بالتصلب اللويحي”.
في جميع أنحاء دولة الإمارات، تتضافر جهود المؤسسات لإحداث تغيير إيجابي، خاصة خلال شهر التوعية العالمي بمرض التصلب المتعدد في شهر مارس. أطلقت الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد (NMSS) النسخة الثانية من مبادرة “تحرك من أجل التصلب المتعدد” بالتزامن مع شهر رمضان المبارك، بهدف تشجيع المجتمع على المشاركة في الأنشطة البدنية ودعم المتأثرين بهذا المرض.
تحدي الخطوات المجتمعية: مبادرة وطنية
من أبرز فعاليات هذا العام كان “تحدي الخطوات المجتمعية”، وهي مبادرة وطنية تهدف إلى تتبع خطوات المشاركين باستخدام تطبيق STEPPI، بهدف الوصول إلى 10,000 خطوة يوميًا. وقد حقق تحدي هذا العام إنجازًا كبيرًا بتسجيل 262 مليون خطوة، أي ما يعادل مسافة 153,000 كيلومتر، وهو ما يعادل ثلاث دورات حول الأرض.
أهمية الحركة في إدارة التصلب المتعدد
تقول إيمان ضياء الدين، إحدى المشاركات في تحديات NMSS: “المشي والحركة أداتان فعالتان في إدارة مرض التصلب المتعدد. بالنسبة لي، لم يكن الأمر مجرد نشاط بدني، بل كان وسيلة لاستعادة ثقتي بجسدي وقدرتي على الحركة بحرية”. وتصف مشاركتها في مبادرة “تحرك من أجل التصلب المتعدد” بأنها تجربة غيّرت حياتها، حيث لم تقتصر على ممارسة التمارين الرياضية، بل امتدت إلى التواصل والدعم المتبادل مع أشخاص يواجهون تحديات مماثلة، مما جعلها تشعر بأنها ليست وحدها.
التصلب العصبي المتعدد في مكان العمل: تحديات وحلول
بعد عامين من تشخيصها، تعرضت سلمى لنوبة ثانية من التصلب المتعدد، بدأت بتنميل وضعف في ساقيها، ثم تطورت إلى تشنجات عضلية وانخفاض في قوة أسفل الظهر والحوض. كما أثرت هذه النوبة على توازنها وزادت حساسيتها للحرارة، مما جعل أنشطتها اليومية أكثر صعوبة.
توضح سلمى: “بما أن النوبة الأولى كانت شديدة وتأخرت في تلقي العلاج، استغرقت عملية التعافي وقتًا طويلاً. استغرق تحسن بصري قرابة عام، ورغم تحسنه، إلا أنه لم يعد كما كان بسبب تلف الأعصاب”. وتضيف أن التعب يزيد من تفاقم الأعراض، مما يؤدي إلى عودة عدم وضوح الرؤية وإجهاد العين، مما يجعل المهام اليومية أكثر صعوبة.
المرونة والتكيف: دروس مستفادة
تصف سلمى الفترة التي تلت التشخيص بأنها كانت صعبة للغاية، خاصة مع تزامنها مع نهاية شهر رمضان واقتراب نهاية الفصل الدراسي في الجامعة. وزاد من صعوبة الأمر قلة الوعي المسبق بمرض التصلب المتعدد، حيث استغرقها الأمر قرابة عام لتفهم تمامًا ما يحدث في جسدها.
ورغم هذه الصعوبات، أكدت سلمى أن رحلتها مع التصلب المتعدد علّمتها المرونة والقدرة على التكيّف، وأنها ملتزمة الآن برفع مستوى الوعي ودعم الآخرين الذين يواجهون تحديات مماثلة.
صعوبات في إيجاد فرص عمل
بعد تخرجها، لم تبدأ سلمى العمل فورًا، حيث احتاجت إلى وقت للراحة والتركيز على صحتها. انطلقت في رحلة شخصية للتأمل واكتشاف الذات، مما ساعدها على التكيف مع واقعها الجديد. وتضيف: “لسوء الحظ، كان العثور على عمل أمرًا صعبًا، ليس بسبب مهاراتي أو مؤهلاتي، بل بسبب نقص الوعي العام بمرض التصلب العصبي المتعدد في مكان العمل”.
تعترف سلمى بأنها غالبًا ما تختار عدم الإفصاح عن حالتها لأصحاب العمل، خوفًا من أن يُنظر إليها على أنها ضعيفة أو عاجزة. وتؤكد: “أفتخر بكوني شخصًا مجتهدًا، وأريد أن يتحدث عملي عن نفسه بدلًا من أن يُحكم عليّ بناءً على حالتي الصحية. آمل حقًا أن يزداد الوعي والشمول في المجال المهني، ليتمكن المصابون بالتصلب المتعدد وغيره من الأمراض المزمنة من العمل دون خوف من التحيز أو التمييز”.
تعمل سلمى حاليًا في مجال الرعاية الصحية، حيث تُدير أنظمة العيادات، ولكنها تأمل في الانتقال إلى التدريس، حيث تعشق التدريس وترغب في التركيز على أخذ دورات لبدء تدريس علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، سواءً في المدارس أو المراكز التعليمية.
قوة الحركة في مواجهة التصلب المتعدد
تؤكد سلمى أن المشي والحركة يلعبان دورًا حاسمًا في إدارة أعراض التصلب المتعدد، حيث يساعدان في الحفاظ على قوة العضلات، وتحسين التوازن، وتقليل التعب. وتضيف: “شخصيًا، لم يُعزز اتباع روتين من التمارين الخفيفة كالمشي حركتي الجسدية فحسب، بل حسّن أيضًا مزاجي العام وصحتي النفسية. إنها طريقة سهلة لإدارة الأعراض، مما يُسهّل الحفاظ على الاستقلالية وجودة الحياة”.
وبالمثل، تؤكد إيمان ضياء الدين، التي شُخِّصت بالتصلب المتعدد مباشرةً بعد تخرجها من المدرسة الثانوية عام 2017، أن الحركة تلعب دورًا حاسمًا في إدارة الأعراض. وتضيف إيمان، الصيدلانية السورية البالغة من العمر 25 عامًا والمدافعة عن التوعية بالتصلب المتعدد: “كانت تلك الفترة صعبة للغاية، ليس فقط بسبب الأعراض، ولكن أيضًا لقلة معرفتي بالمرض. في البداية، شعرت بالقلق وعدم اليقين بشأن المستقبل، ولكن مع مرور الوقت، وبفضل دعم عائلتي، تعلمت كيفية التكيف مع التصلب المتعدد وقبوله كجزء من رحلتي”.
ورغم معاناتها من التعب وصعوبة التركيز، ظلت إيمان مصممة على تحقيق طموحاتها، فالتحقت بكلية الصيدلة وتخرجت منها بنجاح. وتؤكد: “اليوم، أعمل في المجال الذي أحبه، وأثبت لنفسي أن التصلب المتعدد لن يكون عائقًا أمام أحلامي”.
نشر الوعي: مسؤولية مجتمعية
تؤكد مارال ألكسندريان، المديرة التنفيذية بالنيابة للجمعية الوطنية للتصلب المتعدد (NMSS)، على أهمية العمل الجماعي، قائلة: “تُظهر حملة “تحرك من أجل التصلب المتعدد” كيف يُمكن للجهود الجماعية، من خلال الشراكات والتوعية والمشاركة، أن تُحدث تغييرًا إيجابيًا. معًا، يُمكننا بناء مجتمع مُستنير وداعم يُعزز الوعي بهذه الحالة”.
بالإضافة إلى الحملة، تواصل الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد (NMSS) تعزيز دعمها لمجتمع التصلب المتعدد من خلال الأبحاث وإرشادات العلاج والموارد المخصصة، مثل أول خط مساعدة للتصلب المتعدد في الإمارات. ومع تزايد انتشار التصلب المتعدد في الشرق الأوسط، والذي يصيب 19 من كل 100,000 شخص في الإمارات، تلعب مبادرات مثل “تحرك من أجل التصلب المتعدد” دورًا حيويًا في تعزيز الوعي، والحد من الوصمة المرتبطة بهذا المرض، وتمكين المصابين به.
وأخيرا وليس آخرا
إن قصص سلمى وإيمان وغيرهن من المصابين بمرض التصلب المتعدد في الإمارات، تسلط الضوء على أهمية الوعي والدعم المجتمعي في مواجهة هذا التحدي الصحي. مبادرات الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد (NMSS) وحملات التوعية المختلفة تلعب دورًا حيويًا في تمكين الأفراد المصابين وتحسين جودة حياتهم. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيف يمكننا تعزيز هذه الجهود وتوسيع نطاقها لضمان حصول كل فرد على الدعم والرعاية التي يحتاجها؟










