الدور المحوري لدولة الإمارات في الوساطة الدولية وحل النزاعات
تلعب دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً حيوياً في الوساطة الدولية لتسوية النزاعات الإقليمية والعالمية. تتبنى الإمارات نهجاً يقوم على فتح قنوات الحوار بين الأطراف المتنازعة، وتعزيز الحلول الدبلوماسية في مجلس الأمن والأمم المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، تقدم الإمارات مساعدات إنسانية وإغاثية للمدنيين المتضررين من الصراعات السياسية. وقد تجلى الدور الإماراتي السياسي والإنساني في معالجة أكثر الأزمات تعقيداً في منطقة الشرق الأوسط، مثل الحرب في السودان والأزمة الليبية. ونجحت الإمارات خلال رئاستها الثانية لمجلس الأمن في يونيو 2023 في إدراج هاتين الأزمتين على جدول الأعمال، بهدف دعم جهود تحقيق السلام في السودان وإيجاد حل للأزمة الليبية.
السودان
دور الإمارات في مجلس الأمن
قبل اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، بادرت الإمارات، في إطار دورها العربي، إلى دعم إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين ومعالجة التحديات الأمنية. وفي مارس 2023، أكدت الإمارات في مجلس الأمن على أن استكمال المرحلة الانتقالية في السودان يعتمد على التوصل إلى توافق سياسي واسع النطاق، مشيرة إلى أهمية ربط الجهود الدبلوماسية بدعم الاقتصاد السوداني، خاصةً في ظل حاجته لتطوير قدراته للاستجابة لحالات الطوارئ. كما رحبت الإمارات في مايو 2023 باتفاق وقف إطلاق النار بين أطراف النزاع، وأكدت على ضرورة احترام الاتفاق واتخاذ خطوات فورية لإنهاء القتال المسلح.
ومع تجدد الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أكدت الإمارات في نوفمبر 2023 موقفها الثابت الداعي إلى وقف الحرب وإيجاد حل سلمي للأزمة، وذلك خلال الاجتماع الوزاري لمجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الأفريقي. وفي مارس 2024، دعمت الإمارات دعوة مجلس الأمن لوقف إطلاق النار في السودان خلال شهر رمضان، مؤكدةً دعمها للجهود الدبلوماسية لتيسير وصول المساعدات الإغاثية والإنسانية، وخفض التصعيد، والاتجاه نحو الحوار السياسي. وأعربت عن قلقها إزاء تزايد التوترات في شمال دارفور، مطالبةً في أبريل 2024 جميع الأطراف السودانية بإنهاء القتال نظراً لما يشكله من تهديد على حياة المدنيين، ودعت مجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان إنهاء النزاع ووصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع أنحاء السودان.
حرصت الإمارات في جميع بياناتها أمام مجلس الأمن على تأكيد دعمها للحل السياسي والحوار بدلاً من الحل العسكري لإعادة الهدوء إلى السودان. وفي يونيو 2024، وجهت رسالة إلى مجلس الأمن تدعو إلى حماية المدنيين والبنية التحتية في السودان وفقاً للقانون الإنساني والدولي، والالتزام بالتعهدات التي وردت في مباحثات جدة، مع دعوة طرفي الصراع للامتثال لجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وتركز الإمارات على العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين للتخفيف من خطر المجاعة ودعم المبادرات الرامية إلى إنهاء هذا النزاع، وانضمت إلى دعوة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لعقد اجتماع في يوليو 2024 للتوصل إلى حل للأزمة السودانية.
جددت الإمارات تحذيرها في أغسطس 2024 من خطر المجاعة في السودان وانعدام الأمن الغذائي الشديد الذي يؤثر على أكثر من 25 مليون سوداني، وأشارت في كلمتها أمام مجلس الأمن إلى سوء الأوضاع في شمال دارفور وتحديداً في مخيمات زمزم وأبو شوك والسلام، داعيةً مجلس الأمن لاستخدام كافة الأدوات المتاحة له لمواجهة الوضع الكارثي في السودان، والنظر في إمكانية منح الوكالات الإنسانية والإغاثية التابعة للأمم المتحدة تفويضاً لإيصال المساعدات للمتضررين من الحرب عبر خطوط النزاع أو عبر الحدود إذا لزم الأمر. وتواصل الإمارات جهودها في أروقة مجلس الأمن بتشجيع الجهود الدبلوماسية للولايات المتحدة في تنظيم محادثات وقف إطلاق النار في جنيف، ودور السعودية وسويسرا لاستضافة هذه المحادثات بشكل مشترك.
دور الإمارات الإنساني
تعهدت الإمارات في اجتماع المؤتمر الدولي الإنساني بشأن السودان في أبريل 2024 بتخصيص 100 مليون دولار لوكالات الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية والإغاثية دعماً للسودان، وفي يونيو 2024 خصصت 70% من هذا التعهد. كما خصصت مساعدات إغاثية للشعب السوداني بحوالي 30 مليون دولار للدول الإقليمية من أجل دعم اللاجئين السودانيين في دول الجوار، إضافة إلى 130 مليون دولار في صورة مساعدات إنسانية منذ اندلاع الحرب، مع إنشاء جسور جوية وبحرية لتسهيل نقل الإمدادات الطبية والغذائية، وافتتاح مستشفيين ميدانيين في تشاد لتقديم الدعم الطبي للاجئين السودانيين الوافدين إليها.
منذ بداية الأزمة السودانية، دشنت الإمارات جسراً جوياً تضمن 10 آلاف طن من الإمدادات الغذائية والطبية عبر 159 طائرة إمدادات إغاثية، وسفينة حملت على متنها نحو 1000 طن من المستلزمات الإغاثية العاجلة. وقدمت مساعدات للاجئين في المخيمات، إضافة إلى إرسال 100 طن من المساعدات الغذائية إلى اللاجئين في جنوب السودان عبر برنامج الأغذية العالمي، وقد أشاد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ مارتن غريفيث بالدور الإنساني الذي تقوم به الإمارات في إغاثة السودانيين.
كثفت الإمارات من شراكتها مع المنظمات الأممية، وفي يونيو 2024 قدمت 8 ملايين دولار لمنظمة الصحة العالمية لتمويل المبادرات الصحية في السودان، وأكدت لانا زكي نسيبة مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية أهمية دعم عمل منظمة الصحة العالمية لتخفيف الظروف التي يعيشها السودانيون. ووقعت الإمارات في يوليو 2024 اتفاقية مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة لتقديم مساعدات غذائية طارئة للسودانيين في السودان وجنوب السودان، واللاجئين والمجتمعات المستضيفة لهم والنازحين داخلياً والعائدين المتأثرين بالحرب.
خصصت الإمارات مساعدات بقيمة 25 مليون دولار، بواقع 20 مليون دولار للسودان و5 ملايين دولار لجنوب السودان. ويصل إجمالي المساعدات الإماراتية للسودان خلال السنوات العشر الماضية إلى أكثر من 3.5 مليار دولار. وجددت الإمارات دعمها للسودانيين بالإعلان في سبتمبر 2024 عن إطلاق مبادرات إنسانية جديدة في تشاد بقيمة 10.25 مليون دولار للأمم المتحدة لدعم اللاجئات السودانيات على المستويات النفسية والصحية والاجتماعية.
ليبيا
دور الإمارات في مجلس الأمن
تعتبر الإمارات داعماً رئيسياً لعودة الاستقرار في ليبيا وإجراء الانتخابات، وفي يونيو 2023 دعت في مجلس الأمن إلى التوافق على قوانين الانتخابات لتحقيق تطلعات الليبيين، مشددة على أهمية الحوار بين الأطراف لإرساء الاستقرار وخفض التصعيد وتثبيت وقف إطلاق النار. وكررت الإمارات دعوتها في مجلس الأمن في ديسمبر 2023 لدفع المسارين السياسي والاقتصادي معاً في ليبيا ودعم جهود إعادة الإعمار، محذرة من انعدام الأمن والاستقرار وتردي الأوضاع الإنسانية وظهور تحديات اقتصادية جسيمة.
تدعم الإمارات عمل البعثة الأممية في ليبيا، وفي فبراير 2023 أكدت في مجلس الأمن دعم مقترح المبعوث الأممي لليبيا عبدالله باتيلي بشأن تشكيل فريق توجيهي رفيع المستوى معني بليبيا، لإنهاء أي خلافات بين الأطراف. وأشادت الإمارات في أغسطس 2023 بدور البعثة الأممية والمبعوث الأممي إلى ليبيا فيما يتعلق بتيسير العملية السياسية، خاصة وأن الإمارات تشدد على أهمية إتمام المصالحة الوطنية لتسوية الوضع السياسي ولتحقيق الاستقرار الاقتصادي في ليبيا. وفي أكتوبر 2023، تناول اللقاء بين أنور محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، والمبعوث الأممي لليبيا عبد الله باتيلي، الجهود الأممية الرامية لإيجاد حل دبلوماسي لإنهاء الأزمة الليبية. وفي أكتوبر 2023، شددت الإمارات أمام مجلس الأمن على أهمية تكثيف الجهود لمساعدة الأطراف الليبية على طي صفحات الخلافات، مطالبة بسحب كافة القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من ليبيا.
دور الإمارات الإنساني
لعبت الإمارات دوراً كبيراً في دعم المتضررين من إعصار درنة، وفي سبتمبر 2024 وسعت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي نطاق عملياتها الإغاثية وبرامجها الإنسانية للمتأثرين من الفيضانات في ليبيا، بتقديم مساعدات غذائية وصحية للنازحين من مناطق شرق ليبيا. وعلى مدار 30 يوماً، بلغت المساعدات الإماراتية 967.6 طن على متن 42 طائرة، استفادت منها 6386 أسرة. وأنقذت فرق البحث والإنقاذ الإماراتية 274 شخصاً في درنة، وساندت الفرق الليبية في مساعدة المتضررين وانتشال الأشلاء من تحت الأنقاض. ودشنت الإمارات “خط فحص الأشلاء المركزي” في درنة بواقع 252 وحدة تبريد لحفظ الأشلاء و4 خطوط لحفظ الجثامين.
تقييم وقراءة مستقبلية
-
تجسد دور الإمارات في الوساطة الدولية خلال رئاستها لمجلس الأمن في يونيو 2023، حيث تبنت مقترحات تهدف إلى إنهاء الصراعات الدولية الراهنة وتحقيق السلم والأمن العالميين، مما يؤكد على نهج الإمارات الثابت في تقديم الحلول الدبلوماسية في ظل تصاعد حدة الاستقطاب الدولي بين كبرى الدول، وإرساء قواعد الحوار في أي صراعات قائمة، إضافة إلى حرصها على دعم الجهود الإغاثية والإنسانية للاجئين والنازحين المتضررين من الحروب والصراعات في منطقة الشرق الأوسط.
-
تعد الحرب السودانية من أبرز الأزمات التي طرحتها الإمارات في نقاشات مجلس الأمن، لذا حرصت على حث طرفي الصراع على إنهاء القتال ووقف إطلاق النار، ودعمت بشكل واضح كل الجهود الدولية المبذولة لتطبيق هدنة مؤقتة لإدخال المساعدات الإنسانية وتخفيف معاناة المدنيين خاصة في مناطق الاشتباكات، كتمهيد لدخول الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مفاوضات مباشرة ووقف إطلاق النار بشكل دائم، ما يدفع نحو الحل السياسي وعودة الاستقرار للسودان وإعادة النازحين واللاجئين لديارهم.
-
شملت رؤية الإمارات تجاه أزمة السودان الجانبين الدبلوماسي والإنساني، ففي حين فتحت قنوات الاتصال بين الأطراف الدولية والإقليمية ودول جوار السودان من أجل خفض التصعيد هناك، واصلت إرسال المساعدات الإنسانية الطبية والإغاثية والغذائية للمدنيين، وخصصت برامج محددة للفئات الأكثر تضرراً من الصراع مثل السيدات خاصة في مناطق النزوح وداخل المخيمات في السودان وخارجها، وتشير أرقام المساعدات التي قدمتها الإمارات للسودانيين على مدار الحرب إلى اهتمامها البالغ بضرورة إنهاء المعاناة الإنسانية للمدنيين.
-
تؤكد الشراكة بين الإمارات والمنظمات الإغاثية الدولية والأممية على ثقة المجتمع الدولي في دور الإمارات المتوازن تجاه أزمات وصراعات الشرق الأوسط، لذا تعول الأطراف الدولية والأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها على الإمارات في تقديم الحلول الدبلوماسية وتقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع في السودان أو ليبيا، وتعتمد على الإمارات في الدور الإغاثي لسرعة الاستجابة للتعامل مع تداعيات الحرب في السودان وكارثة إعصار درنة في ليبيا.
-
يؤكد موقف الإمارات تجاه الأزمة الليبية على ضرورة تجاوز حالة الانسداد السياسي، وأهمية الحوار بين الأطراف لعقد انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة على أسس قانونية، ما يفسر دعوات الإمارات بمجلس الأمن حول ضرورة دعم توحيد مؤسسات الدولة الليبية وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات العسكرية والأمنية، خاصة مع تفاقم الأوضاع بين الأطراف السياسية في ليبيا وغياب آلية الحوار ما يعيق أي جهود لإنهاء الأزمة الراهنة.
-
سارعت الإمارات إلى احتواء تداعيات إعصار درنة الليبية بتقديم المساعدات الإغاثية ومساندة فرق الإنقاذ في المناطق المنكوبة وتيسير جسر جوي لإرسال كل الإمدادات الغذائية والطبية اللازمة، ويعد هذا الموقف امتداداً لاستراتيجيتها في الجهود الإنسانية، ودورها الريادي والمحوري في ساحات العمل الإنساني العالمي، لاسيما وأنها تسعى إلى دعم الأمم المتحدة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، لذا تتصدر الصورة دائماً لتقديم يد العون للمتضررين من الأزمات السياسية والبيئية في العالم.
و أخيراً وليس آخراً، يظهر الدور الإماراتي في الوساطة الدولية وحل النزاعات كنموذج يحتذى به، حيث تجمع دولة الإمارات العربية المتحدة بين الدبلوماسية الفعالة والعمل الإنساني المخلص، فهل تستمر الإمارات في هذا النهج، وهل تنجح في تحقيق المزيد من السلام والاستقرار في المنطقة والعالم؟








