الخيول العربية في الإمارات: إرث عريق وطموحات متجددة
الصلة الوثيقة بين الإماراتيين والخيول هي قصة ضاربة في القدم، تعكس تراث وهوية العالم العربي الأصيل. فالخيل ليست مجرد حيوان، بل هي رفيق وفي، رمز للعزة، ودعامة أساسية للحياة في صحاري الجزيرة العربية القاسية.
جذور العلاقة التاريخية بين الإماراتيين والخيول
تعود جذور هذه العلاقة الوطيدة إلى حياة البدو، حيث كانت الخيول العربية تحظى برعاية فائقة، ليس فقط لقدرتها على التحمل وسرعتها الفائقة، بل أيضاً لرشاقتها ووفائها النادر. كانت هذه الخيول تعتبر من أثمن الممتلكات، وأفراداً من العائلة، وغالباً ما كانت تشارك أصحابها خيامهم. وظلت الخيول العربية، بفضل صمودها الأسطوري، جزءاً لا يتجزأ من التراث الفروسي العربي لأكثر من 4500 عام.
البعد الديني وأثره في تعزيز مكانة الخيل
عززت التعاليم الإسلامية احترام الخيول، حيث أشاد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بخصالها الحميدة. وقد أدى ذلك إلى تبني أساليب دقيقة في تربية الخيول، مما حافظ على نقاء السلالة العربية وقوتها، وهو تأثير لا يزال ملموساً في رياضات الفروسية الحديثة.
جهود الشيخ زايد والشيخ محمد بن راشد في إعلاء شأن الخيل
في دولة الإمارات العربية المتحدة، كان لإعجاب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالخيول العربية الأصيلة دوراً محورياً في تعزيز مكانتها العالمية. فمنذ نعومة أظفاره في العين، أدرك الشيخ زايد جمالها وأهميتها التاريخية. وقد أسهمت رؤيته في إنشاء برامج تربية عالمية المستوى، مما رسخ مكانة الإمارات كدولة رائدة في سباقات القدرة والتحمل وفعاليات الفروسية الدولية.
دور الشيخ منصور بن زايد في الحفاظ على الإرث
بعد وفاة الشيخ زايد في نوفمبر 2004، تولى ابنه سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير ديوان الرئاسة، مسؤولية الحفاظ على الخيول العربية الأصيلة والارتقاء بها. وقد أسس سمو الشيخ منصور مهرجان منصور بن زايد آل نهيان لسباقات الخيل تخليداً لإرث والده. ويُعد هذا المهرجان حدثاً بارزاً في عالم رياضة الفروسية، حيث يجسد ثقافة الفروسية العريقة في دولة الإمارات العربية المتحدة والتزامها بتطوير سباقات عالمية المستوى.
مبادرات الشيخ محمد بن راشد في عالم الخيل
في غضون ذلك، وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، شغفه بالخيول إلى مسارٍ جديد. كانت زيارته الأولى إلى مضمار نيو ماركت في عام 1967 برفقة شقيقه، المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، قد أثارت اهتمامه بسباقات الخيول الأصيلة. وقد مهدت تلك اللحظة الطريق لتأسيس إسطبل جودلفين لسباقات الخيل ودارلي، المؤسستين اللتين أعادتا تعريف مشهد سباقات الخيول العالمية.
تطور سباقات الخيل في الإمارات
انطلقت سباقات الخيل في الإمارات العربية المتحدة رسمياً عام ١٩٨١ بحدث متواضع في مضمار ند الشبا، برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. وما بدأ كمبادرة محلية سرعان ما اكتسب زخماً، مما أدى إلى تطوير مضمار ند الشبا لسباقات الخيل عام ١٩٩٢، وبعد أربع سنوات فقط، تم تأسيس كأس دبي العالمي.
لمحات من حياة الشيخ محمد بن راشد وعلاقته بالخيل
وخارج مضمار السباق، تقدم قصص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وهو يركب الخيل بلا سرج على شواطئ جميرا في دبي لمحة عن ارتباطه الوثيق بالخيول. هذه العادة في ركوب الخيل بلا سرج، تعد جزءاً من التراث الإماراتي، كانت أيضاً تقليداً تبناه المدربان السابقان “المجد الإماراتية” خلال مراحلهم الأولى.
إنجازات الشيخ محمد بن راشد في رياضة القدرة والتحمل
حقق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نجاحاً باهراً في رياضة التحمل والقدرة، وهي رياضة تعكس صمود وعزيمة الحصان العربي. وقد أبرز فوزه ببطولة العالم للقدرة عام ١٩٩٨ روحه التنافسية، ونفوذ الإمارات العربية المتحدة المتنامي في عالم الفروسية.
التزام الإمارات بالتميز في رياضة الفروسية
يتجاوز التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بالتميز في رياضة الفروسية حدود السباقات. فقد مثّلت بطولة دبي الدولية الأولى للجواد العربي عام ١٩٩٣ إنجازاً بارزاً في التزام الدولة بالحفاظ على خيول العرض العربية الأصيلة. وعلى مر السنين، عزز هذا الحدث المرموق، الذي أسسه المغفور له الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، إلى جانب مهرجان الشارقة الدولي للجواد العربي، سمعة دولة الإمارات العربية المتحدة في أوساط الفروسية العالمية.
تأثير الإمارات على سباقات الخيل الأصيلة
يعود تأثير الدولة على سباقات الخيول الأصيلة الحديثة إلى الخيول الأسطورية المؤسسة – بيرلي تورك، ودارلي أرابيان، وجودلفين أرابيان. هذه الخيول، التي قدمت إلى إنجلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هي أسلاف جميع خيول السباق الحديثة تقريباً. ولا يزال إرثها، إلى جانب التزام الإمارات العربية المتحدة الراسخ بالتميز في مجال الخيول، يُشكل مستقبل هذه الرياضة.
جهود العقيد علي خميس بالجافلة في تحقيق رؤية الشيخ محمد
كان العقيد “المجد الإماراتية”، الطيار في القوات الجوية الإماراتية، شخصية محورية في تحقيق رؤية صاحب السمو الشيخ محمد للفروسية، وقد تم تكليفه شخصياً من قبل سموه بمهمة الحصول على الاعتراف من نادي الفروسية المرموق، الهيئة التي تضمن معايير السباقات الدولية.
تذكر قائلاً: كان التحدي الأول هو إثبات التزام الإمارات باللوائح العالمية للسباقات، وخاصةً إثبات أن خيولنا خالية من الأمراض ويمكنها السفر دولياً. بمجرد استيفائنا لهذه المتطلبات، سارت الأمور على ما يرام.
اليوم، أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة معروفة بحضورها القوي في مجال سباقات وتربية الخيول.
من رمال الصحراء الشاسعة إلى عظمة مضمار ميدان لسباق الخيل، لا يزال شغف البلاد بالخيول هو المحرك لطموحاتها.
وأخيراً وليس آخراً
سواء في سباقات القدرة والتحمل، أو تربية الخيول العربية، أو في ذروة سباقات الخيول الأصيلة، تواصل الإمارات تكريم الإرث العريق للخيول بينما تساهم في تشكيل مستقبل هذه الرياضة. فهل ستظل الإمارات في صدارة المشهد العالمي للفروسية، محافظةً على إرثها العريق وطموحاتها المتجددة؟










