اضطراب العمل بنظام المناوبات: تحدٍ صحي يواجه سكان الإمارات
تواجه شريحة من سكان الإمارات العربية المتحدة تحديًا صحيًا يتمثل في اضطراب العمل بنظام المناوبات. ينجم هذا الاضطراب عن العمل في أوقات غير منتظمة أو خلال النوبات الليلية. ويشدد خبراء الصحة على ضرورة إيلاء هذا الأمر اهتمامًا خاصًا لتجنب أي تأثيرات سلبية محتملة على صحة الأفراد.
ويُعرف هذا الاضطراب أيضًا باسم اضطراب الساعة البيولوجية. وفي مدينة دبي، التي لا تتوقف فيها الحركة على مدار الساعة، يعتبر هذا الاضطراب شائعًا، حسبما أفاد الدكتور معتز لبيب، استشاري أمراض الرئة والرعاية الحرجة ورئيس مختبر النوم في مستشفى مركز كليمنصو الطبي. وأوضح أن هذا الاضطراب ينشأ نتيجة لآلية عمل الساعة البيولوجية في الجسم، والتي تنظم أوقات النوم.
كيف تعمل الساعة البيولوجية؟
تتحكم عدة عوامل في دورة النوم لدى الإنسان، بما في ذلك إفراز هرمون الميلاتونين. يبدأ إفراز هذا الهرمون في حوالي الساعة الثامنة مساءً، ويبلغ ذروته في منتصف الليل، مما يعزز الشعور بالنعاس. كما تنخفض درجة حرارة الجسم الأساسية حتى الوصول إلى النوم العميق، ثم ترتفع مرة أخرى بعد الساعة الرابعة فجرًا، خاصة عند التعرض لأشعة الشمس أو الضوء الساطع. هذا التسلسل الطبيعي يُنظم دورة النوم. وعندما يحدث خلل في هذا النظام، كما هو الحال لدى العاملين ليلًا، يتأثر إفراز الميلاتونين.
تزايد الحالات وتأثيرها
أشار الدكتور إيلي أبي راشد، خبير طول العمر ومؤسس Limitless Human وRestore Fitness، إلى تزايد أعداد المراجعين الذين يعانون من مشاكل في النوم، خاصةً بين المتخصصين في الرعاية الصحية، والعاملين في قطاع الضيافة، وأطقم شركات الطيران، والمديرين التنفيذيين الذين يديرون فرقًا عالمية.
على سبيل المثال، عانى أحد المديرين التنفيذيين في شركة طيران من إرهاق شديد، وضباب ذهني، وزيادة في الوزن على الرغم من ممارسته الرياضة بانتظام.
تجارب شخصية
سميرة قسام، المقيمة في دبي والعاملة في قطاع الإعلام، تدعم عملاء في المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، وغالبًا ما تعمل عن بُعد من الولايات المتحدة، متجاوزةً فارق التوقيت الذي يبلغ 11 ساعة. تقول سميرة: “يتضمن روتيني عادةً قيلولة قصيرة تبدأ الساعة الثامنة مساءً قبل بدء العمل الساعة التاسعة، ويستمر حتى الخامسة صباحًا، ثم أعود للنوم”. وتضيف: “التحدي الأكبر هو النوم بمجرد شروق الشمس، لأن إيقاعنا اليومي غير مصمم لذلك، فنحن نخالف ما هو طبيعي للجسم. أجد صعوبة في الاسترخاء والنوم خلال النهار”.
الآثار الصحية لاضطراب العمل بنظام المناوبات
توضح الدكتورة رايزا حميد كيه إتش، أخصائية أمراض الرئة في عيادة أستر بر دبي، أن العمل بنظام المناوبات له عواقب صحية ونفسية واجتماعية وخيمة.
العواقب الصحية والنفسية
قد يعاني العاملون بنظام المناوبات من مستويات ملحوظة سريريًا من الضيق، وانخفاض في الأداء الاجتماعي والمهني. وتشير الدراسات إلى وجود علاقة بين العمل بنظام المناوبات وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسمنة، والربو، وضعف الانتصاب، واضطرابات الدورة الشهرية، ومضاعفات الحمل، وغيرها. وتعتبر منظمة الصحة العالمية العمل بنظام المناوبات مُحتملًا أن يكون مُسرطنًا، على الرغم من أن الآلية الدقيقة لذلك لم تتضح بعد.
تأثيره على الأداء والسلامة
يرتبط العمل بنظام المناوبات بزيادة الأخطاء المرتبطة بالعمل، وحوادث السيارات، والإرهاق. والاكتئاب يرتبط بشكل أقوى بالعمل بنظام المناوبات المتناوبة مقارنة بالعمل بنظام المناوبات الثابتة.
كيفية التعامل مع اضطراب العمل بنظام المناوبات
يشير الدكتور معتز إلى عدة طرق لعلاج اضطراب الساعة البيولوجية، أولها الاحتفاظ بمذكرات النشاط الحركي لمدة أسبوعين. ويتم تزويد المرضى بجهاز يسجل أوقات نومهم واستيقاظهم. ثم يبدأ العلاج السلوكي الذي يشمل تعديلات في نمط الحياة، بما في ذلك النظام الغذائي وممارسة الرياضة. كما يُستخدم علاج تقييد النوم، حيث يُطلب من المرضى عدم البقاء في السرير إذا لم يشعروا بالنعاس. وفي بعض الحالات، قد يكون العلاج الدوائي ضروريًا.
استراتيجيات الاختراق البيولوجي
يضيف الدكتور إيلي أنه وجد أن الاختراق البيولوجي مفيدٌ للغاية في هذه الحالة. وينصح بتحسين بيئة النوم من خلال إبقاء الغرفة مظلمة تمامًا وباردة وهادئة، حتى خلال النهار. كما يُنصح بتجنب تناول وجبات دسمة خلال الليل البيولوجي، وتغيير نوبات العمل، والحفاظ على طقوس ثابتة قبل النوم، وممارسة تمارين التنفس والتمدد أو التأمل التي تنبه الجسم إلى وقت الاسترخاء.
تجارب ناجحة
تؤكد سميرة أنها حققت بعض النجاح باستخدام تقنيات الاختراق البيولوجي. وتضيف: “النوم الصحي السليم أساسي، لذا أستخدم مانعات الضوء الأزرق بمجرد شروق الشمس للمساعدة في الاختراق البيولوجي لإيقاعي اليومي”.
لقد أحدثت ستائر التعتيم نقلة نوعية في حياتي، وأستخدم الضوضاء البيضاء أو سدادات الأذن لحجب أي مشتتات خلال النهار. كما أتناول قرصًا من خل التفاح قبل الوجبات لدعم الهضم والتمثيل الغذائي. وكجزء من روتيني، أحاول تحفيز دورات نوم أعمق، مثل حركة العين السريعة والنوم العميق، من خلال ممارسة تمارين يومية مع التركيز على تمارين القوة. صحيح أن الأمر ليس مثاليًا دائمًا، لكن هذه العادات تساعدني على الحصول على أفضل قسط من الراحة، حتى مع جدول غير تقليدي.
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يمثل اضطراب العمل بنظام المناوبات تحديًا متزايدًا في مجتمع الإمارات، خاصة في المدن التي لا تهدأ كدبي. من خلال فهم آليات الساعة البيولوجية واتباع استراتيجيات فعالة، يمكن للأفراد التغلب على هذا الاضطراب وتحسين نوعية حياتهم. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيف يمكن للمؤسسات والمجتمع ككل أن يدعموا العاملين بنظام المناوبات لضمان صحتهم وسلامتهم؟










